حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

خذوا الحكمة من افواه البنادق

                              

 

 

 

 

                                     

في  شهر أكتوبر حيث  الجو مليء بعبق تغير الفصول و الخريف  ينشر رائحة  حلوة أسميها انا رائحة المدارس حيث تقترن بتاريخ بداية الذهاب إلى المدرسة الابتدائية ورائحة الممحاة والكتب الجديدة  و فيها كذلك صوت المعلم في درسه الأول....

كنت جالسا بهدوء متأملا قطة وهي تسير بحذر على جدار الجيران العالي، وكان بجانبي مذياع صغير يعمل بالبطاريات أستعمله حين يكون التيار الكهربائي غائبا - وهو كذلك في  معظم اليوم - أو حين يتأخر الوقت ويجافيني النوم ويكون من غير اللائق أن أشغّل المولّدة الصينية الرخيصة والمزعجة بصوتها المرعد  والتي  أصلحها كل يومين .

  إنها التاسعة ودقات ساعة "بغ بن" تنذر المكان بالقادم من الأخبار التي  قد تحمل معها  في الأغلب الكثير من روائح الموت .

استمعت إلى النشرة التي تبدأ دوما من العراق أو تنتهي به وتكون مملّة بدونه .كانت هناك أخبار عن إنفجارات في كل مكان واختطاف وأشياء أخرى لا تقل وحشية وشراسة عن ذلك كلّه . مددت يدي إلى كوب الشاي الموضوع في صينية معدنية تحملها منضدة بلاستيكية صغيرة الحجم ..شربت رشفة  وفكرت بيني وبين نفسي:

"-في مثل هذه الظروف في العراق خير للإنسان إن لم يكن مسئولاً عن عائلة أو يواجه ظروفا قاهرة تدفعه إلى الخروج من منزله  أن يبقى  في بيته لأنه من الغباء أن يعرّض أحد ما نفسه للخطر بدون مبرر..فالمنزل هو أأمن مكان.

ففي ما مضى كنت أختنق من الضّجر حين لا أغادر المنزل ولكني الآن أشعر بالأمان فيه حيث لا توجد سيارات مفخّخة ولا حواجز وهمية...

في هذه الأثناء- وأنا  أجول في خاطري - رنّ هاتفي الّنقال وكان المتكلم أحد أصدقائي المقربين و قد  دعاني لقضاء اليوم معه لأنه يشعر بالرغبة في  الحديث إلى صديق بعد أن هاجرت عائلة الفتاة التي يحبّها بسبب الظروف .لكنّني اعتذرت وأخبرته أني أفضل البقاء في المنزل لسوء الوضع الأمني و بعد منزله قليلا عنا.  فجارنا اختطف هناك قبل أسبوع فقط .شعرت بان تصرفي هذا مليء بالأنانية وهذا عكس طبعي ولكن في زمن الحروب تتغير حتى الطباع  ,بعدها

  كرّرت له  اعتذاري و أغلقت الهاتف و أكملت شرب الشاي و  شعرت بالرضا عن نفسي لأني لم أقبل الدعوة لأنّ معظم الكوارث تحدث حين يقول الإنسان:" نعم" في حين كان عليه  أن يقول: "لا".

 أعدت كوب الشاي على الصينية وهممت بإشعال سيجارة ..في هذه اللحظة بالضبط وحين كانت نار عود الثقاب تلامس رأس السيجارة قفز كوب الشاي في حجري مترافقا مع فرقعة عالية صادرة عن الصينية المعدنية .جفلت وقفزت بحركة غريزية محاولا الابتعاد، ولكن الكرسي كان قد فقد توازنه  وهويت أنا وهو على الأرض فشعرت بغضب شديد و توقّعت  بأنّ أحد لأطفال قد رمى حجرا ..فوقفت بسرعة وركضت إلى الباب كي أرى من هو سيئ الحظ الذي ستحلّ عليه لعنتي.

 لم أجد أحدا في الشارع فقد كان فارغا تماما!! عدت إلى الصينية و الكرسي كي أعيد ترتيبهما وابحث عن الحجر، ذاك الحجر .

 رفعت الصينية بعجل  وانتبهت لوجود تقعّر  لشيء غريب  حاول الاختراق وبرغم أنها كانت من الفولاذ إلا أن الأثر كان قويا و واضحا, يا لله!

دققت النظر في الأرض و صعقت لأني وجدت رصاصة مازالت حارّة لسلاح رشاش!!

حينها دخلت في نوبة ضحك هستيرية  ..وقبل أن أكمل هذه الضحكة اتصلت بصديقي وأخبرته أني قادم اليه.

 

 

 

(11) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 27 نوفمبر, 2006 12:46 م , من قبل سارة مطر
من المملكة العربية السعودية

هل لازلت في الحقيقة في بغداد..

ولم تمت حتى الآن؟؟ أخاف على العراقيين أن ينتهوا؟؟ لماذا كل هذا القتل والتفجير..


اضيف في 27 نوفمبر, 2006 06:16 م , من قبل nabeeliraq
من روسيا الاتحادية

نعم ياسارة أنا مازلت في بغداد..ولم أخرج من المنزل منذ شهر..لانه لاشئ في الخارج سوى الموت.


اضيف في 28 نوفمبر, 2006 02:05 م , من قبل سارة مطر
من المملكة العربية السعودية

نبيل..

أتمنى أن تكون بخير.. قرأت اليوم مقالتك للمرة الثانية.. ربما فقط لكي أطمئن أنك لازلت بخير..!!


اضيف في 21 ديسمبر, 2006 05:25 م , من قبل دينا
من لبنان

حمدا لله على سلامتكم ... فما حفظ حذر من قدر ... وحسبنا الله ونعم الوكيل ... نسأل الله تعالى أن يفرج عنا جميعا .


اضيف في 31 ديسمبر, 2006 10:31 م , من قبل Summer
من لبنان

Nabeel, this post is on the lighter side of life, although it has bullets and death in the smell of the air, but it is a milder post than all the others...have a wonderful night!!


اضيف في 01 يناير, 2007 12:50 م , من قبل nabeeliraq
من روسيا الاتحادية

دينا
أشكرك لدعائك أيتها الصديقة الطيبة وأدعو من الله ان يحفظك شكرا لمرورك مرة أخرى.


اضيف في 01 يناير, 2007 12:51 م , من قبل nabeeliraq
من روسيا الاتحادية

سمر
كلامك صحيح فقد جمعت هذه القصة كل المتنا قضات في هذه الحياة..واشكرك كثيرا على مرورك الدائم.


اضيف في 31 يناير, 2007 12:07 ص , من قبل فتاة الإسلام
من هولندا

آآآآآآآآآه ........

يا ربي شو هذا ....

أتعرف أين الأمان الأمان فر من الشارع الى القلوب ... تلك القلوب التى سكنها الحب ستبقى آمنة مهما حدث ....


سلام و وردة لك يا نبيل ...


اضيف في 21 ابريل, 2007 03:30 م , من قبل nabeeliraq

فتاة الاسلام انا احييك على كلامك هذا فعلا القلوب هي المكان الافضل للامان
تحياتي لك وامنياتي بالسعادة.


اضيف في 05 يونيو, 2008 04:46 م , من قبل mayalmoudalal
من سوريا

مرحبا
لم يعد الوطن وطناً ولم تعد البيوت في يغداد امنة ولم تعد المدارس تعبق برائحة الاقلام والدفاتر.
جميل جداوشكرا للجهود


اضيف في 05 يونيو, 2008 08:26 م , من قبل nabeeliraq

mayalmoudalal
الاخت العزيزة من سوريا...هذه القصة قديمة ..كتبتها منذ اكثر من عام , والان فان عبق المدارس بدا يعود (لن اقول عاد) لكني اشعر به ..اشعر براحئة خفيفة جدا..ستكبر -حسب ظني - ستكبر كي تحتوينا مرة اخرى ...سانتظر ...سانتظر ..سانتظر.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.