حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

خذوا الحكمة من افواه البنادق

                              

 

 

 

 

                                     

في  شهر أكتوبر حيث  الجو مليء بعبق تغير الفصول و الخريف  ينشر رائحة  حلوة أسميها انا رائحة المدارس حيث تقترن بتاريخ بداية الذهاب إلى المدرسة الابتدائية ورائحة الممحاة والكتب الجديدة  و فيها كذلك صوت المعلم في درسه الأول....

كنت جالسا بهدوء متأملا قطة وهي تسير بحذر على جدار الجيران العالي، وكان بجانبي مذياع صغير يعمل بالبطاريات أستعمله حين يكون التيار الكهربائي غائبا - وهو كذلك في  معظم اليوم - أو حين يتأخر الوقت ويجافيني النوم ويكون من غير اللائق أن أشغّل المولّدة الصينية الرخيصة والمزعجة بصوتها المرعد  والتي  أصلحها كل يومين .

  إنها التاسعة ودقات ساعة "بغ بن" تنذر المكان بالقادم من الأخبار التي  قد تحمل معها  في الأغلب الكثير من روائح الموت .

استمعت إلى النشرة التي تبدأ دوما من العراق أو تنتهي به وتكون مملّة بدونه .كانت هناك أخبار عن إنفجارات في كل مكان واختطاف وأشياء أخرى لا تقل وحشية وشراسة عن ذلك كلّه . مددت يدي إلى كوب الشاي الموضوع في صينية معدنية تحملها منضدة بلاستيكية صغيرة الحجم ..شربت رشفة  وفكرت بيني وبين نفسي:

"-في مثل هذه الظروف في العراق خير للإنسان إن لم يكن مسئولاً عن عائلة أو يواجه ظروفا قاهرة تدفعه إلى الخروج من منزله  أن يبقى  في بيته لأنه من الغباء أن يعرّض أحد ما نفسه للخطر بدون مبرر..فالمنزل هو أأمن مكان.

ففي ما مضى كنت أختنق من الضّجر حين لا أغادر المنزل ولكني الآن أشعر بالأمان فيه حيث لا توجد سيارات مفخّخة ولا حواجز وهمية...

في هذه الأثناء- وأنا  أجول في خاطري - رنّ هاتفي الّنقال وكان المتكلم أحد أصدقائي المقربين و قد  دعاني لقضاء اليوم معه لأنه يشعر بالرغبة في  الحديث إلى صديق بعد أن هاجرت عائلة الفتاة التي يحبّها بسبب الظروف .لكنّني اعتذرت وأخبرته أني أفضل البقاء في المنزل لسوء الوضع الأمني و بعد منزله قليلا عنا.  فجارنا اختطف هناك قبل أسبوع فقط .شعرت بان تصرفي هذا مليء بالأنانية وهذا عكس طبعي ولكن في زمن الحروب تتغير حتى الطباع  ,بعدها

  كرّرت له  اعتذاري و أغلقت الهاتف و أكملت شرب الشاي و  شعرت بالرضا عن نفسي لأني لم أقبل الدعوة لأنّ معظم الكوارث تحدث حين يقول الإنسان:" نعم" في حين كان عليه  أن يقول: "لا".

 أعدت كوب الشاي على الصينية وهممت بإشعال سيجارة ..في هذه اللحظة بالضبط وحين كانت نار عود الثقاب تلامس رأس السيجارة قفز كوب الشاي في حجري مترافقا مع فرقعة عالية صادرة عن الصينية المعدنية .جفلت وقفزت بحركة غريزية محاولا الابتعاد، ولكن الكرسي كان قد فقد توازنه  وهويت أنا وهو على الأرض فشعرت بغضب شديد و توقّعت  بأنّ أحد لأطفال قد رمى حجرا ..فوقفت بسرعة وركضت إلى الباب كي أرى من هو سيئ الحظ الذي ستحلّ عليه لعنتي.

 لم أجد أحدا في الشارع فقد كان فارغا تماما!! عدت إلى الصينية و الكرسي كي أعيد ترتيبهما وابحث عن الحجر، ذاك الحجر .

 رفعت الصينية بعجل  وانتبهت لوجود تقعّر  لشيء غريب  حاول الاختراق وبرغم أنها كانت من الفولاذ إلا أن الأثر كان قويا و واضحا, يا لله!

دققت النظر في الأرض و صعقت لأني وجدت رصاصة مازالت حارّة لسلاح رشاش!!

حينها دخلت في نوبة ضحك هستيرية  ..وقبل أن أكمل هذه الضحكة اتصلت بصديقي وأخبرته أني قادم اليه.

 

 

 

(11) تعليقات

الرصاص والانفجارات يذكروني ...بحبك.

                      

         

وصلت صباحا مبكرا بعض الشيء  إلى النقطة التي يتجمع فيها الطلبة و الحافلات التي تنقل الطلبة من مناطق مختلفة من بغداد إلى الجامعات التي يدرسون فيها , وكان هناك عدد كبير من كلاهما ......صعدت إلى إحدى تلك الحافلات المتجهة إلى كـُــليتي دون أن أدقق في وجوه الراكبين فقد كنت منشغلا بالاستعداد لأحد الامتحانات المهمة...لم يطل الانتظار حتى امتلأت السيارة بالطلبة فانطلقنا ..كان الراديو يذيع واحدة من أغاني فيروز الصباحية ,كانت فيروز تتحدث في أغنيتها عن" شادي "الطفل الساكن في الجبال والذي سمع أصوات انفجارات و إطلاق نار حين كان يلعب مع أقرانه وذهب كي يستطلع ما يجري ولكنه ذهب ولم..... يعد!!, ربما كانت هذه الأغنية مناسبة جدا للعراق ولبنان.... أثرت فيّ هذه الأغنية,تركت أوراق المحاضرات ونقلت بصري إلى يميني ناضراَ عبر زجاج النافذة المغطى بعض الشيء بضباب كانون الثاني البارد ..كنت أقرأ بسرعة اليافطات السوداء التي تثير الرعب بسبب عددها و الأغلب الأعم كتب عليها:بسم الله الرحمن الرحيم....أنتقل إلى رحمة الله الشهيد فلان الفلاني أثر حادث غدر وجبان....أنها الاغتيالات...الاغتيالات التي لا ترحم أحد, ولا يمكن للإنسان أن يعرف هل أنه سيمر يوم ما ويقرأ ربما أسماء أحد الأصدقاء أو الأحباء؟ أو هم ربما سيقرءون أسمه هو!؟....كانت السيارة تسير بنا ببطء كالعادة بسب الازدحام ولم يكن هذا شيئاً غير عادياً,عدت إلى مواصلة المراجعة ,بقيت أراجع لفترة حتى جذب نظري موكب لأحد المسئولين العراقيين, حيث كانت تقله وحمايته حوالي خمس سيارات دفع رباعي مضلله بالسواد . وكان هذا أمراً عاديا أيضا, كان ازدحاما ً من النوع الذي يسمح للسيارات بالسير بتثاقل ولكن بدون توقفات طويلة, واصلت القراءة بعد أن صار الحزن المؤقت عاديا مثل التخدير المؤقت فلم أعد أستطيع الاحتفاظ بالحزن معي طويلاً لأن هناك أحزان قادمة في أي لحظة ويجب الاستعداد لها وإفراغ مكان لها!...لم تعد الجامعة تبعد أكثر من حوالي ربع ساعة حين سمعت صوتا غريباً لا ينتمي إلى فئة الأصوات الرحيمة ولا المحايدة ولا حتى الطبيعية, أنه صوت شرير!! يا الهي المخاوف بدأت تكبر مع تنامي هذا الصوت القادم نحونا مباشرة...لقد عرفت ألان هذا الصوت الذي يشبه صوت حرف الشين المشددة! ولكنه يعلو كلما تقدم صوبنا..يا رب ارحمنا..أنها وبلا شك قذيفة (R.B.G) متجه نحونا فقد سمعتها عشرات المرات من قبل!..أنها تخترق الدرع الحديدي لدبابة فما الذي سيحل بنا يا ترى إذا أصابت سيارتنا المدنية؟ تذكرت اليافطات السود وتخيلت أني أرى أسمي مكتوب فيها...وأصدقائي يمرون أمامي وأبي يبكي ما تبقى مني... ونهايتي الغير متوقعة ..فليس من العدل إن أموت فأنا أريد أن أعيش ! عندي أحلام كثيرة أريد أن أحققها..أريد أن أحصل على شهادتي الجامعية مثلا كي أحقق حلم حياتي بأن أكون مهندسا وأحصل على شهادة للدراسات العليا,أريد أن أرى والدي فخورا بي ,أريد أن أساعد أخوتي بعد أن أحصل على عمل ,أريد أن أذهب إلى المغرب التي يقولون أنها جميلة !!......أريدُ.....أريدُ.... أغمضت عيناي أخيراً وانتظرت الموت باستسلام.لطالما كنت أسأل نفسي ماذا يفكر الناس في اللحظات التي تسبق موتهم؟ ماذا يفكر الناس الذين يرون الرصاص يمزق أجسادهم؟  أغمضت عيوني وفكرت باللاشيء...ولكني بعد لحظات سمعت انفجارا  يصم الأذان (هذا يعني أني لم أزل على قيد الحياة !!) الحمد لله .......بدأ صراخ النساء في السيارة  واشرأبت أعناق الجميع لمعرفة هدف هذه القذيفة ومصدرها؟ ..لقد نسيت الموكب الرسمي!!! أنه الموكب! لقد أصيبت إحدى السيارات المدنية القريبة من الموكب, أرى السيارة تحترق بمن فيها,في هذه الأثناء بدأ إطلاق نار كثيف من أربع جهات من سطوح العمارات المحيطة بنا...أنه كمين ونحن في وسط مربع الكمين . كانت رشاشات "الحاصدة" السوفيتية الصنع بشريط إطلاقها الحاوي على 300 إطلاقه, تلعلع من كل مكان تحصد أفراد الحماية والناس بلا رحمة وبدون أن تفرق بينهم !!يا الهي من أين لهم كل هذه الوحشية؟؟..بدأ الرصاص ينزل علينا مثل المطر وأصواته صارت مثل صوت نظام( الاستريو) نسمعها من كل مكان  ولكن أكثر ما يثير الرعب هو صوت احتكاك الرصاص بالهواء وهو يمر قريبا منا.حاول الجميع النزول من الحافلة دفعة واحدة ولكم أن تـتصوروا مقدار الفوضى .وما زاد الطين بله هو إصابة السيارة برشقه من الرصاص أصابت السائق المسكين في ظهره..أنزل الركاب السائق على عجل أقرب إلى السحل لان الجميع يريد أن يهرب.. أما أنا ولسوء حظي فقد كنت أجلس في المقعد الأخير قرب الشباك وكانت تجلس قربي سيدة أربكتني كثيرا بصراخها وعويلها والتي صارت تتحرك مثل قط تشتعل فيه النار!! ...بعد حوالي 30 ثانية كان الجميع في الشارع ..يهربون إلى مداخل الشوارع الفرعية للاحتماء من جحيم الرصاص الذي يصيبهم  وهنا سمعت صوت قذيفة أخرى جعلتني أجمد في مكاني بانتظار النتيجة التي لن تتأخر كثيراً!!...هذه المرة أصابت العربة المضللة تماماً ,احترقت العربة كأنها قطعة من الورق ,ولكن أفراد الحماية كانوا يعرفون سلفا أن البقاء قرب السيارات سيجعلهم هدفا سهلا ,لذلك فقد أنسحب معظمهم إلى مداخل الشوارع مع الناس لأنهم وكحل منطقي لجئوا إلى تلك المداخل كي لا يبقوا مكشوفين الجوانب, لهذا فقد صار الناس في مرمى النيران الكثيفة القادمة من سطوح العمارات وأصيب عدد منهم بسبب ذلك. كنت أهم بالنزول بسرعة كي أنجو بروحي(في تلك المواقف من النادر جدا أن يفكر الإنسان بغيره) ولكني لاحظت أن هناك فتاة تجلس مجمدة قرب الشباك خلف السائق مباشرة صحت بها بكل ما املك من قوة إنزلي!....وواصلت أنا النزول ولكنها لم تتحرك.!.هل أصيبت؟! عدت إليها ورأيت عيونها شاخصة وجسمها جامد وكأنها نومت مغناطيسيا,ولكنها سليمة, لابد أنها الصدمة ..أمسكت بها من ذراعها بقوة بعد أن مرت رصاصة وأصابت زجاج المقعد الخلفي وحطمت كل ما واجهته. سحبتها بقوة وعصبية.. لم تقاوم وكأنها كانت مسلوبة الإرادة..نزلت وأنا مازلت أمسك بذراعها  كانت الناس تركض في كل الاتجاهات...وسط أزيز الرصاص ...  كان هناك صوت انفجار قريب آخر ويبدو إنها انتبهت في هذه اللحظة واستعادت رباطة جأشها وقابليتها على التصرف حيث أفلتت يدي وانحنت كي تنزع حذائها بالكعب العالي الذي يمنعها من الركض وأمسكت كل فردمن فردات حذائها بيد واستمررنا بالركض باتجاه العمارة التي تقع في الجهة المقابلة لمكان حافلتنا حيث كان يفصل بين الشارعين رصيف عالي بعض الشيء و لسوء الحظ انزلقت رجلي اليمنى حين أسندتها على أحد أركان ذلك الرصيف بمكان  زلق فيه بعض الطين من حذاء شخص عبر قبلي ربما , سقطت سقطة مدوية على ركبتي وشعرت أن روحي صعدت إلى السماء من ألالم والغضب الممزوج بالحزن ..وصلت دمعتي ألى طرف عيني وسألت الله في داخلي:ماذا فعلنا يا رب كي نستحق كل هذا؟ وقفت بسرعة بعد أن ساعدتني تلك الفتاة بمد يدها ألي وبقينا نركض(كنت أركض وأنا أعرج بسبب الألم في ركبتي) حتى دخلنا إلى العمارة وصعدنا السُلم إلى مكان بعيد عن مسارات الرصاص المتقاطعة..كنا نلهث وصدورنا تصعد وتنزل بسرعة ..,إثناء ذلك ألتفت إليها بغضب ممزوج بعتاب سائلا إياها :ماذا أصابك لماذا لم تهربي مثل الآخرين؟ , هل أصبت بالشلل؟ انحنيت أنا حينها كي أنظف ملابسي مما أصابها من طين وأوساخ وبعد أن رفعت رأسي باتجاهها منتظرا منها الإجابة ,نظرت إلي مباشرة,وقالت بصوت متقطع: أنا أشكرك لأنك خاطرت بحياتك من أجلي وأنا أسفه لأني عرضتك للخطر وأرجو أن لا تكون ركبتك قد تأذت؟ ولكن لا اعرف فقد أصبت بالشلل من الأصوات والرعب.كانت عيونها زائغة وبدأت بالبكاء , ناولتها منديلا ورقيا كي تجفف دموعها..(أخرجت أنا من جيبي علبة السجائر و استللت واحدة وأشعلتها بتوتر وبدأت أعب منها الأنفاس بتتابع سريع, ولكني بدأت أهدأ بعد عدد منها).في هذه الأثناء أستمر القتال حوالي عشرة دقائق لم نتكلم خلالها فقد صعد معنا عدد آخر من الناس وسكان الشقق فتحوا لنا الأبواب وأدخلونا إلى الداخل خوفا من صعود المسلحين وانتقال المواجه إلى داخل أروقة العمارة..و بعد أن دخل الجميع إلى أحد الشقق دار نقاش حامي لم أشارك به ,ضل هذا النقاش  يدور حول من هو المسئول المقصود وعدد الضحايا ؟ وأثناء ذلك كان هناك من يتصل بأهله من هاتفه النقال وهناك من يصب جام غضبه على الحكومة وعلى القوات الأمريكية إلى آخره... انتهت المأساة بعد قدوم القوات الخاصة التي لم تتأخر كثيرا حيث يبدو إنها كانت قريبة من المكان..جاءت سيارات الإسعاف بعدها وملئت الجو بالصفير.... خرجنا نحن ومن كان معنا من الناس من المنفذ الأخر من العمارة و الذي قام سكان الشقق بفتحه من أجلنا وعاد الهدوء يعدم مرة أخرى  لا يربكه سوى أصوات سيارات الإسعاف وسيارات الشرطة التي بدأت تصل بكثافة, كانت الشوارع تخلوا من السيارات فقد أغلقت القوات المنطقة ..تمشينا سوية  وأنا ما زلت أعرج عرجا خفيفا والتفت إليها بعد أن خرجنا خارج منطقة الخطر ..نسيت أن أعرفك بنفسي( قلت مخاطبا إياها)..أنا( نبيل خالد) طالب في المرحلة الأخيرة في كلية الهندسة الإلكترونية.أجابتني أهلا وسهلا.. وردت هي: وأنا( مينا جلال) طالبة في المرحلة الثانية في كلية الهندسة المعمارية,كانت ما تزال مصدومة أما أنا فكان الأمر عاديا بالنسبة ألي  فقد مررت بتجارب مماثلة كثيرة..التفت إليها ونظرت إلى  وجهها مدققا وكأني أريد اكتشافها الآن! ,كانت مينا أقصر مني بقليل, تمتلك وجها عراقيا مائة بالمائة بعيونها الواسعة والتي أبدعت في جعلها أجمل باستعمال الكحل  ببراعة, كان وجهها  يمتلك لونا ورديا مائلا إلى السمرة, شديد الصفاء إلى درجة اللمعان, وكانت تضع ماكياجا خفيفا يتناسب مع جو الجامعة وكذلك يدل على الذوق, كان جسمها متناسقا وكان ذلك واضحا من خلال ملابسها التي اختيرت بعناية كي تظهر الأنوثة والاحتشام في نفس الوقت , كان شعرها أجمل ما فيها فقد كان يصل إلى أسفل الكتف بقليل  بخصلاته الملتفة في النهاية , أنفها كان رومانيا  وفمها كان تزينه أسنان لؤلئية متناسقة ولكن أكثر ما أثار إعجابي هو يديها التي لم أرى بجمالهن, وانتبهت إلى ذلك حين ترجتني إن تستعمل هاتفي النقال لان هاتفها بقي في حقيبة يدها في السيارة  وإذا أتصل أحد أفراد عائلتها ولم تجبهم سيشعرون بقلق كبير. أخبرتني أنها ستتصل بوالدها كي يعيدها إلى المنزل لأنها لم تعد تستطيع إكمال اليوم في الجامعة ..ناولتها هاتفي النقال وانتبهت إلى يدها التي كانت بالكاد تحيط بنصف الهاتف وكأنها تحمل  لوحة مفاتيح لحاسوب!! كانت أظافرها تدل على أن صاحبتها تعتني بها بصورة دائمة, ,اتصلت بوالدها  والذي أخبرته بالمسألة باختصار وأعلمته أنها ستنتظره في باب الجامعة كي يقلها إلى المنزل ..أكملنا الطريق إلى الجامعة سيرا على الإقدام, تبادلنا الأسئلة حول طبيعة دراستنا  ورأيها بما حدث, لا أعرف لماذا بدأ شعور غريب يراودني وأنا أتحدث إلى هذه الفتاة التي كانت خجولة وتحاول أن لانتظر في وجهي مباشرة  , كانت رائعة في كل شيء ! وصلنا إلى باب الجامعة و لم يبقى على امتحاني سوى دقائق ..وقفنا متقابلين وكانت أفواج الطلبة الداخلين تغمرنا  ظلت تنظر إلى الأرض ورفعت رأسها ببطء وخجل  وشكرتني للمرة الإلف وأبدت إعجابها برباطة جأشي و عدم ارتباكي..كنت أثناء ذلك أنظر في عينيها الكحيلتين الواسعتين لان كل هذا الكلام لا يهمني  ويبدو إن ذلك كان جليا على تفاصيل وجهي فقد مرت بقربي مجموعة من زميلاتي في الصف وبدأن بالابتسام والتهامس ولكني كنت في عالم آخر ,فقد كنت في حيرة فأنا لأول مرة أشعر بهذا المقدار من الرغبة في إن أرى إنسانة  ما  مرة أخرى, لم أطل الوقوف فودعتها بابتسامه وهي كذلك ..ولكني قرأت في عينيها شيء آخر...  شيء يدعوني للعودة إليها مرة أخرى....وحين استدرت تاركاًً إياها

أكملت الامتحان وكانت إجابتي  لا بأس بها ,خرجت مبكرا فلم يكن عندي محاضرات أخرى ,عدت إلى البيت ولكني لم أكن أستطيع منع نفسي من التفكير بها ..كانت عيناها واسعتان كأسوار بابل  وقد ضعت فيهما. شعرت وكأني عدت إلى مرحلة المراهقة . لم أستطع النوم ظهرا لأنها بدأت تجتاحني كالضباب,كنت أحسب الساعات كي يأتي يوم غد.  استيقظت صباحا وأنا متلهف للذهاب إلى الجامعة ,كنت أتمنى أن التقيها في السيارة, لذلك فقد حرصت على أن أصل في وقت مبكر جدا...وبقيت أنتظرها عند المدخل الرئيسي لمكان تجمع الحافلات في المرآب ...بقيت أحدق في الوجوه برغم كثرتها ولكني في النهاية رأيت "مينا" وهي تسير وحيدة وتحمل معها نموذج كرتوني لبناية أو شيء من هذا القبيل ...كانت تسير ورأسها مائل بصورة جانبية كأنها فرس عربية أصيلة كانت مشيتها مليئة بالأنوثة والدلال.اكتسحني شعور لا يوصف  جعلني أشعر وكأني قادر على الطيران. ..صباح الخير  قلت لها ..فرفعت رأسها باستغراب ومفاجأة سرعان ما حلت محلها ابتسامة ملائكية بعد أن تعرفت ألي وردت :صباح النور
  نبيل ..أعقبت ردها ألي بسؤال متلهف: كيف هي حال ركبتك اليوم؟ وكذلك أخبرتني أنها تنقل ألي تحيات والدها وأنه سيتصل بي كي يشكرني . شكرتها على سؤالها عني وأبلغتها بتحياتي لوالدها وكذلك  أخبرتها باني لم أقم سوى بالواجب!! وعاجلتها بسؤال من أجل تلطيف الجو وأبعاده عن الرسمية: هل أنت مستعدة لمعركة أخرى اليوم ؟ سألتها بنبرة مازحة ؟ أجابتني : لا لا لا(كانت ترافق هذه اللاءات ابتسامة عريضة)   أرجوك فأنا لم أستفق بعد من صدمة الأمس و لولا امتحان اليوم لما كنت قد حضرت..صعدنا سوية إلى الحافلة و كان الجو باردا في الخارج ولا أعرف لماذا أضافت برودة الجو جمالية أخرى لعطرها الصباحي الهادئ؟,جلسنا في مقعدين متجاورين, بقينا نتحاور أنا وهذه الفتاة الرائعة حتى وصلنا إلى الجامعة ,كانت فتاة ذات إطلاع واسع ,والدها يعمل أستاذا جامعيا في أحد ى الجامعات العراقية المرموقة,بدأنا نلتقي كل يوم في الحافلة وفي الجامعة, لقد بدأنا أنا ومينا نصبح جزءاُ واحدا ... كنا نستغل كل لحظة فراغ كي نلتقي و نجلس في النادي الطلابي نشرب الشاي و أنظر في عينيها إلى الما لا نهاية..أشتري بطاقات تهنه مليئة بقلوب الحب وأهديها إليها.. أكتب لها الخواطر والقصائد وهي تصنع لي بعض الكعك بيديها العجينتين ,آه كم كانت جميلة  والاهم كانت امرأة حقيقية تجيد الخياطة ,والطبخ وتعرف الكثير عن تربية الأولاد.لا اعرف لماذا تذكرني ببطلات الأفلام العربية الكلاسيكية؟ فهي مثلهم في الكثير من تصرفاتهم و لا أشعر أنها تنتمي  إلى بنات هذا الجيل آلائي يمتزن بالكثير من السطحية(ليس جميعهن بالتأكيد) ..شعرت أني عجوز وأن الحب قد أعاد الشباب إلى أطرافي(كما يقول الشاعر عبد الوهاب البياتي)...صرت أشعر بأني وجدت المرأة التي كنت أبحث عنها منذ عرفت أن هناك رجل وامرأة في هذا العالم. كانت تتصل بي كي تعرف هل وصلت بسلام أم لا؟ ترسل إلي رسائل قصيرة من هاتفها النقال وفيها كلمات حنونة,تتصرف وكأنها أم أولادي(هذا ما كنت أتمناه معها). كان هذا العام أسعد الأعوام ,كان كل أصدقائي يعرفونها وكذلك صديقاتها يعرفوني لأنهم يعرفون ما بيننا من عاطفة صادقة ,كان عامي الأخير في الجامعة وكان هذا ما يقلقني ويقلقها فهي لن تستطيع رؤيتي إلا في فترات متباعدة لأنه من غير المعقول أن آتي إلى الجامعة كل يوم بعد تخرجي!,لذلك فأن كل ما سيربط بيننا هو الهاتف والذي لا يغني عن رؤية هذه المرأة والتمتع برؤية وجهها الملائكي. كنت أمازحها دوما و أتقصد أثارتها حين أذكرها بمقولة الكاتب الروسي الأثير لدي"مكسيم كوركي"..حين كان يقول :(أن كل النساء القبيحات هن نساء ذكيات وعلى الرجال أن يتزوجون بهن!!) ولكن بما أنك يا مينا امرأة جميلة لذلك فأنت غير ذكية وأنا أستغرب وصولك إلى كلية الهندسة؟ كانت تجيبني  بنفس الإجابة  والابتسامة لا تفارقها ..حسنا تعال معي كي أجد لك امرأة قبيحة . لم يتبقى على نهاية العام سوى شهر ,أقمنا حفلة التخرج لدورتنا وجاءت وشاركتني الفرحة وقد جلبت معها إلى قالب من الكعك لم أحصل منه ألا على قطعه صغيره فقد التهمه أصدقائي الذين يعرفون سلفا مقدار براعة هذه المرأة في فن الطبخ. التقطنا الصور سوية وتحول لون وجه مينا إلى الوردي وطأطأت رأسها خجلا حين جاء أحد أصدقائي وقال أرجو أن أرك مع نبيل تلتقطين صورة ولكن هذه المرة ببدلة بيضاء  !! أنا ابتسمت ونظرت في عينيها  وسألتها ما هو رأيك؟ هربت مني خجلا إلى صديقاتها اللواتي كن يقفن قريبا...مرت الأيام سريعا وقبل أيام من نهاية العام الدراسي صارِحتني مينا بأن والدها بدأ يتعرض للتهديد منذ فتره وهو الآن يخطط لشيء ما!! لم تكن مينا تخفي عني شيء لأنها كانت تعرف أن علاقتنا ليست عابرة......بعدها بدأت ألحظ أن مينا قد بدأت تفقد البريق الجميل الذي كان يفيض من عينيها, والسعادة الطفولة حل محلها الشرود, لم يمر زمن طويل حتى صارحتني بأن عائلتهم ستترك العراق لان والدها بدأ يتأكد أن التهديد صار جديا فقد قد قتل زميل له في نفس القسم الذي يدرس فيه, آخر مرة التقيت بها كانت في باب النادي الطلابي..أهدتني ورقة كتبت فيها أشياء عن حبنا وأنها لن تنساني...طلبت منها أن نبقى على اتصال....رفضت ميناِ...لأنها امرأة حكيمة وتعرف نهاية هذه الأشياء....ذهبت ولم أودعها...وذهبت ولم تودعني وآخر ما أذكره منها هو دمعتين نزلت مع الكحل على خديها الورديين....وأن أصوات الرصاص والانفجارات مازلت تذكرني بحبها.....

 

 

 

 

(101) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.