هل يتراجع الحبّ عند الأوقات الصعبة ؟هل تغوص المشاعر إلى الأعماق مثلما يغوص الدّم في لحظات الرّعب والخوف إلى داخل الجسد تاركا الشفاه يابسة ؟ هل ينسى الناس الحبّ في أوقات الحروب؟ أنا شخصيا لم أكن اعرف إجابات لهذه الأسئلة ولم أفكر بها حتى ذلك اليوم....... دعوني أحكِ لكم قصّة مع الحب في زمن الحرب... أصوات الإنفجارات بعيدة وهواء الفجر الربيعي البارد يدغدغ وجهي وأنا أسند مرفقي على الحافة الحديدية لسيارة النقل المتوسطة التي استأ جرناها لنقل أشيائنا الضرورية هربا من القصف العنيف الذي صار يصفع وجه بغداد. كانت السيارة تتأرجح بعد أن دخلنا إلى طريق زراعي وعر مما اضطرني في النهاية إلى رفع مرفقي وعدم التوكإ على السيارة المرتجة ,كنت أتأمل الزرع الكثيف بفضول ابن المدينة حين لاح لي منزل كبير شبه مكتمل البناء منزوٍ بين بساتين الحمضيات والنخيل , كان تقريبا في وسط الزرع ,وصلت السيارة حيث كان إخوتي بانتظارنا أنزلنا الأغراض على مهل وهم يسألوني عن الوضع في بغداد وهل هناك شيء جديد؟ أدخلنا الأغراض إلى المنزل الذي لم أكن اعلم أن فيه عائلة أخرى جاءت قبل قليل تمددت في الغرفة غير الكاملة البناء حيث الطابوق مازال عاريا وأسلاك الوصلات الكهربائية مازالت واضحة وقسم منها غير مثبت أصلا بالإضافة إلى أكياس الرمل والإسمنت المرصوفة في حيّز قرب فتحة الدرج, كان المنزل يستقر في مكان هادئ بعيد عن الشارع. نمت قليلا وأنا أفكر بهذه الحرب ,كم كانت تؤلمني أصوات القنابل على بغداد!, نمت بحزن ,لم استيقظ إلا بعد حوالي ساعة وبعد أن شربت الشاي مع والدي الذي يحبّه بعد القيلولة. نزلت كي استكشف المكان و أجلس وحيدا فقد شعرت بالرغبة في الوحدة. نزلت وقد نسيت أصلا بان هناك عائلة أخرى تشاطرنا المكان,نزلت وأنا في عالم آخر .كنت أفكر بكل أولئك الرجال الذين هناك ....نزلت الدرج وأنا أنظف نظارتي الطبية حين رأيتها, أعدت لبس نظاراتي بهدوء. كانت تلبس بنطالا ًسماوي اللون وقميصا بنصف أكمام بلون الرّمان كان وجهها محددا بملامح واضحة كأنها مرسومة! ولكن ما جذب نظري هو بياض وجهها الشديد وسواد شعرها الذي كانت تربطه ,كانت تحمل تناقضا لونيا عنيفا ولكنه في نفس الوقت متآلفا, كانت تحمل في ملامح وجهها ذلك الألق الذي ينعكس على وجوه الناس الذين ينتمون إلى الطبقة المخملية وعندها تذكرت مقولة لرجل حكيم يقول فيها:{ إن الناس الذين يطيلون المكوث في مكان ما , يأخذون شكل ذلك المكان) ويبدو انّ هذه الفتاة قد أطالت المكوث في مكان راق ..كانت منشغلة بترتيب بعض الأشياء فسلّمت عليها وأنا في طريقي للخروج وكان صوتي مفاجئا لها فأجفلت! شعرت ببعض تأنيب الضمير. فتوقفت واعتذرت لها وأنا ابتسم , مسحتها بنظرة فوجدت تناقضا كبيرا بينها وبين المكان الذي تقف فيه .كان المكان مغبرّا ومعدات العمل تملؤه بينما وجهها الصّبوح الصافي وملابسها المختارة بعناية تدل على ذلك التناقض. عرفتها بنفسي مخبرا إياها باني نبيل جارها الجديد,فعرّفتنيهي بدورها بنفسها وكان اسمها ( مريم ) بقينا ننظر إلى بعضنا لبضع ثوان حتى دعتني اللباقة بان انسحب وأنا اعتذر مجددا ..مشيت خطواتي وقوة خفية تدعوني لشحذ أفكاري من اجل اختراع سبب ما أو عذر مهما كان بسيطا كي أعود و أكلمها مرة أخرى .....لم اسمع صوت القلب , بقيت امشي وقلبي مليء بوجعين ... وجع الحرب ووجع الحب القادم ...جلست على حافة جدول ضيّق يخترق البستان تاركا قدميّ تغوصان في مائه البارد وخيالي يسبح بعيدا ساحبا إياي إلى ساحات القتال ..كنت أتخيل الجنود وهم يقاتلون وكانت لديّ رغبة كبيرة بان احمل السلاح معم وان أكون بينهم, ولكن برغم هذا الألم الذي كان يعتصرني كنت اشعر بان هناك خيطا رفيعا من الألم المحبّب ولكني نسيت سببه ! وبعد تفكير بسيط تذكّرت سببه إنها مريم ! عنفت نفسي .فلا وقت للحب والعواطف في هذا الزمن القبيح ولكن مع ذلك فكّرت بها قليلا وقرّرت أن أتجاوز ما حصل ألاّ أفكر به .عدت بعد أن بدأ النهار يغادر,عدت كي أجدها تجلس على كرسي من البلاستك الأبيض أمام الباب وهي تتأمل الغروب وبجانبها والدتها التي كان من الواضح أنها قد ورثت منها جمالها فنسيت ما وعدت به نفسي! سلمت عليهما بعجله وصعدت إلى غرفتنا كي استمع إلى أخبار ما يجري مع والدي عن طريق صلتنا الوحيدة مع العالم "الراديو" ...كانت الأخبار سيئة وكل شيء سيئ. نزلت إلى الأسفل فقد شعرت بالاختناق ولكن الحقيقة هي أني كنت اخدع نفسي كي أرى مريم...كانت مريم تجلس في نفس المكان ولكن هذه المرة وحيدة...سلّمت عليها مرّة أخرى ردّت عليّ بكل لطف ودعتني للجلوس(في الظروف الاستثنائية يكون الناس اقل اهتماما بقيود المجتمع) قضيت معها نصف ساعة قبل أن تأتي والدتها و تجالسناو هي طبيبة أسنان. كنت كل يوم اجلس مع مريم حتى صارت جزءا من تفكيري اليومي . صار بيننا موعد ولم نعد نترك الأشياء للمصادفات كنت منبهرا بكل هذا الجمال وهذه الرقة وهذاالعمق الذي تحمله. كانت تبادلني الإعجاب . كنت اعرف هذا من نظراتها الطويلة إلى عيني. كنت كل يوم أعيش تناقض حزن الحرب وفرح الحب! بعد تفكير طويل تركت لوم نفسي و وجدت أنّ أصدق المشاعر هي مشاعر الحبّ في زمن الحرب! بقينا أنا و مريم نجلس كل يوم حتى قرر والدي العودة إلى منزلنا بعد أن ملّ من المكوث هو والعائلة في هذا المكان الخالي من أية خدمات ..في ليلتنا الأخيرة أمسكت يدها و أخبرتها بأننا سنرحل يوم غد باكرا وربما حتى قبل أن تستيقظ هي. رأيت وجهها الجميل يحزن . كان وجهها حتى في حزنه جميلا !واعدنا بعضنا ببعض الوعود...وقبل ان اذهب قلت لمريم: مريم هناك الكثير من الأمور التي لا أعرفها وغير المتأكد منها ولكن اليوم قد عرفت وتأكدت بان الحب مثل الله...... نجده في كل مكان وفي.... كل زمان !!. 
.
.
الجمعة, 29 يونيو, 2007
<<الصفحة الرئيسية
.
.








