حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

الملائكة يجلسون على الارصفة ايضا.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 
 

 

   إنه نيسان بصباحاته التي تبعث على الحبّ وشمسه الحنون  التي  تعبث بوجهي    وشعري مثل امّ   ناشرةً رماحاَ من الأشعة الصفراء و جاعلة دقائق الغبار واضحة  وهي تسبح ببطء , كان هذا في غرفتي التي تقع عند الطابق العلوي لمنزلنا  الواسع القديم الذي يحتاج إلى ترميم في الكثير من زواياه و المطلّ على الشارع الرئيس . كنت استمتع بدفئها و أنا اجلس قرب الشرفة التي تواجه الكرسيّ الذي اجلس عليه وأنا أتأمل ركبتي الملفوفة بعد أن طحنتها رصاصة في إحدى ساحات بغداد المليئة بالرصاص قبل أسابيع , كنت ألفها بعناية خوفا من التهاب الجرح وأنا أتخيل نفسي أعرج بمشيتي

 إذا ما شفيت وتركت العكازين.... المني ذلك كثيرا ...أخرجت علبة لفائفي المصنوعة من تبغ رخيص كي استمتع بأنفاس التبغ القوي الحار الذي

سيفسد رئتي يوما....أشعلتها وسحبت نفسا عميقا دخل إلى كل خلايا جسدي النحيل تطلعت إلى الشارع الذي يقع أمام الشرفة حيث السيارات تروح وتجيء و أنا أحاول توقع عمل كل سائق يمر, من اجل قتل الوقت الذي صار يعذبني بطئه وأنا اجلس وحيدا لا أقوم بشيء سوى التدخين وتناول الأدوية المرّة والتحسّر على عملي الذي باشرت فيه للتوّ وخسرته سريعا ... مرّت سيارة يركب فيها أربعة أشخاص بعيون قلقة..أظن بأنهم من المليشيات, مرت سيارة أخرى يقودها رجل عجوز بنظارات سميكة يعود تصميمها إلى الثمانينات..."ربما كان مديرا لمدرسة قبل أن يتقاعد فقد كان وجهه صارما", مرت سيارة أخرى ولكني تركت النظر إلى سائقها فقد جذب انتباهي شيء آخر ! انتبهت فجأة إلى جسد ضئيل يتكئ على جدار احد المنازل المطلة على الشارع واضعا أمامه قطعة مربّعة من الخشب بطول متر وعرض متر تقريبا ,مرفوعة عن الأرض بصندوق فواكه اسود اللون مصنوع من اللدائن وقد وضع على قطعة الخشب هذه أكياس شفافة بحجم الكف محشوة بالمكسرات .وكذلك كانت هناك أشياء أخرى غير واضحة المعالم من زاوية نظري . صدمتني رؤية تلك الطفلة التي تلبس معطفا قديما احمر يتماهى مع لون الشعر الطويل بعض الشيء و الذي يأخذ لون الحنّاء , كان هذا الجسد يحمل دفترا أو كتابا وينكس رأسه كل لحظة لكتابه شيء  وللنظر إلى الشارع مرة أخرى , كان من الواضح بأنه يكتب درسا , شعرت بألمين واحد في ركبتي وواحد في قلبي وأنا اردد مع نفسي

كم هي ملعونة الحرب...عصرت ذاكرتي باحثا عن صلة لهذا الملاك التلميذ

بأي شخص يذكرني ولكني عجزت ولكن ربما هو أو هي من العائلات التي

تركت منازلها وأرضها هربا من العنف والقتل ؟ ربما !! أشعلت لفافة تبغ

أخرى و نظري لا يزيغ عن ذلك المخلوق وقد رأيت مجموعة من أفراد الشرطة وهم يتجهون نحوه ويشترون بعض تلك المكسرات - ربما كي يكسّروا القلق والتوتر في ساعات دوريتهم المملّة الخطرة-....لم اعد أرى شيئا فقد أوقف أولئك الشرطة سيارة يقودها شخص ما وظلوا

يتحاورون معه ولم اعد أرى ذلك الطفل , بقيت أفكر بألم وأنا استغرب من نفسي فقد رأيت أناسا يقتلون أمامي ولكن لم احزن مثل حزني هذا على ذلك الطفل الذي يفترش الرصيف , قاطع تفكيري  صوت والدتي العجوز الحنون الحزين وهي تناديني مذكرة إياي بموعد تناول الدواء ...توكأت على عكازيّ المعدنيين الذين أصدرا طقطقة تذكرني بالعجز وبدأت انزل ماشيا بهدوء حذر خوفا من الألم الذي سيهاجمني بغير مجاملة إذا أخطأت أو سهوت

 في خطواتي ...وصلت إلى درابزين السلم المعدني الذي يحتاج إلى إعادة طلاء و توكأت عليه ممسكا بيدي الأخرى عكازيّ وبدأت انزل بحذر وأنا استند على ساقي السليمة ,وصلت حتى منتصف السلّم و رفعت رجلي من اجل خطوة أخرى وهنا شعرت بان ذراعا خفيّه دفعتني أو رفعتني بقوة نحو اللا مكان !! فقدت توازني وارتفع جسمي في الهواء وأنا امسك بيد واحدة بمعدن الدرابزين ولكني لم استطع أن امسكها أكثر لأني اضعف من أن أواجه تلك القوة فأفلتها منتظرا الألم القادم وأنا أحاول التفكير في نفس الوقت بما حصل ولكن الإجابة جاءتني سريعا مع صوت تحطم زجاج وصوت عملاق لانفجار هائل ! تذكرت أن الصوت يتأخر دوما عند الانفجار ويسبقه العصف! سقطت على درجات السلم الحادة المتثلمة وتدحرجت إلى الأرض وقد سبقني زجاج الشباك الذي يواجه الدرج وصراخ أمي المبحوح . كنت أرى الدم وهو ينزف من لفافة الجرح وأحس بألم وخدر في كل جسدي, شعرت بفزع شديد وأنا أحاول أن ابحث عن عكازيّ فقد تذكرت ملاك الرصيف! لم استطع النهوض ويدي تمسح على الأرض بيأس باحثا عنه.. بكيت بألم وصمت و أنا أتخيل الملاك يترك الرصيف محترقا نحو السماء .

 


(42) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.