حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

أشــــــياء ...لايقتلها الرصاص.

انه تشرين الثاني الذي بدأ يبشرنا وكأنه يقول: افرحوا يا أيها البسطاء  الصيف قد بدأ يلملم بقاياه كي يرحل عنكم !   أيه أيها الصيف كم عذبتنا ؟ لن نقلق كثيرا بعد اليوم إن غاب عنّا التيار الكهربائي ...كنت اردّد هذه العبارة وأنا أتوجه إلى المرآب العام القريب من منزلي ,لم أكن أريد أن اصعد سيارة أجرة لأني كنت اشعر برغبة جامحة بان أكون بين الناس, أن اشعر بازدحام الأجساد… كنت عطشا لطاقتهم الروحية التي ستروي مسامات جلدي التي تعودت على الوحدة  بعد أن صرت أتجنب كل شيء مزدحم خوفا

 من كافة أنواع الخطر التي تترصد الجموع  .

انه التفاؤل وكأني أرى الناس ما بعد الطوفان وهم يتّشحون بابتسامة حذرة ,حتى طريقة سيرهم صارت أكثر وثوقا وأجسادهم أكثر استقامة  بعد أن كنت أتخيلهم وهم يمشون بأنحناء كعادة البشر حين يشعرون بخطر كامن لا يعرفون مصدره.....أراهم وكأنهم خارجين من ملجإ غابوا فيه وخرجوا الآن كي يحسبوا خسائرهم بحذر خوفا من تجدّد الخطر . صعدت إلى الباص الذي كان متوجّها إلى مبتغاي كانت السيارة عبارة عن حافلة تستوعب أكثر من عشرين راكبا  وكنت أوّل من صعد إليها وجلست في مكاني المفضّل قرب النافذة, صعد بعدها رجل ستيني، والذي كما يبدو أنّ قد توقف عنده الزمن

 في مرحلة من مراحل رجولته! فقد كان شعره الأبيض مصفّفا

على طريقة أبطال أفلام السّتينات ويلبس ملابس رسمية بهت لونها  ونظارات بإطار سبعيني بلاستيكي اسود اللون  تغطي جزءا  كبيرا من أعلى وجهه وكذلك يلبس ساعة معدنيّة كبيرة الحجم بتصميم قديم ولكنها كما يبدو أنّها مازالت تعمل بكفاءة حتى اليوم , الشيء الوحيد الذي كان يؤكد أنه ينتمي إلى هذا الزمن هو حذاؤه لأنه من الصعب المحافظة على الحذاء لفترة طويلة مع الاستعمال ....بدأ الناس بالتوافد , كان هناك أناس من كل الأصناف والأعمار , راقبتهم بشغف ... كان اليوم هو يوم الجمعة ورغم ذلك فان الشارع كان  مزدحما. كان الطّريق مليئا بالكتل الإسمنتيّة التي تحدّد الشارع الرئيس وتمنع عنه الشوارع الفرعيّة ..كان الشارع مزروعا بعدد لا نهائي من رجال يلبسون ملابس الحرب وعيونهم متحفّزة, توقفنا عند الإشارة الضّوئية حيث الكثير من رجال الجيش. بقيت مركّزا على أحدهم , كان يلبس ملابس عسكرية  أنيقة  نظرت إليه طويلا عبر الزجاج ...كان رجلا في الثلاثينات وهو يلبس نظارات شمسية على الطراز الأمريكي وخوذة مغلفة بقماش مرقّّط وسلاحه يتحوي على مخّزنين مربوطين بشريط لاصق بصورة متعاكسة وهذا يدل على انه خاض معارك وقدّر قيمة الرصاص ويعرف بأنه  قد يواجه وقتا لا وقت فيه كي يخرج مخزنا آخر من الجعبة التي يحملها على صدره ..نظرت أكثر إلى حذائه العسكريّ الأصفر برقبته الطّويلة وتأمّلت تجهيزاته العسكريّة وتبادر إلى ذهني فجأة صورة ذلك الجنديّ الذي التقيت به قبل الحرب في مكان تجمّع الحافلات الرئيسيّ حيث يسافر الناس إلى بقية أجزاء العراق والذي طلب  منيّ بعض النقود كي يلتحق بالفرقة التي ينتمي إليها, كانت ملابسه تشبه ملابس الجنود !   أردت أن انهره  ولكني تذكرت بان راتبه لا يتجاوز سعر أربع علب سجائر مستوردة  فندمت على مجرّد تفكري بان أؤذيه بكلمة فأعطيته نصف ما أحمل ورحل  وكنت اشعر بالحزن  سائلا نفسي : كيف سيواجه هذا الإنسان المنكسر جنود العالم الأوّل؟....تحرّكت السّيّارة تشقّ دربها وسط الزّحام  وأنا  اقرأ بعض شعارات ممسوحة بطريقة لا مبالية  كتبت على تلك الجدران ,كان معظمها يمجّد بعض المليشيات ويلعن الأخرى ومنها من يتوعّد المتعاونين والخونة  و كلها كانت تحمل طابعا دينيا  أو تحاول ذلك . كانت  كتابات متناقضة ولكن يجمعها شيء واحد هوأنّها لا تتوعّد الأمريكان بسوء!  مررنا بمناطق كانت محرّمة حتى وقت قريب كانت تلك المناطق مزدحمة بالعمارات التي شوّهت وجهها مئات النقرات

 و الفتحات الصّغيرة المحاطة بهالة سوداء بسبب تلك الرّصاصات التي تنطلق من الرّشاشات الثقيلة...كان منظرها قبيحا ويعصر القلب ولكنّي سرعان ما فرحت حين رأيت سكانها يكنسون الزّجاج والبقايا وهم يبتسمون بتفاؤل برغم كل الخسارة ,تذكرت لبنان ,....وصلنا أخيرا إلى موقف الحافلات الرّئيس والذي كان مزدحما بصورة تثير الاستغراب, تمشّيت إلى هدفي ..إلى شارع المتنبّي حيث تتنفس الثقافة هناك , كان باعة الكتب يبتسمون وخلفهم تتكوّم الأنقاض التي أهداها لهم آخر انتحاريّ مرّ من هنا....كانت هناك مسرحيّة تعرض قريبا من الأكوام, مسرحيّة تصف الخراب وتتوعّد بالانبعاث مرّة أخرى كان هناك مئات المشاهدين من  المارّة . دخلت وسط

 ذلك الجمع وشعرت بهم لم اعد اشعر بالوحدة أو الغربة  ! كان الجميع يراقب بشغف ويصفقون تصفيقا مدويّا عند كلّ كلمة تعجبهم   غمرتني السّعادة وألهبني التفاؤل كثيرا  وأنا اخترق الناس المتكدسين ,شعرت بالتواصل مرة أخرى آه كم هو قبيح أن نعيش وحيدين دون أن نشعر بأناس آخرين, أناس لا نعرفهم وهم يقفون بجانبنا يلامسوننا بلا قصد نشعر بأنّ أرواحا جديدة تلامس أرواحنا...لم اشتر شيئا لأني جئت اليوم كي أرى الناس فقط ,  كانت هناك تلال من الكتب المستعملة على شكل أكوام وهي تباع بأسعار زهيدة. كان الناس هناك يتلمسون طريقهم بشجاعة بعد أن عاد الأمان إلى هذه السّوق , يمشي الناس وكأنهم يحتفلون احتفالية الربيع ما بعد شتاء قاسٍ ...تناولت بعض الطّعام من مطعم  شعبيّ نظيف يقدّم طعاما عراقيا شعبيا في وسط السوق ...كنت  أتناول طعامي  بتلذّذ وأنا أتأمّل مكان شظية اخترقت بابه الرئيسي , تركت السوق وتوجهت عائدا إلى المنزل وأنا احمل معي الفرح والتفاؤل بالمستقبل ...عدت مرة أخرى إلى المرآب الرئيسي صاعدا  حافلة أخرى كي تقلني إلى منزلي ,جلس إلى جواري شاب تنعكس على وجهه الجديّة والمثابرة والعمق ..قرّرت استكشافه...كان يحمل بيده مستلزمات دراسيّة تدلّ على انه سيكون مهندسا يوما ما..يلبس ساعة رقميّة وهذا يشعرني بأنه لا يهتم كثيرا بالأناقة...شعره مصفف دون عناية كبيرة وعيناه تنظران بتركيز إلى اللاشيء....كانت لحيته قد بدأت توّا بالاخضرار، بوجهه ملامح ناعمة ..رنّ هاتفه النقال فأجاب بكلمات خالية من المجاملة ...تركته وأدرت راسي باتجاه الشارع  , كان صوت المحرّك تلك الحافلة يتصاعد  منبئا بحدوث عطل فيه والأبخرة تتصاعد منه. اخذ السائق مكاناً على جانب الطّريق وطلب منا النزول بعد أن أعاد لنا نصف ما دفعناه له , وقفنا

 في الشارع بانتظار أن تمرّ سيّارة أخرى كي تقلنا ...كان الشارع مزدحما ولكن فجأة توقف سيل السيارات كي تظهر محلّه سيارة مدرّعة من كلّ الأنواع تطلق صفّارات مزعجة..دقّقت النظر فتبيّن

 أنّ هناك شخصا مهمّا يمرّ من هنا ..كان رجال الحماية يخرجون رشّاشاتهم من كل الفتحات وأناملهم على الزّناد ينتظرون لحظة مرّوا بها كثيرا ....لحظة سيضغطون بها على ذلك النتوء المعدنيّ الصغير الذي يدعى الزناد ...كنت وبقية الركاب الغير محظوظين نقف على رصيف الشارع الرئيسي وخلفنا مباشرة هناك تقاطع  ففوجئنا بسيّارتين من تلك السيارات الحربية تقف أمامنا مباشرة  قاطعة ذلك الشارع ومغلقة التقاطع وعيون راكبي تلك السيارات تنظر إلينا بشكّ ...هنا عرفت من خلال خبرتي البسيطة بأنّ  هؤلاء الّرجال مستهدفون  وإذا استثيروا فقد يحرقون الأرض . فتزحزحت قليلا  ولم أكمل بعد خطوتي الثالثة حتى سمعت صوت ارتطام  شيء ما بالأرض! بعد ثانية سمعت صرخة ألم فالتفت بشكل لا إرادي كي أرى ذلك الشابّ الذي كان بجواري في الحافلة والذي كان يقف خلفي مباشرة في ذلك الشارع   وقد سقط على الأرض وبقعة دم تغطي صدره... نظر في عيني وكانت عيناه الحازمتين تسيل منهما نظرة توسّل وهو يصيح يا إخوتي لا تتركوني !! صرخ صرخته حين رأى  الجميع ينسحب بغريزية عن المكان بعد أن ظنّ الجميع بان أولئك الرجال المدرّعين هم  من أصابوه ولكن  حين صاح  احدهم :قناص !! عرفنا القصّة كلّها  .ركضت إليه دون

 أن أخاف

 من رصاصة أخرى وقد سبقني شابّ آخر حملناه بعيدا وأزيز الرّصاص مارّ من فوقنا  عرفنا بأنهم عرفوا مكان إطلاق النارفأخذته سيارة الشرطة الى المستشفى وانا عدت الى المنزل ببقعة دم تغطي ذراعي وكتفي أتحرك بين عدسات ناظور  ذلك القناص المتمرس في زاوية ما والذي أبعدتني عن رصاصته خطوة خطوتها باتجاه ما..... بقيت فرحا  طوال  اليوم بالأمل  برغم الرصاصة التي أخطأتني.


(38) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.