مع بعض الجرأة المحسوبة و التطمينات والتأكيدات قررت أن أضيف أختا جديدة لزياراتي والذهاب إلى منزل صديق المدرسة الذي كان يوما ما الأقرب إليّ من الجميع,ذلك الشاب الهادئ مثل لهب شمعة والذي كان يحمل من الهدوء والروية الشيء الكثير والذي قد باعدت بيننا تلك المسافات الزمنية والمخاطر والكسل حتى انقطعت الإخبار عن بعضنا البعض , مازلت اذكر تلك السماحة النادرة التي ترتسم على وجهه الأسمر و التي تدفع إلى الطمأنينة . هذا الصديق الذي قد حصل على رقم هاتفي من صديق مشترك إلتقاه مصادفة في احد الأماكن , هو من أتوجه اليوم إلى زيارته, حيث يسكن في مكان كان حتى عهد قريب مكانا محرما , لكن ألان تغيرت الأمور وها أنا ذا أتوجه إليه.
تغيرت الكثير من معالم الدروب الداخلية المؤدية إلى منزله الذي لا يمكن لأحد أن يظل الطريق أليه, فقد كان يستقر على جانب نهر دجلة مباشرة معطيا لساكنيه منظرا رائعا ونسيما عليلا محملا برائحة الطين النقي – هذا ما أتذكره من زيارتي له – .
ها هو ذا يقف عند باب منزله الخارجي وهو يحمل في يمينه هاتفه النقال وكان مستعدًا - كما يبدو- للاتصال بيّ كي يطمئن بأني لم أظل الدرب أو يحصل لي مكروه ما , كان بابهم ما يزال يحمل نفس اللون الذي طلي به منذ زيارتي الأخيرة له , اقتربت أكثر وأنا أحاول أن اعرف الآثار التي تركتها كل هذه السنين من البعد على وجهه الذي اشتقت لرؤيته فعلا , لم يكن قد تغير كثيرا سوى أن وزنه قد زاد قليلا , صرت قريبا من المنزل , مشى هو نحوي و في وسط المسافة المتبقية استقبلني بفرح وشوق تلقائي وصافحني بحرارة وتبادلنا الأحضان , وبعد أسئلة طويلة عن الحال والأحوال دخلنا إلى منزله وطلبت منه أن نجلس في الشرفة المطلة على النهر فقد اشتقت إلى ذلك المكان , جلسنا وسألته وأنا ابتسم : كيف هو دجلة؟ أجابني وقد تكدر وجهه قليلا
وقال: يا صديقي لقد اختفت الرائحة الطازجة التي كانت تأتي منه وصار النسيم يأتي ألينا محملا بالذفر ورائحة الأشياء الفاسدة , هل تصدق أني صرت أخاف النظر إليه !, أني اشعر بان دجلة يحتضر ! أنهم يعدمونه بالسدود , والسماء تعدمه بالجفاف . قلت له بحزن : اعرف ذلك يا صديقي ,....ظل يتكلم و أنا استمع أليه وأنا انظر نحو نوارس متباعدة تحلق هنا وهناك وتحط وتطير على شاطئ النهر بألوانها البيضاء فاتحتا أجنحتها على اتساعهما . في خضم كل ذلك جاء ألينا أخوه الأصغر حاملا إلينا بعض الفواكه في صحن كبير , سلم عليّ وسألته بود عن حاله وكم صار عمره و كان من الواضح بأنه طفل حيوي ومشاغب فقد كان يحمل في عينيه الكثير من الفضول وفي حركاته الكثير من الاندفاع وعلى يديه الكثير من الجروح, تركته وبقينا نتحدث عن ذكرياتنا وعن ما مر بنا في تلك السنون العجاف وفجأة سمعنا صرخة فزع آتية من جهة السياج المعدني المصنوع على شكل أعمدة طويلة بيضاء والمطل على النهر والذي يعزل الشرفة التي كنا نجلس فيها عن النهر,سمعت صوت اصطدام شيء في الماء ! فكرت مع نفسي : ( أنه الطفل ! ) قفزت و خلعت حذائي بلا تفكير وأنا استعد لمحاولة إنقاذه , أما أخوه فقد سبقني راكضا نحو السياج , وحين وصلت إليه نظرت إلى النهر محاولا تحديد مكان الطفل.
كنا مستعدين لعبور السياج من اجل محاولة إنقاذ ذلك الولد الذي سيقتله النهر لا محالة!.بعد نظرة سريعة إلى النهر توقف كلانا عن محاولة العبور بتسرع وهلع وشعرنا ببعض الطمأنينة ,فقد كان الطفل واقفا والماء يصل حتى ركبتيه فقط وقد تبللت كل ملابسه وهو يمسك بيده كرة يبدو انه من اجلها نزل إلى هناك!....التفت إلى صاحبي وقلت : لقد ظننت بأن النهر سيقتل أخوك !! التفت إلي بحزن وأجابني وفي كلامه صوت لبكاء : لا تقلق فدجلة...... ميت ..... والأموات لا يقتلون أحداً.
.
.
السبت, 04 اكتوبر, 2008
( نم إغناسيوس!... فلاشيء باقْ ..حتى البحر يموت)
لوركا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









