حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

حورية على الخليج

                       

 

 

                    

 

 

                                      1

فكرت أن ألبي دعوة عمي الذي يسكن البصرة,  لقضاء بعض الوقت عنده في منزله القريب من البحر.....حيث لا سيد هناك سواه.

           

                                    2

إنها البصرة ,وجوه الناس لا تختلف كثير اعن وجوه سكان بغداد عدا إنهم لا يمتلكون تلك النظرة المتحفزة المتوقعة لكل شيء وأي شيء,تلك النظرة التي تقول لك:أنا لا أثق بك. لم أجد نظرة التساؤل عند سائقي السيارات حين يقفون في التقاطعات والإشارات الضوئية وعيونهم تمسح جيرانهم من السائقين الآخرين وفيها سؤال واحد:هل أنت من أولئك الذين يفجرون أنفسهم؟

                                    3     

يسكن عمي قريبا من والميناء مما جعل من البحر صديقي الذي لا أريد أن اذهب إليه إلا إذا كنا وحيدين أنا وهو.. حيث لا شيء سوى صوتي وصوته............

                                    4

أصوات الموج وهي تضرب الكتل الإسمنتية التي تحمي الشاطئ من التآكل مازالت محفورة في ذاكرتي, كان يوما لا يشبه الأيام بل من الأدق أن أقول كان فجرا لا يشبه أي فجر, - هل هو وقت غريب ؟ - نعم أنا شخصيا اعتقد ذلك ولكني ومنذ أن كنت صغيرا كنت أتمنى أن اجلس أمام البحر فجرا, وألان تحقق الحلم! كنت اعتلي السياج المقابل للبحر و أتطلع إلى هذا الماء أللانهائي الممتد حتى الأفق وأنا أدخن سيجارتي الثانية غائصا في أعماق ذاتي.كانت هناك نسمة من الهواء البارد الحنون جعلتني استمتع بهذا الفجر الصيفي الرائع كنت في فجر  كل يوم  ومنذ أسبوع آتي مستمعا إلى تسجيلات عود حزينة على العود  كنت أملئ بها ذاكرة هاتفي

النقال  ,كنت أتأمل السماء  وأنغام العود                                  تتآلف  مع روحي  وكأنها تتحد  و تتواشج  مع الكون فأنا لم اعد استمتع بالأغاني الفرحة .خلال تلك الأيام كنت اسمع صوتاً لحركة في ماء البحر ولكني كنت اعزوها لأسماك تحب الفجر مثلي, لم أجهد نفسي كثيرا ولكن الصوت صار اليوم أقوى فدققت أكثر ورأيت شيئا ما يظهر وكأنه خيال من البحر ولكنه كان  خيالا قاتما ولكن ربما هم غواصون عسكريون؟!  كان هذا الخيال يكبر متقدما إلى الشاطئ قادما من البحر, ركزت نظري مستغلا ً بصيص ضوء الفجر فميزت إنساناً يمشي ببطء ولكن بثقة.كان ذلك الإنسان يتقدم وفي كل خطوة أتيقن أكثر بأنها امرأة!!... تقربت إلي أكثر كان شعرها مسدلا على كتفيها, وقفت ليس ببعيد عني وسلمت بصوت لم اسمع برقته من قبل, صوت جعلني أذوب مثل الملح في الماء , كانت أنثى بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى! رددت عليها السلام بتردد واستغراب وأنا أرى قطرات الماء المنزلقة من شعرها وجسدها  تسيل إلى الأرض وتفكيري شبه متوقف لأنه لا احد يخرج من البحر بهذه الصورة  وبالإضافة إلى كل هذا فهي امرأة و من النادر إن ترى أحدا يخرج في مثل هذا الوقت ! تقدمت نحوي أكثر ورأيت وجهها وكان مفاجأة ! لن أصفه لأن كل وصف وأي وصف هو إيهانه , مدت يدها إلي وكأنها تدعوني إليها, كانت تلبس ملابس لم أرى تصميما يشبه تصميمها كانت تلبس ثوبا طويلا اسود اللون قماشه لامع يكشف عن صدر عاجي , عريض من الأسفل وطويل حتى أنها كانت تسحبه خلفها. كان الثوب مصمما كي يكون متلائما مع كل جزء من أجزاء جسمها الجميل  إما شعرها فكان طويلا مبللا  تقطر منه قطرات ماء صديقي البحر أما عيناها فعميقتان مثله وتحمل لونا محيرا لم أميزه في  مثل هذا الوقت المشوش من اليوم ولكن هذا الاطمئنان الغريب الذي يفيض من وجهها الجميل وعيناها الساحرتان جعلني امشي معها. سحبتني مثل رجل أعمى لم أفكر من أين هي أو ماذا تريد.......كانت تسحبني من يدي و تلتفت إلي مبتسمة...نظرت إلى الأسفل نحو الرمل فلم أجد سوى أثار أقدامي ! لم تكن تمشي على رجليها ! ظلت تسحبني نحو البحر ولكن الغريب أني لم أخف و تركت كل الحذر الذي نتصف به هناك في مدن الموت, كانت يدها ناعمة إلى درجة أني لم أكن اشعر باني امسك سوى الهواء. وصلنا إلى البحر ودخلت هي قبلي إلا أني توقفت حين مس الماء رجلي وكأني صحوت, فتوقفت واستدارت نحوي وابتسمت من كل قلبها ورأيت في عينيها كلمة واحدة: لا تخف! مدت يدها إلي مرة أخرى بإصرار فمشيت نحوها بدون وعي....أعطيتها كفي ودخلنا إلى البحر, وصل الماء حتى صدري ومازالت هي تشجعني بابتسامتها الإلهية....غطى الماء فمي فأغلقتُ شفاهي بقوة بصورة غريزية.حبست أنفاسي قبل أن يغطي الماء انفي وغصنا سوية .كانت هي أمامي ممسكة بكفي الأيمن, استدارت نحوي  وشعرها يطير ببطء  في الماء وثوبها يرفرف مع حركات الأمواج الداخلية وطلبت مني إن أتنفس ! ترددت قليلا ولكني كنت فاقدا للإرادة, تلكأت, ارتبكت , خفت ولكني في النهاية تنفست بعمق. شعرت حينها بما تشعر به الأسماك! شعرت وكأني أتنفس هواءً كثيفاً ولكنه بارد , ابتسمت كي اطرد خوف المفاجأة  عني فابتسمت هي أيضا حينها تركت الحورية يدي وطلبت مني أن اتبعها, تحركت في الماء بحرية وانأ انظر إلى جسمي غير مصدق , أخذتني حوريتي في جولة في بساتين المرجان و أرتني الأسماك البحرية الملونة و  حطام السفن الغارقة  وحتى القنابل الغير المنفلقة للحروب التي مرت  , رأيت عالم ما تحت الأعماق ....  سحبتني مرة أخرى من يدي إلى مغارة مظلمة أخافني ظلامها  مثلما  لم يخفني شيء من قبل ولكنها مسحت على رأسي بيدها الساحرة  فزال كل الخوف.... ظلت تسبح ممسكتاً بيدي في متاهات لها بداية وليس لها نهاية حتى رأيت من البعيد ضوءً خافتا من مكان خفي فتوقفت حوريتي ونظرت إلي مبتسمة ابتسامة عريضة. كان هناك حاجز ضبابي بين المغارة وبين ذلك  الضوء , اندفعنا خلاله فدخلنا إلى عالم أخر, عالم هوائي مرة أخرى!! كان هناك عالم ثان عالم لم أر مثله . لامست قدميها الأرض هذه المرة....تمشينا سويا نحو عالمها البحري أخذتني نحو مغارة مضيئة مليئة بأثاث مصنوع من البحر من صخوره من أصدافه من إعشابه من مرجانه الملون من كل ما في البحر من ألوان وأحجار...كان هناك ضوء خافت ينتشر في الغرفة و أصداف رائعة الجمال تزين جدرانها  وفي وسط  الغرفة يوجد سرير وكراسي مصنوعة من مرجان بني اللون .كانت غرفة بحرية بكل معنى الكلمة.أجلستني على السرير المصنوع من إعشاب البحر الطرية

 وجلست هي معي . استجمعت شجاعتي وسألتها , من أنت؟ ابتسمت و نظرت إلي نظرة أنثوية وفتحت فمها الصغير كي تُسمعني ذلك الصوت المتموج الأنثوي وقالت:من أين لك كل هذا الحزن؟ أنا اعرف كل البحارة الحزانى وارى من البعيد أحزان الناس على اليابسة ولكن حزنك جمع إحزانهم كلهم .

نظرت إليها وانأ ما أزال تحت تأثير صوتها البحري وقلت لها: أنا يا حوريتي احمل حزن وطن.....نظرت ألي بحنان وألم وهي تحرك رأسها وأكملت قائلة : منذ أيام وانأ اسمع صوت موسيقاك الحزينة مع الفجر ...حين أكون مستلقية على سريري كي أستريح من جولاتي الليلية فنحن لا نخرج نهارا..فكل شرور البحر تأتي نهارا.

منذ متى وأنت هنا يا رجل الحزن؟ ( سألتني بطفولة ).

- أنا هنا منذ أسبوع , وأنت؟

ابتسمت لسؤالي  وأجابتني وهي تتأمل عيوني وتمد يدها الشمعية الصافية  إلى شعرها كي ترتبه فتظهر أقراطها اللؤلئية الخرافية الجمال مثل وجهها. قالت: أنا هنا منذ زمن لا اذكره, نحن حوريات البحر لا نحسب الزمن كثيرا  ...هنا أنا صعقت فأنا لم اسألها من هي فقد سحرني جمالها و أوقف تفكيري شدة الموقف!! فسألتها: من أنت وماذا تريدين مني؟

-   (هي):أنا من حوريات البحر ....نحن نعيش هنا منذ زمن بعيد, ابعد مما تتصور ولكنكم تضنون بأننا موجودون في الحكايات فقط. نحن نعيش بسعادة في عالمنا البحري لدينا مدننا التي لا تستطيعون الوصول إليها ولدينا عالمنا الذي لا تستطيعون  إفساده .

-    أنا :   ولكنك لم تجيبي عن سؤالي ماذا تريدين مني؟

-  هي: الحوريات يعشقن الرجال الحزانى...لان الحزن يطهر القلوب وعالمنا لا يدخله إلا طاهر القلب.

-   أنا :   وما المطلوب مني؟

-    هي   : أبق معي وعش في مدننا السعيدة وكن واحدا منا.

كانت  تعبث بشعري بيدها وعيونها في عيوني .....لم استطع المقاومة كانت كلمة " سأبقى" تريد أن تخرج من فمي بالقوة,

ولكني فجأة  تذكرت كل الناس الأحباء الذين فوق وقررت أن لا أعيش سعيدا لوحدي ....يا أهلي حزني معكم وفرحي لكم...رددتها مع نفسي .

مددت يدي إلى يدها السماوية وأنزلتها عن رأسي فرأيت الحزن في عينيها يصعد مثل المد...سألتني بعينيها هل هناك احد في القلب؟

فأخبرتها بوضوح:أن فتحتي قلبي فلن تجدي غير أهلي, فنظرت ألي بيأس  و أمسكتني من يدي مرة أخرى  وصعدت بي إلى السطح حيث وجدت عمي يبحث عني منذ ثلاثة أيام .

 

 

  

 

                    

 

 

(44) تعليقات

نحيب النخيل


قبل مدة عرضت قناة العربية تقريرا عن المهاجرين العرب ,كان احد ضيوفه شابا سوريا حكا فيه كيف إن حرس السواحل اليونانيين, القوا القبض عليه هو ومجموعة أخرى من المهاجرين
 العرب على سواحل المتوسط, وكيف إن أولئك الحرس أوثقوا أيديهم... ورموهم إلى البحر الواحد تلو الأخر.... وكيف نجا هو من الموت!....ولكن وبما إن الموت وأخوه البؤس و ابن عمه سوء الحظ زبائن قدامى للعراقيين, فقد كان أول من رمي في البحر شاب عراقي اسمه محمود العراقي, يكمل الشاب السوري وهو يتحدث بألم وحرقة: كان محمود عراقيا بطلا ظل يصارع الموج الهائل لنصف ساعة وهو مكتوف الأيدي و يشتم اليونانيين وأنا اذكر جيدا آخر ما قاله هذا العراقي وهو يصرخ و يشهق محاورا إيانا نحن الباقون بانتظار الدور فقد قال:
الله اكبر ....أنا أخوكم..... محمود العراقي ..........العراقي .... ....قولوا لأمي بان لا تنتظرني....الله أكب...
ثم غاص.... إلى.... الأبد.
هنا انتهى كلام الشاب السوري / الشاهد الحي وينتهي كلام محمود العراقي......و يبدأ
كلامي... أنا نبيل, كي اروي لكم قصة محمود وكأني معه!!

                                         الحلم
بعد أن أغلقت التلفزيون كان هناك شعور واحد يسير مع دمي ويدخل إلى قلبي ومنه إلى شراييني و إلى كل شعيرة من شعيراتي الدموية ! انه شعور الغضب ألانهائي, شعور يجعلني اسمع صهيلا من داخل صدري لعشرات الخيول, صهيل غاضب وكأن هذه المهور تدق بحوافرها الأمامية على جدران صدري الداخلية تطالبني بالانتقام والثأر.... تدق وهي تقف على ساقيها الخلفيتين وتحمحم وتصهل وعيونها تشتعل من الغضب وشعرها يطير من عنف حركاتها ! ولكن ماعساي ان افعل ؟ تركتها تدق وتصهل وانا اموت من الحزن من اجل محمود.....نمت حزينا ومنكسرا وآه من انكسار الرجال .......لم انم كنت اتأرجح بين الصحو وبين النوم...كنت و كأني أرى وجه محمود تلفه ظلمة الأعماق و تدور حوله اسماك قبيحة وهي تتذوق لحم وجهه الذي لوحته شمس العراق وتبله نسيم العراق وملحته دموع أمه التي كان تقبله قبلاتها الأخيرة المخلوطة بالدمع. كانت الكوابيس تطاردني متلبسه وجوه اسماك متوحشة باسنان كبيرة قاطعة وهي تنهش محمود من كل مكان , ركضت إليها محاولا طردها وأنا اصرخ: محمود !! استيقظت لحظتها والعرق يبلل قميصي ,ووجهي متشنج ويدي تقبض على الشر شف بقوة, جلست ببطء على حافة السرير و وضعت راسي بين كفوفي . مددت يدي إلى سيجارتي الأخيرة ويدي الأخرى تمسح العرق والعبرة تخنقني فحسدت النساء لأنهن يستطعن البكاء ... وتخيلت محمود وهو يتخذ قراره بالسفر......


                                          القرار
لن أعيش في هذا الجحيم أكثر!! قال محمود هذا الكلام وهو يمسح قطرات العرق التي تنز من جبهته , محدقا بالصور التي أرسلها صديقه نوري من السويد حدق طويلا بتلك الصورة حيث كان نوري جالسا مع صديقته السويدية الحسناء وهو يلبس ملابس انيقة وتبدوا عليه علامات الراحة النفسية.
كان الفصل صيفا ودرجات الحرارة تذيب حتى الحجر والتيارالكهربائي لا يتذكرهم الا ساعتين في اليوم والمولد المنزلي عاطل والهاتف النقال لأخوه مغلق وهو يكاد يموت من القلق .....
وضع يديه تحت رأسه وتمدد على بلاط ارض غرفته مباشرة كي يستفاد من برودته, تأمل سقف الغرفة وهو ينقل بصره بين ريش المروحة الصامته وصورة والده المتوفي منذ زمن. كان يحسب سنين عمرة التي مضت مشتته بين الحروب والامل الذي تلاشى بغد افضل ...
وهو يسمع أمه تحمد الله مرارا وتكرار لعودة ابنها الاصغر سالما وبينما كان هو يفكر بصديقه نوري تبين أن أخوه كان قد حصل على سعر جيد لهاتفه فباعه تاركا محمود ضائعا في تصوراته!...... تنفس محمود الصعداء , كان يشعر بالملل اليومي بعد ان اغلقت الشركة التي يعمل فيها ابوابها بعد ان وجدت ان العراق فيه الكثير من الفرص للربح ولكنها ايضا وجدت فيه فرصا اكثر للموت, فلملمت أغراضها وسرحت عمالها تاركه محمود وحيدا.

السفر
باع محمود كل ما يمتلك من اشياء وكل ما تملكه امه من مصوغات ذهبية كي يسافر بعد ان فشلت والدته في إقناعه بترك فكرة الرحيل لانه اقنعها بان العراق صارمقبرة كبيرة! فهو يعود الى المنزل قبل حلول الظلام وحين يخرج نهارا ويصعد الى احدى سيارات التنقل العام فان القلق لا يتركه لو للحظة واحدة خوفا من ان يكون الراكب الذي بجانبة مفخخ!! مر في خاطره قصة صديقه اسامة الذي كان يقرا القرآن في رمضان بصوت خفيض في احدى سيارات النقل العام فصرخت المرأة التي في جانبه برعب : انتحاري!! وعرف الناس متأخرين انه سوء تفاهم فخرج اسامة بشفه ممزقة وهالة زرقاء تحت العين!! .
استعد محمود للسفر بعد الاتفاق مع مهرب شرح له خريطة السفرة وكيف انه سيوصله الى السويد سالما كما اوصل صديقه نوري. شد رحاله وهو ينظر الى البنايات التي في طريقه وكانه يشعر بان هذه المرة هي المرة الاخيرة التي يرها, كان يتالم مع كل متر تقطعه السيارة مبتعده عن منزلة متذكرا حرارة بكاء والدته وصوت نشيجها وهي تقول : ها انا ذا اهديك للآخرين ! اتعرفون معاناة الام وكم تدفع ثمنا من حياتها ومن صحتها ومن راحتها ومن تفكيرها من اجل تربية ابن واحد؟ ولكن ربما في لحظة ما ...لحظة صغيرة ينتهي كل شئ وكانها لم تلده وكانه لم ويولد ! رصاصة صغيرة اوشضية بحجم الاصبع تقضي على سعادة ام الى الابد....... كان محمود يردد مع نفسه :وداعا بغداد لا اريد لأولادي ان يتربون في ازقتك المسكونه بالموت والقسوة سأذهب هناك الى اناس مروا بما نمر نحن به الان منذ زمن بعيد حتى صار تاريخا.... وصل محمود بعد ايام من الى احد موانئ تركيا حسب ما كان مقرارا وصعد على متن زورق سريع من احدى زوايا الميناء وهو يراجع مع نفسه كل انواع المخاطر التي قد يواجهها من يختار هذا الطريق لان لاشئ بالمجان.......



                                          الحتف
انطلق الزورق السريع المحمل بالهاربين من البؤس والحالمين بغد افضل انطلق ليلا وهو يحمل اناس يملئهم الامل والقلق كان محمود يجول بنظره بين المسافرين الجالسين في المكان الضيق في هذا المركب منتبها لكل شيئ , كان يجلس أمامه رجل يبدو عليه انه من الشام كان ضائعا لا ينظر في عيون احد ...بجانبه شاب من سوريا حسب ما اخبره بعد أن تبادل معه إطراف الحديث, وبعد مشط الغرفة تاكد ان معظم المهاجرين هم من العرب .
كان الكثير منهم يتضرع كي ينجيه الله من هذه المحنة, بينما كان محمود يتمنى ان يعرف جواب لسؤال واحد يلح عليه من اول متر قطعة خارجا من منزله في بغداد حتى هذه اللحظة:هل ساصل؟ كان الزورق قد قطع مسافة لاباس بها والفجر يخطو خطواته الاولى حين خرجت عليهم اضواء ساطعة وكأن النهار!! ضوء اختصر الفجر الى ظهيرة مباشرة!! كان هناك صوت معدني خارج من مكبرات الصوت المثبته على مركب خفر السواحل تطالبهم بالاستلام والا اطلقوا النار... كانت انكليزية المتكلم ركيكة توقف صاحب المركب لانه كان يعرف مسبقا جدية هذا التهديد . أصعدوهم إلى ظهر الطراد بخشونة, سحبوهم كلهم وربطوا المركب السريع الى الى الطراد البحري العسكري وربطوا ايدهم بصورة آليه وكأنهم يقومون بهذا العمل للمرة الالف! سحبوا محمود مباشرة حتى بدون ان يحققوا معه! فتشوه فقط طمعا بالنقود التي ربما يحملها معه...حين سحبوه نحو السياج الحديدي لمركب الدورية لم يكن يصدق انهم يريدون ان يرموه في البحر وهو موثوق الايدي ! رموه بعد ان رفعه شرطيان واحد من كتفيه والاخر من رجليه رموه الى البحر وخلال المسافة الممتدة بين ايديهم الغليظة وبين الماء فكر كثيرا وندم اكثر! ...كان يود ان يموت هناك في ارض العراق حتى ولو قتله مسلحون ,على الأقل سيكون هناك امل بان ينتقم له شخص ما ..ولكن المسألة اعمق من ذلك ... ربما هناك الكثيرون لا يريدون ان يعيشوا داخل الوطن ولكن لا يوجد احد يريد ان يموت خارجه! لم يكن يصدق حتى سمع طرطشة الماء وشعربالبلل !ظل يحاول البقاء عائما بتحريك رجليه بجنون كان كلما تعب تذكر والدته التي لم تكن تطمأن الا اذا اتصل بها مخبرا اياها انه بخير فيزداد عنادا, كان اثناء كل هذا يحاول ان يتخيل كيف سيكون شكل امه حين تنقطع اخباره !, تصورها وهي تبكي وهي تذهب الى العرافات اللائي سيسمعنها ما تريد ,ولكن بعد مرور نصف ساعة فأن المقاومة بدأت تتلاشى وبدأ محمود يضعف ولكنه قرر ان لا يمون بدون ان يشتمهم وبدون ان يخبر امه بان لا تنتنظره فصرخ صرخته الاخيره : الله اكبر أنا محمود اخبروا أمي بان لا تنتظرني! ... الله اكب ونزل إلى الأعماق وتنفس ملئ رأتيه من ماء البحر وغاص الى ...... نزل هناك ولم يحاول ابدا ان يصعد, انتحر بدون ان يحاول حبس أنفاسه إلى أقصى حد وهو مايزال في نفس المكان, ويقول البحارة ان هناك نخلة تظهر أحيانا في نفس المكان عند الفجر وتختفي عند مجيء شمس الصباح والاغرب انهم يسمعون منها صوت نحيب !!!

(22) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.