كثيرون قد ماتوا,كثيرون قد نسوا,ولكني لم أنس ولم أمت ومازال غصن العذاب يزهر في قلبي) (بابلو نيرودا) (1) اندفعي أيتها السيارة ...أذهبي بنا بعيدا إلى ابعد ما تستطيعين, لا تتوقفي هنا أو هناك فربما أموت أنا أو تحترقين أنتِ! احملينا إلى البعيد بين البساتين بعيدا عن نطاق هموم الصواريخ والقنابل فأنا لا أريد أن أتهشم مثل نوافذ غرفتي! هل أنتِ خائفة مثل كل هؤلاء الناس المحتشدين كالفراغ في هذا الشارع؟ كانت السيارة المحملة بأغراضنا الأساسية تسير في شارع ترابي لمنطقة زراعية هرب الناس إليها من بغداد حيث تركنا القصف مشتعلاً هناك والسماء تتحول ليلا إلى مكان لعرض ألعاب نارية أثر القنابل الإنفلاقية لمدافع مقاومة الطائرات التي تُطلق بيأس تجاه تلك الطائرات ذات السمعة الأسطورية, حدث هذا بعد أن تركنا منزلنا بأسرع ما يمكن بعد أن حصل ما حصل و اليوم تنتابني رغبة قوية بان أرويه لكم فربما هذا يشعرني بالراحة........ انه ربيع عام 2003والجوكان ما يزال محتفظا ببعض برودته.....كنت أجري اتصالا هاتفيا مع أحد أصدقائي كي أطمئن عليه فهو يسكن قريبا من دائرة عسكرية مهمة...لم تكن الاتصالات الهاتفية قد قصفت جميعها فقد قصفوا مناطق محددة فقط...كنا نسمع طوال الصباح أصوات إنفجارات بعيدة وفي تلك الدقيقة سمعت صوت طائرات أمريكية مقاتلة تحوم بلا هوادة....كنت أشعر بالخوف المخلوط بخيط رفيع من الاطمئنان فقد قال المتحدث العسكري الأمريكي أنهم لن يقصفوا المدنيين! ,ولكن فجأة سمعت صوتا قادما من كل الجهات ,صوت يعطيك شعورا باللاشيء !شعور أوقف تفكيري بالمعنى الحرفي..بقيت ممسكا السماعة بجمود سامعا صوت صديقي وهو يتحدث و كلما اقترب الصوت تجمدت أكثر... كان صوت الصاروخ وهو يقترب رهيبا.. اقترب أكثر وانفجر وتحطم زجاج النوافذ بعنف مختلطا بصراخ النسوة وبكاء الأطفال الذي بدأ بنفس لحظة الانفجار تركت سماعة الهاتف وركضت نحو الشارع كي أرى من هو سيئ الحظ الذي استهدفه هذا القصف؟ كانت سحب دخان كبيرة تغطي المنطقة. وضعت يدي على مقبض الباب الخارجي ومع أول صوت معدني لاحتكاك لسانه الحديدي مع فوهة الباب جاء الصوت الثاني للصاروخ الآخر!-هذه المرة كنت محتفظا بوعيي وتفكير أثناء سماعي الصوت المخيف وهو يجدد زيارته للمرة الثانية- أغمضت عيني بقوة وشنجت وجهي وتحدب جسمي بصورة لا إرادية وصرت مثل شخص وضِع في غرفة مظلمة ينتظر ضربة مؤلمة من مكان ما في هذه الغرفة ولا يعرف متى ومن أي اتجاه ستكون! دوى صوت الصاروخ الأخر على مبعدة حوالي أربعمئة متر!كان العصف شديدا إلى درجة مفزعة!! ركضت إلى الشارع كي أرى ما حصل لأنه لا بد إني اعرف عددا من الذين قد ماتوا ! كانت الأبواب تفتح ليخرج منها الناس وعلى وجوههم نحت الخوف بأظافره أبشع الملامح ! كان الكثيرون يركضون باتجاه مركز الكارثة .....ركضت معهم بدون تفكير! كان جاري يسألني بغباء عن الشيء المضروب برغم انه يعلم أني لا اعرف شيئا ! ـــ الناس تتصرف بغرابة لا توصف في مثل هذه المواقف ــــ كنت أتسائل ما الذي قصفته هذه الطائرات كي ينتج كل هذا الدخان؟ بعد وقت قصير وصلت وقبلي كان قد تجمع بعض الأشخاص ,كان منظرا مروعا !.....فقد كان كل شيء يحترق بعنف ! لن أتكلم عن الجثث المحترقة و الأشلاء فقد كان منظرها بشعا للغاية, المهم أني عرفت مصدر هذا الدخان, فقد تبين انه بسبب إصابة شاحنات نقل النفط الأسود التي كانت تستخدم لنقل هذا النفط كي يتم وضعه في سواقي من اجل حرقه لاحقا لغرض التشويش على أنظمة الطائرات الأمريكية, كان دخانا عظيما لشاحنتين كان سائقاها يتناولان فطورهم عند أحد المطاعم ولكن ما أرعبني هو أن أخي قد خرج كي يشتري زيت محرك لسيارته المتواضعة من إحدى المحلات القريبة من مكان سقوط الصواريخ!أصبت برعب مفاجىء وسألت نفسي بسرعة :أين ابحث عنه أولا بين الأحياء أم بين الأموات؟ طردت فكرة الموتى من رأسي بسرعة وأدرت رأسي إلى الناس (الأحياء) المتجمهرة أبحث برعب وأمل.. انظر بين الوجوه... تركتهم وركضت نحو المحلات كي اسألهم عنه شققت طريقي بصعوبة بين الناس وأنا أتجنب النظر إلى الجثث المنقولة فربما أراه بينها!! دفعت الشخص الأخير وصرت خارج الازدحام مسحت الشارع بنظرة مرتبكة ولكني ميزت من بعيد شخصا يمشي مثلما يمشي أخي ولكنه سرعان ما دخل إلى شارع فرعي مما زاد من ارتباكي ولكني لم أفكر طويلا ركضت إلى الأمل وأخي و ركضت بكل سرعتي , فكرت في كل شيء وكل الاحتمالات......اقتربت أكثر ووصلت إلى الشارع الفرعي ودخلته بكل لهفة وقلق وكأني سأستلم نتيجة امتحان مصيري ! وأخيرا وصلت وأنا الهث صحت بكل صوتي باسمه ,التفت إلي ولكن لم يكن هو! شعرت بخيبة أمل مفجعة ... قاطع هذه الخيبة صوت منبه سيارة كان يقودها..... أخي !! يبدوا أنها سيارة ابن عمي الجديدة التي كانت بحاجة إلى تصليح والتي اخذ أخي على عاتقه القيام به! منذ تلك اللحظة قرر والدي أن نترك المكان و نبتعد إلى أقصى ما يمكن ...... (2) بعد كل هذا الموت المفاجئ جلست في حديقة الدار بمواجهة البئر الذي حفرناه للطوارئ , متذكرا ساعات حفره المرهقة والجرح الذي تركه المعول ...سنتركه ألآن بلا فائدة وهو أصلا بلا فائدة فهو ملوث. بعد هذا التوتر كنت اشعر بحاجة ملحة إلى سيجارة ولكني تذكرت أني تركت هذه العادة منذ شهرين! لا باس فلأدخن فربما نموت قريبا من يعلم؟!أخذت سيجارة من علبة أخي وأنا أحاول أن أتخيل الراحة التي تنتظرني .... سحبت النفس الأول والثاني بسرعة وشعرت بخدر يهاجمني من رأسي و قدمي في نفس الوقت, كان شعورا لذيذا تمنيت أن يستمر ولكن جسمي تعرف إلى النيكوتين مرة أخرى فزال الخدر....ـــ عرفت ألان لماذا يلجأ الناس إلى المخدرات! ـــ. (3) سيري يا سيارتنا الغالية فلم يتبق الكثير من الطريق أمامنا...... كان صديق والدي بانتظارنا حيث كان يمتلك مزرعة كبيرة يتوسطها بيت مبني بصوره غير مكتملة لقد كانت عائلتي محظوظة لأنها وجدت هذا المكان ,فقد بقي الكثير من الناس نائمين في العراء. أنزلنا الأغراض وتركتهم يرتبونها شعرت باني بحاجة لان أكون وحيدا تركت الجميع في المنزل تمشيت ببطء وقفت على الشارع الرئيسي المحاط بالبساتين الخضراء حيث الأشجار العملاقة تصنع مضلة على الشارع .... مر رتل لسيارات عسكرية كانت تحمل الرجال الذين نظروا ألي نظرات لم افهم لغتها ...كانت سياراتهم مصبوغة حديثا وكانت خضراء بشكل لافت!كان كل شيء حولي اخضر ربما لأنه الربيع ! ولكن هل الربيع دائما أخضر .؟
.
.
الاربعاء, 28 مارس, 2007

الخريف
(45) تعليقات
<<الصفحة الرئيسية
.
.








