انه صباح بارد آخر من أيام شباط وبدر الرجل الثلاثيني يستمتع بمراقبة البخار المندفع من أنفاسه الحارّة وهو يقف على ناصية الشارع بانتظار الحافلة التي سوف تقله إلى عمله في الشركة الحكومية التي يعمل فيها.لم يكن قد مرّ وقت طويل منذ أن عمل في هذه الشركة ومع هذا فقد تعرّف على الكثير من الموظّفين هناك ,ربما لانّ وجهه الصّبياني البشوش ببشرته المحمرّة وجسمه السّمين ونظاراته الطبية السميكة أضافت إليه نوعا من اللطف!؟ أو ربما بسبب الانطباع الذي يتركه عند الآخرين بمجرد النظر إليه وهو انطباع يعطيهم شعورا واحدا..وهو انّ هذا الرجل مسالم أكثرمن حمامة! من زملاء وزميلات .اخذ مكانه المفّضل قرب النافذة وهو يمسح الزجاج من الضّباب الذي كساه بسب البرد و أنفاس الركّاب.... كانت السيارة تسير بتأنٍٍّ وخليط من أصوات الناس المثرثرين يملأ جّوها, لم يكن يفكر بشيء كان ينظر بتجرّد إلى الشوارع المغلقة بكتل إسمنتية قبيحة حاول بعض الناس أو الفنانين تجميلها فرسموا عليها أشجارا وحمائم بيضاء ولكنهم لم ينجحوا في جعلها أكثر ألفة فقد ظّلت كالحة رغم الألوان.كان بدر يراقب فقط . مرّت فتاة جميلة تمشي بغنج ودلال مع شابّ يبدو انه خطيبها أو حبيبها لم يكن يعرف ولم يرد أن يعرف العلاقة التي تربطهما , لأن ذلك لن يغير شيئا من ألمه ,فهو لم يحبّ من قبل أو بصورة أدق لم تعره أي امرأة اهتماما, ربما بسبب شكله أو شخصيته ! ولكنه بدأ يشعر بالوحدة في السنوات الأخيرة ويتمنى أن يجد امرأة تنتظره في المنزل وتسمعه كلاما حنونا, لم يفكّر كثيرا فهو رجل بسيط أقصى همومه هو العودة بسلام إلى المنزل فمسحمها بنظرة لا مبالية متذكرا طلب أمّه اللّجوج في البحث له عن عروس , و عاد و شغل نفسه بالكلام مع أحد زملائه القريبين. مر الوقت فوجد بدر نفسه يتأمل الجسر الذي تعبره السيارة ببطء، الجسر الذي يفصل الضفتين الأختين لبغداد. ولكن يجب أن تعرفوا بانّ الأخوات لا يعشن دوما في وئام ففي بعض الأحيان يتشاجرن ويتشاتمن ويقتلن أبناء بعضهن البعض ! بعد عبور الجسر بدقائق ,توقفت السيارة ومعها صوت السائق وهو يشتم ويسب. فتوقف بدر ومدّ رقبته المكتنزة إلى الأمام كي يرى عددا من المدرّعات الأمريكية تسد الشارع بعناد يبدو انه سيطول !نظر السائق إلى الشوارع الفرعيّة القريبة منه و أغمض عينا ورفع رأسه إلى سقف السيارة وكأنه يفكر بشيء أو يحاول أن يتذكّر شيئا, عاد ينظر إلى الشارع وصاح بعد لحظات ...اطمئنوا سنصل بلا تأخير , سندخل عبر طرق فرعية مختصرة , لم يوافقه الرأي بعض الركاب من الموظفين لأنهم يعرفون ما يمكن أن يفاجئهم في الشوارع والأزقة الخلفية ,أما بدر فكان محايدا ويكره الجدال بطبيعة شخصيته الخجولة .بعد جدل بين الموظفين والسائق الذي كان يصّر بانّ المكان آمن وانه من غير المبّرر الخوف إلى هذا الحدّ وأنهم- أي الموظفون- إذا كانوا يخافون إلى هذا الحدّ فمن الأفضل لهم البقاء في منازلهم. وافق الموظّفون على مضض و دخلت الحافلة إلى الأزقة التي كلما تقدم فيها السائق أكثر تصبح مريبة أكثر, حيث أكوام النفايات تملأ الأركان وهذا يدلّ على أنّ الخدمة البلدية تخاف الوصول إلى هناك وهذه إشارة سيئة كذلك كان هناك عدد كبير من المنازل المهجورة ربما هي لأناس مهجّرين! ولكنّ الشيء المقلق أكثر هو ذلك الجوّ المشحون الّذي بدا يضغط على صدر بدر فقد صار يشعر بذبذبات أرواح أناس قساة كانوا هنا وملؤوا جدران الحي بها فبدا يلتفت و هو يدعو في نفسه بان يمرّ هذا الصباح بسلام...توقفت السيارة فجأة في منتصف إحدى الشوارع الفرعية ,عرف السبب سريعا حين سمع السائق وهو يشتم الكتل الإسمنتية التي تغلق الشوارع !غير مبدل السرعة حتى يعود أدراجه إلى الخلف بسرعة فقد أحس هو الآخر بالخطر ..ولكن كان الأوان قد فات فقد أغلقت سيارتان الطريق عليه! نزل مسلحون باتجاه الحافلة ,توقّف الزّمن عند بدر وتخيل نفسه جالسا أمام شاشة التلفازو هو يقرأ خبرا صغيرا بشريط الأخبار الذي يمر سريعا مثل قطار ....".اختطاف حافلة تقل موظفين في بغداد على أيدي مسلحين مجهولين".فتح أحد المسلحين الباب وهو يحمل بيده مسدسا وعيناه تشعان بعدد ضحاياه, صرخ بصوت عالٍ :انزلوا,بكت الموظفات برعب, شتمهنّ وسحب أول شخص أمامه فنزل الجميع وأمرهم بالوقوف باتجاه الجدار فوقفوا ...كان في البيت المقابل طفلة صغيرة تنظر إليهم هي وسيّدة عجوز عيونها مغرورقة دمعا فهي تعرف ما سيحصل بعد قليل لكنها لا تستطيع عمل شيء....أول سؤال سألوه للجميع كان عن طائفتهم وبعدها اخذوا هوياتهم التّعريفية حتى وصل الدور لبدر الذي كان قد اصفر وجهه ويبست شفتاه ورغب رغبه غير عادية بسيجارة...كانت قدماه لا تحملانه وهو يتخيل أمه ومصيره... شعر بشعور الأخرس ...بكى بانهيار وهو يصيح: أنا لم افعل شيئا أرجوك....
كان متفائلا دوما و يحبّ أن يغنّي مع نفسه حين يكون وحيدا وهو يتلمّس بإبهامه الشّامة التي تلتصق بجانب أرنبة انفه اليسرى وكأنها حبّة فطر صغيرة والتي لطالما تمنى أن يستيقظ صباحا كي يجدها مختفية , كم سببت له هذه الشامة السوداء من معاناة! كان الأطفال في المدرسة يرونها شيئا غريبا ويسمعوه بسببها الكثير من الكلمات التي كانت تحرجه.
هاهي الحافلة تقف أمامه مباشرة قاطعة أغنيته التي كان يدندن بها ,يصعد وابتسامة طفولية لا تفارق وجهه وهو يسلم على كلّ من في الحافلة
من أين أنت؟ سأله الرجل الملثّم بأسلوب بوليسي
لم يستطع بدر أن يتكلم !تلعثمو شعر بانّ الكلمات لا تستطيع الخروج!
اترك هذه الألاعيب وأجاب بسرعة (ردّ عليه الرجل المسلّح).
فجأة توقّّف الملثّم عن الكلام حدّق طويلا بوجه بدر مدّ يده إلى وجهه وتلمس شامته
اتسعت عيناه وابتسمتا...(العيون لسان آخر ) وقال بدر: مازلت كما كنت تبكي دوما ...ضحك بوحشيّه جعلت بدر لا يعلم ما يفعل هل يبكي أم يضحك ؟ وضع يده على كتف بدر وقال له: أنا كنت معك ذات يوم في المدرسة..
التفت الرجل الملثم و أمر المسلحين بالانسحاب واخذ كل الرجال لإكمال التحقيق..تركوا النساء ينتحبن....ظل بدر وحيدا في الشارع مع زميلاته مذهولا وهو يراقب السيارات تبتعد وفيها زملاؤه. ولكن ظلت تلك النظرة التي رمقه بها أحد زملائه قبل أن يصعد تحمل معانٍ كثيرة مؤلمة لبدر..مدّ يده إلى شامته وقرّر بان يستأصلها حين يعود مهما كان الثمن.
.
.
الخميس, 02 اغسطس, 2007
<<الصفحة الرئيسية
.
.









