أنا قادم إليك...كي أأبنك ..يا بسام...يا أيها الفتى المدلل حين ولدت ..وحين مت............... لبست ما يليق بالمناسبة بذلة سوداء بدون ربطة عنق و هئنذا وصلت إلى المدخل الشرقي لمدينة الصدر..مدينة الفقراء.... صفعتني صورة عملاقة للسيد حسن نصر الله تمتد من سطح إحدى العمارات إلى الأرض مذكرتا إياي بأني قد دخلت إلى مدينة الصدر.. المعقل الشيعي..حيث يسكن ثلاثة ملاين إلى أربعة ملايين شخص في منازل ضيقة كالقبور......كانت صور مقتدى الصدر ووالده..تملئ الساحات والجزرات الوسطية معيدة تذكيري بإلحاح.. دوما.. بمن يملك السلطة هنا...العين المدربة تستطيع تمييز رجال المليشيا..وقد ميزتهم... هم ينظرون إلى عيون الآخرين وفيها سؤال واحد...هل أنت مفخخ؟ وصلت مبكرا بعض الشيء...كانت هناك صورة كبيرة مغطاة بقماش ابيض مرفوعة بعمودين من الحديد مصبوغين بلون أبيض, طول الواحد حوالي ثلاثة أمتار,وتحتها يرقد مدفع بسام الرشاش الروسي الصنع والذي يسمى بال(بي كي سي)..ملفوفا بالزهور.... كان معدنه الأسود يعانق الورد!...على قاعدة من السيراميك الأبيض...وصورة مقتدى الصدر تطغى على المشهد....فتشني أحد الحرس الذين يقفون في بداية حلقة التفتيش الأولى.....راجعت ذاتيا إجراءات الأمن والتي تعلمتها بكل بساطة لأني أعيش في العراق ! لأنه لابد أن قيادات مهمة من مكتب الصدر ستأتي وربما يكونون مستهدفين وأنا من سيدفع الثمن!!....أولا :يجب أن تكون هناك سيارات مطاردة تقف على الأقل على بعد مائتي متر عن مكان التجمع كي تطارد أي سيارة يحاول راكبوها أطلاق الرصاص من بعيد ,نظرت بتركيز فوجدت سيارتين حديثتين من نوع (اوبل ) تقف على بعد مناسب..جيد!.... يجب أن يكون هناك قناصة على سطوح البنايات القريبة لمعالجة أي هجوم محتمل..جيد... أنهم موجودون!...و الآن فلنرى ما هي أخبار الطوق الأمني ضد الأحزمة! حسنا لقد فتشوني مرتين..أنا أعتقد شخصيا بان كل هذه الإجراءات غير مهمة عدى التفتيش عن الأحزمة لأنه لا أحد يتجرأ على الدخول آلا إذا كان يريد أن يموت ومن يلبس حزاماً ناسفاً بالتأكيد هو شخص يريد أن يموت!..استقبلني أبن عمتي الأكبر و احتضنني بحرارة. أبن عمتي الرجل الرزين..ببشرته الحنطية...وشخصيته القوية وقلبه الطفولي والمتخرج من كلية الأعلام.كان هناك حوالي مائة كرسي من البلاستك وعدد كبير من سيارات المليشيا وعشرات الرجال بملابس سوداء..عدد منهم يحمل أجهزة الاتصال اللاسلكية...جلسنا أنا وهو بكرسيين متقابلين أمام المنصة التي سيعتليها المتحدثون...بعد أن سألني عن الحال و الأحوال..سألته أنا عن عمتي وأحزانها وسألته بعد ذلك سؤالا محددا هو:كيف مات بسام بالضبط؟ أدار رئسه باتجاه المدفع الرشاش وكأنه يستأذنه بالكلام....أخرج علبة سجائره وناولني واحدة وأخذ الثانية ,قمت أنا حسب الأصول المتعارفة بإشعالهما ....أخذ نفسا طويلا ...ورفع رأسه إلى الأعلى و زفر زفرة قوية في الهواء مخرجا الدخان مثل نافورة....أنتظر ثواني قبل أن يتحدث قائلا:كان بسام جنديا في الجيش العراقي من ضمن القوات الخاصة وقد تدرب على أيدي رجال قوات المارينز المحنكين وعلى أيدي ضباط القوات الخاصة العراقية الشرسين.. ولكنه طرد هو ورفاقه بعد أن رفض الذهاب للقتال في "الفلوجة".وأنت تعلم بأنه أنظم إلى جيش المهدي منذ تأسيسه حتى أنه قاتل الامريكان في" الفلوجة" نفسها قبل أن تُبرز التنظيمات التكفيرية ومن ورائها الحاقدين أنياب الطائفية..المهم..كان بسام ضمن" السرية الذهبية" للعمليات الخاصة التابع لجيش المهدي والتي كانت لا تكلف إلا بالواجبات الصعبة... كان واجبه الأخير هو اقتحام أحد المنازل الآمنة لإحدى العصابات التكفيرية ومحاولة جلب أسير واحد على الأقل ,حيث إن هذه الخلية يعُتقد إنها مسؤولة عن الهجمات الدموية الأخيرة في مدينة الصدر ....بعد أن قضى النهار مع القياديين ووضع الخطط وكيفية التنفيذ إلى آخره من الأمور التكتيكية... عاد عصرا....وأخبرني أنهم بعد ساعات سيتوجهون لتنفيذ الواجب....أخرج مسدسه الثمين من نوع" روجر" وأخذ يدي ووضعه فيها..وقال: يا أبن أمي هذه مهمتي الأخيرة..فأنا لن أعود..وضع في جيبي ورقه فيها وصيته كما أخبرني... سألته وأنا لم أكن أعلم بالتفاصيل لأنهم كانوا سريين.. لماذا تقول ذلك وأنت قد قمت بعشرات المهمات من قبل؟ أجابني: أنا أشعر بذلك يا أخي... تركني وحيدا ومشى متوجها إلى أمي ...قبلها وأحتضن جسدها العجوز بذراعية العملاقتين..,,تجول في غرف المنزل غرفة غرفة..قبل أبنائي الصغار.... ورحل ..... مرت الساعات بطيئة...كنت أنتظره على الباب.... وأنا أجلس القرفصاء...فكلامه أقلقني!! ولكن ماذا ننتظر أن يصيب رجلا يعمل في فرقة عمليات خاصة؟!. حاولت الاتصال بهاتفه ولكنه كان مغلقا كعادته في تلك المواقف..مرت الدقائق بطيئة......فكرت بكل شيء وهل من المعقول أن يعلم الإنسان إذا كان سيموت أم لا؟...آه يا أخي المدلل...لماذا رضيت أن تكون مقاتلا بهذه السرية؟...كان بإمكانك القيام بالكثير من الأشياء غير أن تكون محاربا ..كأن تهاجر مثل كل العراقيين الذين تركوا وطنهم...كان بإمكانك أن تفتح محلا تجاريا في منطقتنا الهادئة هذه......ولكنه كان عنيدا لان والدي رحمه الله قد أفسده ...ما زلت أذكر أمي التي طلبت منه مائة مرة أن يترك جيش المهدي..ولكنه رفض.. في المرة الأخيرة التي كلمته بالموضوع أثناء تناوله طعام الغداء بعد عودته من إحدى المهمات الخطرة حيث قتل أحد رفاقه ..وبالتحديد الشخص الذي كان يحمل هذا المدفع الرشاش.(مشيرا بإصبعه إلى الرشاش الموضوع تحت الصورة). بعد أن فاتحته أمي بالموضوع رمى صينية الطعام وصرخ بأعلى صوته ..أذن فمن يدافع عنك وعني !؟..هل سنبقى نذبح على الطرق السريعة.وترمى جثثنا في الأنهار؟.....لا و ألف لا , ولا تفتحي هذا الموضوع مرة أخرى يا أمي..... بقيت أسرح في أفكاري بعيداً..حتى أني فكرت بسلاحه المشئوم الذي يسمى " رشاش الشهداء"! ..لأن كل من يستلم هذا الرشاش يموت , وكان بسام رقم خمسه في هذه السلسلة..... في هذه الأثناء....رأيت الأضواء الكاشفة لعدد من السيارات الحديثة....جاءت سيارات السرية مسرعة بريبة....جاءت جميعها إلى شارعنا....حينها شعرت بوقوع أمر ما... لقد عرفت أنه م.. ا..ت ....مر شريط طفولته أمامي...حين كنا نموت من السعادة ونحن نرى طائراتنا الورقية ترتفع عاليا...تذكرته حين كان فتىً حرا يلعب كرة القدم ......تذكرته حين صار رجلا وسيما و أخبرني قبل أيام انه يحب بنت الجيران الجميلة وطلب مني أن أكلم والدها.......تذكرت وجهه الوسيم وتخيلته مضرجا بالدماء...تذكرت جسده العملاق وشريانه النافر من رقبته الغليظة.. تذكرت عناقه الأخير حتى وكأني أشعر بنبضات قلبه!!...توقفت سيارة قائد السرية أمامي.... الباب الوحيد الذي فتح هو بابه....نزل بغير استعجال وهو يحاول أن يتجنب النظر في عيوني التي كانت ترسل صليات من علامات الاستفهام وتترجاه بأن لا يقول تلك الكلمة المشؤومة..... أمسكته بقوة من زنده.....لم يتكلم...لم يتألم ...احتضنني فقط...وبكى بطفولة..حتى أني سألت نفسي:كيف يمكن أن يطلق النار رجل بهذه الطفولة؟ بكى بحرارة أهل الجنوب العاطفيين....عانقني وكانت كأنها الإشارة للرجال الموجودين في السيارات , الذين نزلوا في نفس اللحظة...رفعوا فوهات رشاشاتهم إلى الأعلى.. وبدأت الرشاشات كأنها تعزيني بطريقتها الخاصة.....كانت تلك الرشاشات تبصق رصاصها مزغردة بلهيب غاضب معطر بالبارود مشفوع بعويل الأنفجارات......أثناء ذلك كله قام أحد الرجال بإخراج رشاشة بسام كي تبكي عليه هي الأخرى كما بكت على الذين حملوها من قبله وستبكي على من سيحملها من بعده.. ركب لها شريط من الرصاص.(.ثلاثمائة إطلاقه من الرصاص الحارق الخارق, كان بسام قد قضى ساعاته الأخيرة يملئ هذه الأشرطة بالرصاص)..وعلقها بحزام جلدي أستند على عاتقه مارا تحت إبطه, والشريط الطويل يمتد في الشارع ووجهها نحو السماء باحتراف وصل حد التلقائية.... بدأ بإطلاق رصاصها المتوهج مطلقا بذلك مئات المذنبات التي تعلن أن هناك أمرا جلل قد حصل!......كانت الرشاشات تطلق رصاصها إلى الأعلى والرجال دموعهم تنزل إلى الأسفل..كان صوت هذا العدد الكبير من الاسلحة بمختلف أنواعها مرعبا ويصم الآذآن وكأنهم يريدون إرعاب الموت بأسلحتهم الأوتوماتيكية ,جارين أذنه مهددين إياه بأن لا يقترب منهم مرة أخرى, يرافق كل ذلك صوت رنين ناعم هو نغم تساقط المظاريف النحاسية... كان رنينها متناغما مع الحزن....خرج جميع سكان الشارع الضيق... وخرجت أمي..راكضة.....نظرت ألي. والى السيارات.......هل تعرف كيف تنظر آلام في تلك اللحظة؟ ....كنت أنظر إلى عينيها التي ملأتها الدموع..وانعكاس لهيب البنادق يومض فيهما.....اتكأت على الباب وسقطت...لم تستوعب أنها لن ترى أبنها الوسيم الذي كانت تلملم له حوائج العرس!!..(لا توجد متعة توازي متعة ألام حين تشتري لابنها أشياء الزفاف وهي تخبر كل من تريد أن تشتري منه حاجةً بنوع من الزهو أنها تشتريه لابنها العزيز فهو سيتزوج قريبا!!)...في خضم ذلك انتبهت لأمر ما وكأن أحدهم رمى على رأسي سطل ماء بارد..أين جسد بسام.؟.هل تركوه في أرض المعركة؟...ركضت إلى آمر السرية ولم يكن بعيدا عني.( في تلك اللحظة سكتت البنادق ولكن العيون لم تسكت)..و أمسكته من قميصه بكلتا يدي.. صرخت بوجهه:أين بسام ؟( لم أستطيع أن أنطق أين جثة بسام)...طأطأ رأسه وجذبني من يدي وفتح باب سيارته الخلفي... كان بسام جالسا وكأنه نائم ولكن بعيون مفتوحة وعلى وجهه تعبير الغضب لا الخوف..كان مصابا بإطلاقه واحدة فقط..واحدة في العنق..نظرت إليه باستسلام...التفت إلى آمر السرية وسألته بهدوء:كيف قتل؟..مسح دموعه وقال: بعد أن نفذنا المهمة..وأثناء عودتنا اصطدمنا بدورية أمريكية حاصرتنا بسرعة عجيبة وعرفنا أنها النهاية..ولكن بسام أطلق الرصاص بكثافة عالية عليهم مما أجبرهم على التراجع فاتحا لنا المجال للهروب..وأثناء تغطيته انسحابنا..أصيب بطلقة قناص أمريكي. وردف الآمر قائلا :كان بسام يخرج مدفعه الرشاش ونصف جسمه الأعلى من فتحة التهوية للسيارة حين أصيب وكان يشير بكفه نحو نحو تلك الفتحة. نظرت أنا مباشرة ووجدت الدم الجامد يغطي السقف المعدني الأسود للسيارة. تركني وذهب يبكي وحيدا. في خضم وصف أبن عمتي لما جرى في ذلك اليوم قاطع كلامنا أبن عمتي الآخر" حسام" قائلا: لقد جاء المدعون...فأنهى بذلك قصة ضحية أخرى لعنف احرق وطن بأكمله.... جلست أنا في السطر الثاني..لان السطر الأول مخصص للشخصيات المهمة....رفعوا قطعة القماش البيضاء ....وظهرت صورة بسام.....كانت صورة كبيرة يظهر فيها مبتسما وأسنانه البيضاء واضحة و مغطيا جسده بكفن أبيض معلنا استعداده اللانهائي للموت ,..قرؤوا القرآن..والقوا.. قصيدة لمظفر النواب, قصيدة " خالد أكر" البطل الذي اقتحم معسكرا أسرائلياً..وبعدها القوا قصائد بالشعر الشعبي العراقي وكانت مكتوبة ومفصلة من أجل بسام ورشاشته..رشاشة "الشهداء" كما سموها..وفي النهاية وبعد إلقاء الكلمات.. والتوعد بعدم التراجع والذهاب حتى النهاية,نادى عريف الحفل على آمر السرية الذهبية كي يسلم هذه الرشاشة ويلبسها للمتطوع الجديد الذي سيحل محل بسام في هذه السرية... سرية الموت...قام آمر السرية ,,رفع الرشاشة الثقيلة ..والبسها إلى العضو الجديد ....البسها ..حسام...أخ بسام الأصغر....
كنا في منتصف الربيع..وكان الجو في بغداد رائعا إلى درجة أني كنت أظن أن الله قد أعارنا الجو الموجود في الجنة لذلك اليوم.و في ذلك اليوم بالتحديد إلتقيتها ....فهل تسمحون لي أن أصفها؟ حسنا: كانت يداها سلتين من ريحان..وعيناها نجمتين..وشعرها أرجوحة للريح والزهر وصوتها وسادة للشمس والقمر.* وحين كانت فاطمة تتكلم فكأن سربا من العصافير يزقزق في صوتها.. كانت متناسقة كسمكة , كلا.. كسيمفونية. كانت نقية كدمعة ومتسامحة كنبي, كان لديها حنان يوازي عشرة أمهات! كانت خجولة مثل سنبلة, ورزينة مثل رجل دين...وحلوة حلوة حتى يخيل ألي أن والدها المصاب بداء السكري ممنوع من تقبيلها ! هذه هي فاطمة , فاطمتي . و الآن سأحكي لكم كيف التقيت بها:بما إن الجو كان جميلاً, وصادف أن عدد من المدرسين لم يحضروا إلى المدرسة, فقد اقترح بعض الطلبة الذهاب في سفرة ترفيهية كي يخففوا عن أنفسهم بعض الضغوط الدراسية, وصار الاتفاق هو الذهاب إلى إحدى الحدائق العامة, ووقع الاختيار على إحدى الحدائق القريبة. استأجرنا سيارة وحشرنا أنفسنا فيها بعد أن اشترينا بعض الطعام ومستلزمات السفرة بعجل من المحلات القريبة من المدرسة ,كنا خمسة أصدقاء ,لم يدم الأمر طويلا حتى أوصلنا سائق التاكسي العجوز إلى مبتغانا , كان الجو هناك أكثر روعة وأكثر جمالاً. بعد أن استقبلتنا الفراشات,اخترنا مكانا ملائما كي نضع أغراضنا فيه, وكان قريبا من البرج الشاهق الذي تشتهر به هذه الحديقة و لم يكن هناك عدد كبير من الزوار لان النهار كان في أوله بالإضافة إلى أن العائلات لا تأتي إلا بعد الظهيرة حيث يعود الناس من أعمالهم ,كانت حوالي الساعة التاسعة والنصف حين قرر الأصدقاء أن يذهبوا لركوب بعض الألعاب التي تسبب لي بعض الدوار فاعتذرت عن مرافقتهم وقررت البقاء قرب الأمتعة ريثما يعودوا...كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية مداعبة" وجهي, والفراشات تدور في كل مكان والعشب الأخضر يعطي شعوراً بالتفاؤل ,بقيت أتأمل مجموعة من الأوز وهي تشق طريقها ببطء في المجرى المائي الاصطناعي القريب نسبياً مني, والذي يقع تحت البرج مباشرة,غرقت بمشاعر ارتياح وارتخاء كنت بحاجة أليها منذ زمن طويل....كان ظهري مستنداً إلى جذع شجرة من أشجار السيسبان الخالية من الأوراق لسبب أجهله,كنت أفكر باللاشيء مصوبا نظري إلى المدخل الشمالي للحديقة حين لاحظت مجموعة كبيرة من الناس تجتاز الباب الرئيسي,فكرت..ربما تكون سفرة ترفيهية لإحدى المدارس ولم أشغل بالي كثيرا فأنا جئت هنا كي أسترخي .. أغمضت عيوني وعدت للتفكير في أللاشيء مرة أخرى.. بقيت لدقائق في هذا الحالة حتى صار وقع خطى هذه المجموعة قريبا مني حيث يبدو أنهم اختاروا مكانا قريبا من المكان الذي اخترناه نحن. رفعت أجفاني ففوجئت بعد كبير من الفتيات يملأن المكان !!يبدوا أنها سفرة مدرسية ,تذكرت الكاتب الأيرلندي" برنارد شو" حين يقول: حيث توجد المرأة توجد الحياة!! لقد صار للمكان طعم آخر ويبدو أن عناصر الجنة قد اكتملت! نظرت إلى هذه المجموعة نظرة عابرة ويبدوا أنهن من إحدى المناطق الراقية في بغداد, حيث كان ذلك واضحا من ملابسهن وحقائبهن ,كان من السهولة معرفة ذلك لأن الحصار كان ينشب أسنانه الكريهة في لحم العراقيين فإزداد الفقراء فقرا الأغنياء غنى ..لم أحدق بوجههن لأني أحتقر المتسولين على النساء الذين ليس لهم هدف حقيقي سوى تسجيل الانتصارات واستغلال المرأة إلى أقصى حد ممكن ,كنت أهم بلملمة أغراضنا البسيطة كي أختار مكان آخر, فمن المحرج البقاء مع هذا العدد الكبير من الفتيات!...بعد أن رفعت الأكياس وخطوت خطواتي الأولى فوجئت بشيء أصابني خلف كتفي الأيمن ..نظرت بصورة غريزية إلى مكان الإصابة ووجدت أثار تراب بسيطة على قميصي الأبيض كانت ناتجة عن كرة يد سقطت متدحرجة قربي بعد أن أصابتني.التفت باحثا عن المسئول عن هذه الضربة !فتقدمت ألي مباشرة فتاة وقد أحمر وجهها و هي تعتذر ولكن مهلا أنا لم أنظر أليها بدقة لأني كنت منشغلا في محاولة تنظيف القميص!!..اقتربت مني جدا محاولةً تنظيف القميص .كنت من النوع الذي يرفض أن يرى أي امرأة, مهما كانت, يرفض أن يراها في موقف محرج ولكنها حين اقتربت مني جدا والتقت عيوني بعيونها توقف الزمن وعم هدوء يشبه الهدوء الذي يحصل بعد انفجار قنبلة ذرية حيث تموت كل الكائنات الحية ...لم أتكلم ..لم أتحرك... غبت في عالم آخر كنت أنا وهي فيه فقط!! لم أمر بهذه الحالة من قبل !! كانت تتكلم ...وأنا لا أسمع!.....كانت تشير بيديها وأنا لا..أ...ف..ه...م...!...استعدت وعيي فقط حين لسعتني السيجارة التي ضلت بين أصابعي تحترق وحيدة!!...تمتمت ببعض الكلمات التي لم تفهمها هي ولا حتى أنا!! لم أستطع أن أبتعد عنها كثيرا..أردت أن أراها من بعيد, وجلست كي أعيد توازني !! ..نظرت أليها ..يا الهي!! لم أر شعرا بهذا الطول والجمال!! كان شعرها كثيفا مثل العسل وطويلا كقصيدة بدوية!! كان يمتد إلى أسفل ظهرها.وجهها كان برونزيا صافيا مثل نجمات السينما!! كان البياض في عينيها غير عادي وكذلك ا لسواد, في تلك الأثناء كانت تنظر ألي بنظرات خاطفة وخرقاء تدل على قلة الخبرة واللهفة....بقيت جالسا نصف ساعة في نفس المكان أتبادل النظرات مع هذا الملاك تحركت هي وصديقتها باتجاه البرج...كنت أشعر بشيء أسميته الإيمان المطلق!! ولكن الأيمان المطلق بماذا؟ الأيمان المطلق بأن هذه الفتاة هي المرأة التي خبأها لي القدر كي أعيش معها إلى الأبد..أيمان مطلق وواثق وأكيد مثلما أنا أكيد بأني موجود في تلك اللحظة في ذلك المكان , في تلك الساعة اجتاحني شعور برغبة لا تقاوم للكلام معها والتعرف أليها وكانت كل الأعذار بالنسبة لي غير مقبولة,لأني واثق ومتأكد بأنها غير مرتبطة. ولكن كيف عرفت أنها غير مرتبطة؟ الجواب بسيط!:..لأني لم أر في عينيها ذلك البريق الذي تشع به عيون المرأة حين تحب!! ولم تكن حركاتها تمتلك تلك الثقة التي تمتاز بها المرأة حين تعشق, لأن الحب بكل بساطة يقوي المرأة و يعطيها ذلك الألق ..وفوق ذلك كله كنت أرى في عينيها تلك النظرة التي تقول :تعال ألي..كلمني ..أشعرني بأنك مهتم بي...تركت كل شيء في مكانه ,الأغراض والطعام وسرت أليها كي أكلمها كرجل من واجبه أن يدافع عن سعادته حين يجدها لأني كنت أعرف بأني إن لم أصارحها برغبتي النقية والحقيقية فأن شعور الندم سيرافقني لزمن طويل..(المرأة تعرف إذا ما كان الرجل كذابا أم لا ولكنها بعض الأحيان تخدع نفسها) صعدت هي في المصعد وصعدت معها كي نصل إلى الطابق الأخير في البرج. كان المصعد ممتلئاً ولكني كنت أشعر بدقات قلبها وأسمع تهامسها مع صديقتها..كانت مرتبكة .(بإمكان الإنسان الشعور إذا ما كان الشخص الذي بجواره مرتاح لوجوده أو منزعج منه أو يرغب بالكلام أليه أو أنه غير منتبه أليه أصلاً!!) وأنا أشعر بأنها متلهفة لإكمال ما بدأ قبل قليل....وصلنا إلى الطابق الأخير...حيث كان المنظر رائعا لبساتين النخيل المحيطة بالمكان ومنظر جزء كبير من بغداد كان واضحا كذلك. وريح عذبة تضرب وجوهنا وتملئ صدورنا بريح نقية..انزوت هي وصديقتها بعيدا عن الآخرين, حينئذ قررت الذهاب والتكلم معها مباشرة ولم أتردد ولو للحظة لأن ما أقوم به هو بمباركة السماء التي أعطتني هذا الشعور الذي لم أمر به من قبل هذا الشعور الذي أعطاني الشجاعة للذهاب والتحدث. حين وصلت إليها قلت لها:صباح الخير(قلتها بحزم وثقة وكأني أتحدث لشخص أعرفه منذ سنوات)...صباح النور قالتها بأنفاس متقطعة ووجه محمر و هي متكئة على السور الحديدي الواطئ وكأنها ستفقد الوعي!!! حينها ضحكت من أجل أن اللطف الجو..هل تخافين مني؟( قلتها وانا ابتسم) انظري أنا لا أحمل السلاح!! كانت ستسقط على الأرض في أي لحظة!!كنت حائرا..هل أتركها وأبقى طوال حياتي أحلم بأن أصادفها في مكان ما؟ أم أتصرف تصرفا آخر؟ لم أتردد وأخرجت قلما وقررت أن أكتب لها رقم هاتفي..ولكن يا لها من مصيبة لم أعثر ولا على قصاصة ورق!!تصرفت بسرعة (كانت تراقبني بصمت واستسلام وصديقتها تبتسم بخبث) أخرجت قطعة نقد ورقية وكتبت عليها رقم هاتفي(لم أكن مستعدا أن أتخلى عن حلمي)..سلمتها لها واعتذرت لإحراجي لها وأخبرتها بأني سأنتظر اتصالها وأني لا أقوم بإعطاء رقم هاتفي لكل فتاة أراها وتركتها مبتعداً..عدت وقد وجدت أحد أصدقائي يبحث عني وفوجئ حين عرف أني تركت الأغراض في المكان بدون أن اخبرهم ! .المهم وجدناها كما هي .أستمتع الجميع إلا أنا فقد كنت في عالم آخر ..لم أحاول رؤيتها مجددا و لكن ذهني شرد إليها...سألني أصدقائي بإلحاح عن سبب إبحاري في هذا الشرود ؟ لم أجبهم..عدت إلى المنزل بلهفة عند حوالي الثانية والنصف بعد أن أصررت على أن نعود مبكرين ..جلست جوار الهاتف منتظرا أن يرن..(لم يكن هناك هاتف نقال في العراق في ذلك الحين) كنت أستمتع بالجلوس وحيدا والتفكير بها..كنت أقرأ ديوانا للشاعر التشيلي الثوري "بابلو نيرودا" وقرأت له هذه القصيدة التي ذكرتني بشعرها: ليس لي الزمن الكافي لكي أحتفل بشعرك, على أن أعده خصلة خصلة وشعرة شعرة علي أن أتغزل بكل شعرة على حدة. الآخرون يريدون أن يحيوا مع عيون أحبوها, أما أنا فلا أريد أن أكون آلا مُسرحا لشعرك. ..بقيت أنتظر لساعات..فكرت بكل الاحتمالات ما عدا أنها قد رمت رقم هاتفي ؟!! وفي تلك الأثناء رن جرس الهاتف!!..لم أعرف ماذا أفعل!!..وماذا أقول وكيف أنال إعجابها؟ قررت أن أكون طبيعيا..رفعت السماعة...الو!! لقد كان صديق أخي الكبير يسال عنه! يا لها من خيبة أمل.. دق جرس الهاتف ثلاث مرات ولم تكن هي!! مر اليوم الأول بانتظارها دون جدوى...لا أعرف لماذا شعرت باليأس...دخلت إلى البيت وفاجأتني والدتي حين سألتني عن الفتاة التي أتصلت قبل قليل وسألت عني ؟ أردفت والدتي سؤالها بتساؤل آخر قائلة:أن لهجتها غريبة! بقيت في حيرة قطعها رنين الهاتف في غرفة الاستقبال ..تركت والدتي ومشيت بخطوات سريعة..الو!! فاجئني صوت سماوي دافئ..حتى تخيلت أنه من دفأ صوتها أن سلك الهاتف قد تحول إلى غصن طويل من اللبلاب وأن جهاز الهاتف قد تحول إلى سلة من الورد.... صوتها رفعني من الأرض ووضعني في الفردوس... - نبيل موجود؟ - نعم أنا نبيل! - أنا فاطمة التي أتلفت قميصك!!( قالتها مصحوبة بضحكة مرتبكة وصوت مرتعش قليلاً) - ضحكت أنا أيضا ( ليس بسبب كلامها ولكن لفرحي باتصالها) لا تهتمي يا فاطمة!! بقينا أنا وفاطمة نتبادل الأسئلة وتبين أنها فعلا تسكن في مكان راق (لم يكن يهمني حتى لو كانت تسكن في إحدى قرى الهند) وتبين كذلك أن سبب هذه اللهجة هو أن والدتها مغربية ووالدها تاجر عراقي مقيم في المغرب ولكنه عاد إلى هنا مؤخرا محاولا أيجاد فرص استثمارية وإقامة مشاريع مع رجال أعمال عراقيين آخرين...كنا نتجنب الدخول إلى الموضوع العاطفي الذي جمعنا ولا أعرف السبب..كنا نتحدث يوميا لأكثر من ساعة..وبعد مرور قرابة أربعة أيام أخبرتها بما شعرت به حين رأيتها..ولكنها فاجأتني حين أخبرتني قائلة:نبيل هل تعلم أن أصابتك بكرة اليد في قميصك لم تكن مصادفة!! سألتها باستغراب: ولكن كيف؟لا بأس سأخبرك يا نبيل: منذ الأسبوع الأول لسكننا في بغداد صرت أرى طيفك( ظننتها تسخر مني) أنت وقميصك الأبيض وبنطالك الأسود وشعرك المدهون ..كل شي.. كنت أراك دائما..وكنت أحكي لصديقتي "سمر" عن هذا الطيف المتكرر..حتى صارت تتندر ضاحكة وهي تقول أنظري إلى هذا الشاب أعتقد أنه هو ..أنظر إلى ذلك آلا يشبه رجل الحلم؟!!! ولكن حين وصلنا إلى الحديقة ورأيتك مغمض العينين متكئاً بظهرك على جذع الشجرة, عرفت بما لا يقبل الشك بأنك أنت هو... ولكنك لم تنتبه ألي ولا إلى نظراتي!! وكنت تريد ترك ذلك المكان إلى مكان آخر فعرفت أن حلمي يغادر... أأترك حلمي يغادر؟ عند ذلك قامت سمر حين رأت حزني وخيبة أملي بهذه الحركة ورمت الكرة باتجاهك وحصل ما حصل ويبدو أنا نجحنا!! ضحكت من كل قلبي وتذكرت شيخ الجامع القريب من منزلي حين كان يقول:أن الله قال في قرآنه حين كان يتحدث عن الشيطان أن كيد الشيطان كان ضعيفا. وقال عن النساء أن كيدهن عظيم .ومنذ ذلك اليوم ..صرنا أحباء رسميا...(في ذلك العمر فأن المشاعر تكون مرهفة إلى درجة الفجيعة) كنت أكتب لها القصائد والمسرحيات التي هي بطلتها الوحيدة...كنت أشعر بتلك السعادة الفردية التي لا يمكن شرائها حين كنت أحبها وتحبني ..كنت أراها في كل مكان في المنزل ..تجلس في المطبخ مع والدتي وهي تصلح لي أزرار قميصي..أراها وهي تأكل مع العائلة..أراها تغسل الصحون وتحضر لي الطعام!! كنت لا أنساها ولو للحظة..كنت أراها عبر الأشياء وكأن أحد ما قد أخذ عدسات نظارتي الطبية وطبع عليها صورة فاطمة بطريقة شفافة فكنت أراها في كل شيء حولي..كنت أخطط لمستقبلنا سوية وحتى أني كنت أتخيل كيف سيكون لون شعر أولادنا! ما زلت أذكر كل اللقاءات التي دارت بيننا وأذكر صدمتي حين لمست يدها ببراءة فاندهشت لأن يدها بضة إلى درجة كنت أظن أن الله قد خلقها من عجين! وأنظر إلى شعرها الفحمي وهو ينتشر كعباءة على جسدها, تذكرت كل خطوة خطوناها سوية في لقاءاتنا السرية في شوارع بغداد, حتى أني كنت مؤمناً بأني إذا مت يوما ومروا بجسدي الميت في شارع مشيناه سوية فأني سأنسى أني مت وستتحرك أطرافي!! كان أكثر ما يعجبني فيها أنها لا تؤمن ألا بآله واحد وحبيب واحد..ولكن أكثر ما يمتعني هو أني كنت ألح كثيرا حين أطلب منها أن تتحدث باللهجة المغربية السريعة ولكنها كانت ترفض وهي تحاول منع نفسها من الضحك متعللة بأني لن أفهم منها ولا كلمة!! كنت أقول لها باني سوف أقدم تنازلا وأتواضع وأطلب منك أن تتحدثي معي باللغة الامازيغية التي تتقنيها..فكانت تضحك تلك الضحكة السكرية وتقول: يا نبيل إذا كنت لا تفهم اللهجة المغربية فكيف ستفهم اللغة الامازيغية !؟ كنت أنتصر بالنهاية وأجعلها تسمعني بعض الكلمات من هنا وهناك..برغم أنها تفتخر بأن من يحمل دماء الامازيغيين سيكون عنيدا مثل صخرة .ولكن وبما أنها تحمل كذلك دماء عراقية فستكون متسامحة وتنفذ طلبي! كانت أجمل حب. لن أطيل في وصفها.....ولأنكم تعرفون بأني عراقي فلابد لكم أن تعرفون أن أفراحنا لا تدوم طويلا! بعد أشهر من هذه الهدية الإلهية...وفي يوم الخميس عصرا بالتحديد اتصلت بي فاطمة ...فاطمتي........نبيل...لقد قرر والدي العودة إلى المغرب. غرقت فاطمة في نوبة من البكاء ...لم أفهمها كانت تتحدث باللهجة العراقية والمغربية في آن واحد. وأثناء كل ذلك أخبرتني أنها ستتصل بي فيما بعد لان والدها يناديها.......ولكنني في النهاية فهمت...لم يعد وطن بهذا القبح وهذه القيود يناسب عمل والدها....أنها النهاية يا حبي الوحيد...كل أحلامي انتهت في لحظة واحدة ....وقعت السماعة من ي..د..ي....وبقيت مذهولا!....كنت أسير وأنا أصدم الأثاث... غرقت بالحزن مثل أم أخبروها أن أبنها الوحيد قد قتل....مثل قائد مهزوم....دفنت وجهي بيدي وبكيت..بكيت بحرقة..لم أبكِ بهذا الحزن من قبل...بكيت بكاء الرجل الذي لا يستطيع فعل شيء...وهذا كثير على الرجال..فجأة تحول حزني إلى غضب بحثت سريعا عن شيء افرغ فيه حزني ولم أجد غير مرآة فاجأتني بوجهي المنعكس منها وارتني كم أنا ضعيف بدموعي وكأنها تهينني !!..فضربتها بقبضتي ضربة حطمتها إلى قطع وفي نفس الوقت مزقت قبضتي ..جاءت أمي راكضة على صوت تحطم الزجاج وفوجئت بيدي تنزف. ركضت عائدة إلى المطبخ كي تجلب لي ضمادات..كانت تسألني عن سبب ما حصل؟...تركتها ومشيت إلى مكان الأحزان...إلى شاطئ دجلة...إلى آخر مكان جلسنا فيه أنا وفاطمة حيث وعدتني بأنها ستحبني إلى الأبد ووعدتها أنا كذلك وكانت شهودنا النوارس ومنضدة....بقيت جالسا حتى الغسق حيث بدأ سقوط المطر بقطرات كبيرة مشكلا بسرعة خيوط مائية تنزل من منحدر جرف النهر ناحتة أخاديد صغيرة.حين أمطرت شعرت بشعور غريب.رفعت وجهي نحو المطر ..ناديته!:يا مطر..يا مطر.. أنهمر.. أنهمر!! حين صارت قطرات المطر تغسل وجهي من ملح الدموع شعرت بارتياح لا ينتمي للأرض ..حيث شعرت وكأن يد الله العطوفة قد مسحت على وجهي ومسحت على قلبي وخلصته من الحزن ..و لكنها أحلت محله خيط من الألم الأبدي الذي سيذكرني بفاطمة إلى الأبد. ملاحظة:العبارات التي تبدأ ب(*) هي عبارات مقتبسة من قصائد الشاعر محمود درويش
منذ يومين فقط سقطت بغداد...سقطت للمرة العشرين و نيف ...لن أتحدث عن مشاعري. سأنقل فقط ما رأيت.... .استيقظت مبكرا بعض الشيء في ذلك اليوم, كنت أنزل من الطابق العلوي حيث غرفتي وسمعت صوت والدي وهو يقرأ القرآن بقراءة عراقية مميزة ..كان يقرأ بالتحديد سورة يوسف...جلست في منتصف السلم بقيت أسمع صوته العذب وقراءته الملتزمة بقواعد اللغة العربية حد الكمال. بعد أن أنهى والدي قراءته.. تناولنا الفطور معا بصمت..صعدت إلى غرفتي وبقيت أقلب بملل المسدس الذي وجدته قريبا من منزلي بعد أن رمى رجال الأمن أسلحتهم وهربوا خوفا من كل شيء بعد أن أنتشر خبر سقوط بغداد,كان مسدسا غالي الثمن أمريكي الصنع , مطلي بالكروم اللامع كأنه مرآة.وجدت معه حزام يلبس بالكتف . لم استطع البقاء في المنزل فقد كان الفضول والإشاعات يقتلانني ولهذا قررت الخروج لرؤية ما يحصل!!...لبست الحزام وتدلى المسدس النائم في حاضنته الجلدية الفاخرة بلونها القهوائي , تدلى بهيبة بوزنه الثقيل على جنبي الأيسر.كان كبير الحجم بصورة ملفتة..لبست ملابس رياضية ومعطف قصير ...نزلت السلم وكان المسدس يقفز مع كل درجة أنزلها مطبطبا على أضلاعي وكأنه يطمئنني قائلا : أذهب لاستكشاف ما حصل ويحصل وأنا سأحميك!..أخذت معي علبتي سجائر من النوع المحلي الرديء وخبز وبعض التمر, تحسبا لتأخري لأي طارئ. تمشيت خارجا من المنزل, لم أخبر والدي بوجهتي لأنه كان بالتأكيد سينتابه القلق .كان يظن أني سأذهب إلى أحد أصدقائي القريبين...وصلت إلى الشارع الرئيسي..وجدت معدات الجيش كما هي ..تركها الجنود وعادوا إلى منازلهم ببساطة..وجدت عربات بأكملها محملة بقذائف الهاون والمدفعية والأسلحة الثقيلة..مدرعات متروكة بين المنازل, ملابس عسكرية مرمية في الشوارع رماها الجنود ولبسوا ملابس مدنية ,تمشيت بصمت..كانت الشوارع شبه خاوية فمعظم الناس لم يعودوا بعد من المناطق الريفية التي هربوا أليها..اقتربت من إحدى المدرعات ..كانت أبوابها مفتوحة, كانت روسية الصنع وكانت مخازن عتادها ما زالت مليئة تركتها حزينا . الدخان مازال يغطي بغداد بسب ملايين اللترات من النفط الأسود التي أحرقت من أجل إرباك رادارات القوات الأمريكية, ولكن هل نفع هذا التكتيك؟ لا أعرف فكل ما أعرفه بأن الطيران الأمريكي أصاب كل الأهداف التي يريد.كانت هناك سيارات قليلة تسير في الشارع..وصلت إلى أول دائرة حكومية...كانت دائرة جوازات سفر..كان الناس يسرقون الأثاث..فوجئت...تذكرت آلاف المجرمين والقتلة الذين أطلق سراحهم من سجن أبو غريب سيئ الصيت. هل أعادوا تشكيل أنفسهم بهذه السرعة؟!! دققت النظر.... لقد وجدت أناس عاديين , اسرقوا! أيها الفقراء....اشتروا ملابس جديدة لكم ولأطفالكم .... أطلقوا النار في الهواء ..دنسوا أنفسكم .!..رأيت جهاز حاسوب جديد يوضع في أحد العربات التي تدفع باليد كان سعره حوالي خمس مائة دولا..يعني أنه مبلغ خرافي بالنسبة لي!.كم تمنيت أن أملك واحدا..رآني هذا اللص (هل أسميه لص؟ كان يسرق بثقة وراحة بال !!) ناداني فأجبته بضيق ونفاذ صبر..نعم؟ قال :يبدو أنك طالب ..أذهب إلى الداخل توجد الكثير من الحواسيب ! نضرت أليه ببرود وتركته وهو يلوم نفسه لأنه كان يريد مساعدتي...توجهت بعدها إلى السوق المركزي القريب..دخلت إليه بثقة كان الجميع يسرق بصمت ومتعة كأنهم يحملون أغراضهم الخاصة, كانت الممرات والمخازن الداخلية معتمة .فأشعلوا علب الكرتون للإضاءة مما ملأ الغرف و الممرات بالدخان.كانوا يسرقون كل شيء. لم يتبق شيء كثير.. أثناء ذلك دخل بعجلة رجال أكثر أجراما من أن يكونوا قتلة, أبعدوا الناس وملئوا المخازن والغرف بالبنزين وأشعلوه وخرجوا. يا الهي من هم؟كانوا منضمين ومهندمين...خرجت حزينا...دخنت ثلاث سجائر بعد أن كنت أشعل لاحقتها بسابقتها. وهنا رأيت مشهدا وكأني تلقيت ركلة على أنفي ! رأيت عربات "الهامفي" الأمريكية تسير في الشارع!! أول مرة أرى جنودا أمريكان!! كانوا مرعبين بمعداتهم المبهمة ونظارتهم الفضائية وهندامهم الفاخر وأسلحتهم التي تبدو بجوارها أسلحتنا وكأنها مجموعة من النفايات ! مشيت بلا هدف, دخلت في الأزقة شبه المهجورة..وعدت إلى الشارع الرئيسي..جلست على الرصيف..منهكا.وأخرجت الخبز والتمر وبدأت آكل وأنا أنظر إلى اللاشيء سارحا في عالم آخر....أعدت ما تبقى من الطعام في الكيس ووضعته في جيب معطفي..أشعلت سيجارة....في أثناء ذلك .توقف أمامي شخص يلبس دشداشة وحذاء, كان في العشرينيات من عمره ,شعره قصير وفي عينية كبرياء مكسور وهو يسأل عن كيفية الوصل إلى أحد الأماكن البعيدة التي تقع خارج بغداد..عرفت أنه جندي عراقي أو ضابط هرب و ترك الوحدة العسكرية كي ينجو بنفسه من الغضب النازل من السماء. طلبت منه أن يستريح أولا وبعدها.أعطيته سيجارة وطلبت منه الجلوس بجانبي هل أنت جائع ؟ سألته.. أجاب بلا اهتمام. ..نعم. وكأنه من واجبي أن أعطيه ما يريد.... أعطيته ما تبقى من الخبز والتمر...(في هذه المواقف يكون أي نوع من أنواع الطعام مقبولا)..أكل ببطء وبعيون متعبة ولكن لم يفارقها وهج الكبرياء..ناولته سيجارة. أنت جندي؟ أجاب :كلا كنت سأتخرج هذا العام من الكلية العسكرية...من أين جئت؟( سألته) أخذ نفسا عميقا وبدا يتكلم باستسلام...أنا من الكلية العسكرية في" الرستمية" نقلونا إلى منطقة" العزيزية " ..قاطعته بلهفة:قرب" الكوت" فأجاب بلا اهتمام.. نعم , أردفت بتعليق :أن أبن عمتي تم نقله هناك وهو طالب في الكلية العسكرية في الرستمية أيضا أسمه "أحمد محمد".عقب قائلا .. ربما اعرفه بالشكل وليس من خلال الاسم! ولكن دعني أسألك, هل أنت متأكد من أنه ألتحق إلى هذه الموقع في العزيزة ؟ أجبته بنعم. فقال ببرود: فهو ميت, لأن هناك سبع أشخاص فقط ظلوا على قيد الحياة وليس فيهم أحمد.ماذا؟..ماذا تقول؟ (سألته بهلع) لابد أنك تهذي! ضحك بجنون وسكت فجأة. طلب سيجارة أخرى..حسنا سأحكي لك...قامت مجموعة من سيارات الحمل العسكرية بنقلنا إلى منطقة العزيزية بعد أن اعتبرونا جنوداً في الحرس الجمهوري..قمنا بحفر المواضع..وقاموا بتسليمنا قاذفات ار بي جي..ورشاشة خفيفة... ويوم أول أمس صباحا..جاءت ألينا المدرعات الأمريكية المتطورة ..تصدينا لها وقدمنا خسائر فادحة لان الأرض العراقية كما تعلم أرض مفتوحة. والقاذفات لا تؤثر بدرعها العجيب!..تراجعت هذه المدرعات وجاءت إلينا طائرات "الاباتشي" التي لا تعرف الرحمة حسنا دعني أكمل.... عادت إلينا المدرعات مرة أخرى وكانت هناك نيران جهنمية كثيفة من الأرض والسماء...انسحبت بعد ذلك كلتاهما و استرحنا لدقيقتين فقط ونحن مذهولون !لم نكد نصحوا من ذهولنا حتى جاءت وحوش الطائرات المقاتلة وأشياء أخرى لا نعرفها. رمت علينا القنابل العنقودية المخصصة ضد الأشخاص وعادت المدرعات والمروحيات وبدأ القناصة عملهم.لا أريد أن أطيل عليك لم يتركونا ألا بعد أن أبدنا... ..قتل حوالي سبعمائة وعشرون شاب كانوا يحلمون بالمجد..وأنا بقيت أتصنع الموت حتى تركونا وذهبوا . تركني ومشى بلا وداع وبقيت مذهولا(بعد أسبوع من هذا اللقاء وجدنا أبن عمتي قد سقط شهيدا في ذلك المكان)شعرت بغضب شديد وكنت بحاجة إلى تفريغ شحنات ذلك الغضب!! تذكرت فجأة المسدس, اتسعت عيناني مع لحظة نهوضي وأخرجت المسدس وقررت أن أنفس عن ذلك الغضب الهمجي بطريقة همجية أيضا... قمت بإطلاق النار في الهواء بصورة متكررة و ارتداد المسدس يضغط على كتفي بتتابع ..شعرت بنوع من الارتياح.(تذكرت خطوات التدريب على المسدس في المدرسة ولم أعلم أني سأطلق النار يوما!!)... خرجت إلى الشارع الرئيسي..وتمشيت بلا هدف..سمعت صوت محرك دراجة مزعج فأدرت رأسي..وقد تبين أنه نعيم أحد الأصدقاء الساكنين قرب منزلي.. توقف بعد أن عرفني ....هييي نبيل!! سلمت عليه وهنأته بالسلامة فقد عاد للتو إلى منزله كما اخبرني. سألني:هل تأتي معي؟ لن نتأخر سنطمئن على منزل أختي في شارع الكفاح ونعود بسرعة.....صعدت معه بلا تردد كان الهواء البارد يصفع وجهي ولكني أحسست بارتياح فقد شعرت بالتحرر وكأني عصفور . كان الناس ينتقمون من العوز بطريقتهم الخاصة فقد وجدت أن كل الدوائر الحكومية قد نهبت وهناك من يقوم بعد ذلك بإحراقها .وصلنا إلى شارع الكفاح الرئيسي وكان يحتوي على عدد من المصارف الحكومية..كان هناك من يقوم بفتح هذه المصارف, أردت أن أرى ما يحدث. رد علي نعيم أن ذلك خطر لان أولئك الأشخاص هم عصابات وليسو أناس عاديين كما سمع من أحد الأشخاص الذين إلتقاهم في الطريق إلي!! فجأة خرج من أحد هذه المصارف شخص وهو يسحب كيس كبير ويضعه في سيارة وهناك شخص آخر يحمي هذه السيارة تعرفت أليه بعد أن دققت النظر .أنتبه إلي هو أيضا واخذ يدقق فقد كان صوت الدراجة القديمة الصنع عالي ومزعج ويجذب الانتباه...لقد عرفته أنه جارنا" ليث "الذي لم يخرج من السجن ألا قبل فترة وجيزة مستفيدا من العفو العام. تذكرت بأني كنت الوحيد الذي أكلمه باحترام لان الجميع يحتقرونه ولا يحاولون الاحتكاك به وكان شبه منبوذ لسوء سمعته..كان يقضي معظم وقته قرب دكان صغير في محلتنا..كنت أعطيه بعض السجائر كلما اشتريت.. وكان يرفض بمجاملة..وأنا أقول له خذ يا ليث أنا أعرف أنك عاطل عن العمل ولكن حين تعمل سترد لي هذه السجائر أنا متأكد. شعر بالسعادة حين رآني وناداني. نزلت من الدراجة ومشيت أليه عند السيارة التي كان يحرسها وأخرج رزمتين من النقود لم أتبين تفاصيلهما..نبيل .. هل تذكر السجائر التي كنت تعطيني إياها ؟هل تذكر الكلام اللطيف الذي كنت تسمعني إياه بينما كان الجميع وحتى أخوتي يحتقرونني؟!..أنت الوحيد الذي عاملني كإنسان وحان الوقت كي أكافئك.(ربما كان يريد أن ينتقم من الأخريين بإعطائي الكثير؟)خذ هذه العشرين ألف دولار. (توقف التفكير المنطقي عندي للحظة) تحرك عصب في ذراعي بصورة تلقائية محاولا أخذ هذه الثروة !كان إغراء شديدا وقاسيا ..تخيلت الأشياء التي يمكن أن أشتريها بهذا المبلغ! تذكرت الحاسوب تذكرت أثاثا جديدا لغرفتي التي تحوي مجموعة من الأثاث غير المترابط , تخيلت شراء "بلي ستيشن" لأخي الصغير تخيلت وتخيلت ولكني فجأة تذكرت أبي وصوته الرخيم حين كان يتلو القرآن صباحا... تذكرت نبي الله يوسف..وكيف هم بها وهمت به..كيف استطاع يوسف أن يمنع نفسه؟ ربما لأنه نبي؟ وربما لان الله أوحى أليه وسانده؟ وربما لأنه قدر العواقب؟ ولكني لست نبيا !! سألت نفسي مرة أخرى هل أن أغراء النقود للفقراء هو أكثر قسوة من أغراء امرأة جميلة لرجل ؟شعرت برغبة ملحة لا تحتمل بأن لا أدنس نفسي..لم أعد أسمع صوته هو يتكلم, أرى شفتيه تتحركان فقط,, تراجعت بخطوات بطيئة و انطلقت راكضا خوفا من أن أضعف..ركضت بكل سرعتي وبدون كلام صعدت على الدراجة النارية التي كان صديق ينتظرني عليها و انطلقنا...بعد أن رميت المسدس في برميل للنفايات.
مازلنا نجلس على الأبواب بانتظارهم...إليكم أيها الأحباء بمناسبة مرور خمسة أشهر على اختطافكم.. منذ خمسة أشهر وأنا أعيش بجزء مفقود مني...جزء روحي. جزء فقدت معه كل أنواع الرغبات , شئ لا يمكن لأي إنسان أن يتخيله إلا إذا مر بهذه التجربة....ففي منتصف الشهر السادس لعام 2006 كنت عائدا من أحد امتحانات الدورات التدريبية في الجامعة مع أحد أصدقائي الأعزاء كي ندرس سوية استعداد للامتحان القادم .كنا سعدا بإجابتنا برغم صعوبة الأسئلة...كنا نجلس في غرفتي في الطابق العلوي ,حين قررنا التوقف للاستراحة وتناول غداء متأخر بعض الشيء فقد كانت حوالي الساعة الثالثة عصراً. نزلت الدرج ودخلت إلى غرفة الجلوس حيث تجلس أمي كعادتها كي أخبرها باني وصديقي مستعدون للغداء.....ففوجئت بأن أعمامي موجودين في غرفة الجلوس والوجوم والقلق يملئ كل مسامة من مساما تهم..عرفت أن هناك خطب ما!! تسارعت نبضات قلبي وأنفاسي وسألت والدي: خيراً يا أبي ما المشكلة؟؟!!..أطرق قليلا ورفع رأسه باتجاهي ولكن عيناه كانت لانتظر ألي...لقد خرج عمك سليم وابن عمك خليل منذ الصباح الباكر متجهين إلي المستشفى من أجل علاج عمك ولحد هذه الساعة لم يعودوا وكلما نتصل بهواتفهم النقالة نجدها مغلقة!!! أو تفتح ونسمع أصواتهم وتغلق مرة أخرى!! ....رددت مع نفسي إذن فقد وصل الدور لعائلتنا !! عمي كان مهندسا في معمل يقع في مكان تسيطر عليه الجماعات المسلحة وقد هددوه عدة مرات بالموت إذا ما أستمر في الدوام لان الحكومة كافرة والى آخره من هذه التفاهات التي يخترعونها...أما أبن عمي خليل فهو الابن الأصغر لعمي الكبير الذي كان جالسا أمامي. سحب نفسا عميقا من سيجارته و كانت الدموع تترقق في عينيه ,غير قادر على تخيل الخسارة, فقد كان أبنه الصغير المحبوب الذي تزوج منذ حوالي سنة فقط وله بنت رضيعة...كان مدرسا للتربية الإسلامية واللغة العربية وكان ذو أخلاق عالية جدا ومحبوب من قبل الجميع...أصبت بالصدمة..عمي ليس تاجرا كي يختطفوه. ولا وزيرا... وترك العمل أصلا منذ شهر تقريبا استجابته لتهديد المسلحين.لم يكن يمتلك الكثير!!كل ما يمتلكه هي سيارة متواضعة...ومنزل وأربع بنات وولد صغير ...من سيربيهم؟!! لم تعد قدماي تقوى على حملي ..جلست...بعد فترة صمت, قرروا التحرك..وذلك بالذهاب إلي المستشفى والسؤال عن عمي, حيث إن الطبيب المعالج هو من معارفنا..نحن في هذه الأثناء كنا نتصل بلا هوادة, كان هناك من يفتح الخط ويغلقه كأنه نوع من التلاعب بالأعصاب.....ذهب أثنين من أعمامي إلي المستشفى التي كانت قريبة بعض الشي وعادوا خلال اقل من ساعة......لم يصلوا إلى المستشفى!!! لقد تأكدنا..لقد اختفوا في الطريق..كانت الساعة قد جاوزت الرابعة, تناولت الغداء بصعوبة مجاملة للصديق الذي قرر العودة إلى منزله بعد أن أخذ من خاطري وعرض على المساعدة وذهب بعدها لا ن الجو لا يحتمل أن ندرس!! جاء معظم أقاربنا وبدأ الكل يدلي بدلوه أملا في المساعدة...ولكن كل شئ يعتمد على الخاطفين فهم يجب أن يكونوا أول من يبادر ولكن لم يتصل بنا أحد!!.... كانت الغصة تملئ قلوبنا ..كان منظر بنات عمي القاصرات وهن يبكين بمرارة على أبيهن يحطم القلوب..قررنا القيام بشيء ما...فـفي حالات الاختطاف أو الاختفاء هناك جدول عمل محدد نقوم به في بغداد..وهو بعد الاختفاء بيوم أو يومين(إذا لم يتصل أحد) نبدأ البحث في المشرحة أو ما يسمى بالطب العدلي...وهو يحمل أسم مشرحة ولكن ثلاجاته لا تتسع لعد القتلى الهائل وكذلك لا توجد طاقة كهربائية مستمرة لتشغيل الضواغط التي تقوم بتشغيل الثلاجات,لذلك فأنك بمجرد الوصول إلى بداية الشارع الذي تقع فيه المشرحة ستصفعك رائحة الجثث المتعفنة.... كان الوقت صباحا...أصبت بنوبة من الغثيان والقيء وندمت على موافقتي على القدوم مع عمي .. تعودت قليلا على الجو و دخلت مع عمي إلى الداخل, كانت هناك غرف كبيرة مليئة بجثث مكدسة جميعها لقتلى قتلوا بأبشع الطرق ...كان خوفنا الأول والأخير هي أن نتعرف على واحد منهم....لم نجد شيئا..كان هناك عدد كبير من الناس الذين يبحثون عن أحبائهم ...ذهبنا إلى شاشة الحاسب التي يقوم الموظفون فيها بعرض الصور للضحايا حتى إذا جاء ذووهم في وقت لاحق يمكنهم التعرف إليهم لان الجثث والتي كان عدد كبير منها متعفن أصلا لايمكن أن تبقى طويلا في هذه الغرف!!..ولم نجدهم أيضاُ....الحمد لله..أتصل بنا والدي سائلا عن الأخبار..وأفرحه عدم عثورنا على شئ..عدنا إلى المنزل وقد استمرت وجوه الموتى تطاردني ورائحتهم تلتصق بملابسي..أما عمي الذي كنت أرافقه فكان قد شارك في الحرب العراقية الإيرانية الطاحنة, فلم يؤثر عليه الأمر كثيرا فقد كان قد رأى هذه الأشياء من قبل..جلست بصمت ما تبقى من اليوم... بحثنا في المستشفيات وفي كل مكان يخطر على البال...مر أسبوع.. كان ثقيلا كجبل, لم أكن أنام ,بل أطفو على سطح النوم ولم أكن أستطيع الأكل, وحتى لو أكلت فكأني فقدت كل خلايا التذوق ولم أعد أستمتع بشيء!! ولا أستطيع التفكير بشيء آخر سوى أين ذهبوا؟ هل ماتوا؟ هل رموهم في النهر؟ لماذا خطفوهم هل من أجل أسباب طائفية ؟ هل من أجل السيارة؟ هل؟ هل؟....آه ..لقد تعبت كانت عيوني غائرة في محاجرها ولحيتي صارت طويلة...بكيت كثيرا... لقد بدأنا نستسلم .. ..كان أخي الأصغر أكثر من تأثر لذلك فقد خاطبته حين رأيت ما مر به من ألم: يا" ظافر", أن هذا الذي حصل كان متوقعا لكل واحدا منا..لسنا أحسن من الذين ماتوا وليس من مات بأحسن منا!....والاختطاف والتفجيرات والقتل على الهوية تحصد الناس كل يوم وضحاياها لا يربطهم رابط,, فهم من كل الأعمار والمذاهب والتوجهات فحافظ على رباطة جأشك لان الرجال تواجه كل شئ في هذه الحياة والرجل الحقيقي هو من يصمد في المحنة ويخرج بأقل الخسائر له ولعائلته!!!.,مرت الأيام العشرة الأولى بيأس ونحن بانتظار أن يرن جرس أحد هواتفنا النقالة...لكن لا فائدة.. وفي اليوم العاشر حصل ما لم يخطر على البال!!!! .......فقد جاء إلى منزلنا والد صديقي العزيز (حميد) الذي سافر تاركا العراق بعد أن يأس منه ,كان يقول لي متى يستقر العراق ونستطيع العيش مثل خلق الله ؟هل يستوجب الأمر خمس سنوات؟ قلت تقريبا ..قال وفي العمر كم خمس سنوات يا نبيل؟ أنا ذاهب وليذهب الجميع الجحيم ......جاء والده ألي كي أساعده في شراء حاسبة من أجل أبنته فقد أتصل بي قبل أن يأتي...و.حين خرجت أليه فاجأه شكلي ولحيتي والسواد الذي يحدد عيوني ..وقال خيرا يا أبني نبيل؟؟؟؟ أخبرته بقصتنا المفجعة..أطرق قليلا..وأخبرني بأنه سيأتي إلى بعد ساعة ريثما يكمل عملا مهما لديه بعدها سيأتي إلينا كي يساعدنا في حل مشكلتنا!!!! كانت أجابته مثل صفعة!! تركني وذهب..كيف يحل مشكلتنا؟ هل يعرف عمي وأبن أخيه؟كان أبو حميد هذا رجل مليئا بالأسرار من هذا النوع من الرجال الذي كان من المستحيل خداعه أو التحايل عليه كان ضابطا سابقا في القوات الخاصة العراقية , قضى في السجن عدة سنين بسبب حريق في مشجب الأسلحة وقد تم تحميله المسؤولية ,بعدها طرد من الخدمة العسكرية... كان رجلا متدينا بلحية بيضاء لطيفة وقوية ..كان ضخم الجثة بعينين ثاقبتين..وشخصية فذه .....لم أخبر أحدا بالمسألة فأنا لا أعرف كيف سيحل أبو حميد مشكلتنا.!!...لم يطل الأمر حتى سمعت منبه سيارة أبو حميد ...أدخلته إلى غرفة الضيوف..وجلبت له الماء والشاي الذي كان مجهزا بسبب عدد الناس الذين كانوا يزورنا للاطمئنان علينا ولمعرفة آخر التطورات..... شرب أبو حميد الماء ونظر ألي وأخبرني بلهجة آمره يبدو انه أكتسبها من خدمته العسكرية...أجلب إلى فتى يافع كي تكون المسألة أسرع وأسهل. عن ماذا تتحدث يا عم !!! وماذا تفعل به؟ قال سأفهمك ......خلال فترة السجن التقيت بأناس وشيوخ أفاضل علموني طرقا تساعد في حل هذه المشاكل..سألته هل تقصد شعوذة؟ قال حاشا لله سأستخدم القرآن الكريم والإيحاء والقوة الروحية فقط!!! وناولني كيس ورقي فيه خليط من البخور!! حينها استدعيت عبد الرحمن أبن عمي والذي لا يتجاوز عمره السادسة عشرة عاما..جاء عبد الرحمن وجلس معنا و طلب مني أبو حميد أن أجلب له كرسي كي يكون بمواجهة عبد الرحمن وفعلا لم أتأخر كثيرا جلبت له كرسي مريح بدون مساند وكذلك مبخره كي أشعل هذا الخليط من البخور..لم أتأخر بجلب مبخرة كهربائية و إحراق الخليط الذي كانت رائحته نفاثة ولكن ليست كريه أو طيبة...بدأ العم أبو حميد بوضع أصابع يديه اليمنى واليسرى على صدغي عبد الرحمن وبدأ بتلاوة جزءمن سورة" يس" وسور أخرى...ظل يقرأ آيات من القرآن الكريم لحوالي ربع ساعة..بعدها طلب من عبد الرحمن أن يذهب إلى النوم العميق و أن يدخل في عمق النوم....أنت ألان تنام ....تنام...أصيب جسد عبد الرحمن بالخدر ونام فعلا!!! ,انغلقت أجفانه..و ارتخى جسده...يا عبد الرحمن هل ترى نورا أمامك؟ نعم أني أرى نور أخضر؟... أجاب عبد الرحمن بتثاقل مقلق, نعم!! رد العم أبو حميد.حسننا يا أيها النور باركك الله فيك وعليك أريدك أن تأخذ عبد الرحمن إلى المكان الذي فيه سليم وخليل. أنا حينها تذكرت أني قد قرأت عن هذه الأمر ولكني لم أتصور أني سأكون جزاً منه!!... سألت أبو حميد إذا كانوا أموات هل سنعرف ؟ أجاب ..بكل تأكيد!! مطالبا مني بإشارة من يديه بان لا أتكلم مره أخرى ...بعد لحظات من الصمت فتح عبد الرحمن فمه ونطق بصعوبة...أني أراهم!!!!!!!!!!!!! لقد كانت مفاجأة !!!.. رد عليه أبو محمد حسننا ماذا يلبسون صف لي وصف لي وضعهم....... تلكأ عبد الرحمن وكان يخرج الحروف بصعوبة....أنهم معصوبي الأعين والأيدي في غرفة في بستان نخيل ,وعمي سليم يلبس بنطال رصاصي اللون وقميص مقلم , و أبن عمي خليل يلبس بنطال أسود وقميص أبيض بنصف كم...حسننا..قال أبو حميد أيها الروح بارك الله فيك وعليك أريدك أن تعيد عبد الرحمن إلى اللحظة التي أنطلق فيها عمه وأبن عمه بالسيارة... وفعلا بعد صمت لدقيقة أجاب عبد الرحمن لقد وصلت أني ألان أقف في بداية شارعنا حيث قام عمي بانتظار ابن عمي كي يقود السيارة بدلا عنه لأنه مريض..أنهم الآن ينطلقون حسنا أصعد معهم..... أيها الروح بارك الله فيك ساعد عبد الرحمن كي يصعد معهم في السيارة(كان الدخان يملئ الغرفة فاضطررت إلى فتح الشباك وإطفاء المبخرة) عندها بدا ينضح جسد عبد الرحمن عرقا وساءت حال تنفسه و بدأت عيناه تدمع بغزارة فقام العم أبو حميد بإخراجه من الحالة الروحانية وأيقظه . لن يتحمل أكثر.. قالها أبو حميد بلغة الخبير..أيقظه بعد أن أوحى أليه أنه سوف يستيقظ وأنه لن يشعر بشيء ,بدأ بمسح وجه عبد الرحمن الذي أستيقظ والبياض في عيونه تحول إلى اللون الأحمر القاني وشفتيه صارت كالحة و يابسة..ويشعر بخدر..بعد دقيقة بعد أن شرب بعض الماء البارد أستعاد نشاطه ..و بعد أن أطمئن قام العم أبو حميد وقال أن سبب الإجهاد الحاد هو أن عبد الرحمن ضعيف البنية وكذلك لأن هذه التجربة هي الأولى بالنسبة إليه لذلك فقد عانا بعض الشيء وسيتعود عليها في الجلسات القادمة إن شاء الله وسأمر عليكم مرة أخرى كي نكمل..فتحت له الباب وأنا مذهول وسعيد وغير مصدق!! شغل سيارته وراقبته وهو يبتعد..لم أتأخر كثيرا إذ أخرجت هاتفي النقال ,و أنا عازم على معرفة صحة هذا الكلام... اتصلت بزوجة عمي ...دق هاتفها ..رفعت السماعة مباشرة..الو :كان صوتها فيه رجاء وأمل أن يكون اتصالي بها يحمل خبرا سارا!! سألتها وبدون مقدمات ..ماذا كان يلبس عمي؟ لم تجب بل أجابتني بأسئلة طرحتها هي ضانة أننا وجدنا جثثا أو شي من هذا القبيل لم, أجبها..ألححت عليها بالسؤال حسنا.. أجابت أنه يلبس بنطلون.........انتظرت للحظات قبل أن تخبرني باللون..مرت اللحظات قاسية ..انه رصاصي و أنا أكملت بفرح,, وقميص مقلم؟ أجابت بلهفة نعم!!!!!! حسنا هناك رجل روحاني كان عندنا وقد قام بتنويم عبد الرحمن وأخبرنا بأنهم أحياء وأعطانا بعض التفاصيل... أطلقت حينها ألي أسئلتها مثل طلقات المدفع الرشاش ولم أفهم أي شئ, كانت أسئلة مليئة بالأمل والتشكيك والتفاؤل الحذر...لم أجب على أي سؤال وطلبت منها الحضور كي أخبرها عن كل شئ..اتصلت مباشرة بعدها بزوجة أبن عمي..وكانت المفاجأة!!!! لقد كانت أوصاف الملابس مطابقة !! برغم أن عبد الرحمن لم يكن موجودا حينها كي يعرف شكل ملابسهم.,فهو أصلا لم يحضر من منزل أخواله إلا يوم أمس!!! لقد بدأ فصل جديد من قصتنا...وولد لنا أمل....












