مازلت أدور مثل المغزل في فراشي , جربت كل أوضاع النوم , أضع الوسادة على راسي ,ادفنه بين الأغطية , أغطي عيني بالمنشفة , لكن لا فائدة , ذلك المشهد يطاردني, يدخل علي من كل المنافذ كأنه نار مشتعلة في رأسي ويمر مثل شريط أمام عينيِّ المغمضتين. منذ ثلاث ساعات وأنا أصارع النوم ولكن بلا فائدة ,لا استطيع منع نفسي من التفكير به, كانت صورة العظام التي تنتشر قريبا مما تبقى من جسده الذي لم يتبقّ منه سوى جمجمة وعظام الضلوع المغطاة ببعض الخرق ,هي الأكثر ألما , لم اقدر على المقاومة أكثر فجلست على حافة السرير مركزا عينيّ على لهب الفانوس الذي صار رفيقا لليل بعد أن ترك التيار الكهربائي رفقته منذ زمن ,خاطبت نفسي مؤنبا إيّاها: كان من المفروض ألاّ انظر إلى تلك الصورة التي دعاني لمشاهدتها جاري الذي لا اعرف من أين يحصل على تلك الأشياء! , أرعبني منظره مرميا في أحد الشوارع حيث بقي حتى لم يبق من جسده سوى عظام. السؤال الذي ظل يطاردني ويحاصرني هو : أين ذهب الناس؟ بقيت اردد هذا السؤال مع نفسي بصوت مرتفع غاضب , حضنت راسي بين كفي ّ للحظات قبل أن استلقي مرة أخرى مفكرا باللاشيء لوهلة قبل أن ألاحظ تذبذب ضوء الفانوس الذي يستقر على الأرض عند زاوية الجدار, ولكن الريح في الخارج ساكنة ! تحركت نحو الفانوس كي أتأكد من أن فيه من الوقود ما يكفي. استغربت وأنا اجلس القرفصاء معيدا إياه إلى مكانه حين سمعت صوتا صدر من كل مكان في الغرفة ! صوت محسوس أكثر مما هو مسموع, قال: لا عطل بفانوسك إنها تموجات روحي. كان صوته يعكس ثقة رجل يعرف كل شيء. لم ارتعب ولكني كنت أحاول التأكد باني فعلا قد سمعت الصوت. أنصتُ مرة أخرى وأنا اسأل بتوجس وعيوني مفتوحة على أقصاها وأذناي تحاول سمع أي حركة : من ؟. لم اسمع سوى نبضات قلبي التي أخذت بالتسارع . حاولت شغل نفسي وأقنعها أن ذلك كان من بقايا النعاس وأحلام النوم الذي أتى ومسني وذهب , ولكن الصوت عاد مرة أخرى سائلا بإصرار: هل أنت حزين اليوم ؟ . فكرت بان افتح باب الغرفة واركض هاربا ولكني حاولت أن أكون أكثر جرأة وأجيبه وأنا غير مصدق , - نعم أنا حزين ولكن ما أدراك ومن أنت وماذا تريد؟, سألته بارتباك حاولت جاهدا أن أخفيه. - أنا اعرف الكثير من الأشياء لان الأرواح الهائمة ترى وتسمع وتراقب و تشعر بمن يفكر فيها . - ولكني لم أفكر بك ولا أعرفك. - لا تعرفني نعم ولكنك فكرت بي طويلا . - حسنا ومن أنت ؟ - أنا من رأيت بقاياه في الصورة اليوم. صدمت حين قال عبارته الأخيرة ! بقيت أعيد تفاصيل تلك الصورة المفزعة محاولا إيجاد رابط بين صوته و عظامه وحظر أمامي السؤال الذي كان يحيرني وكأنه جاء فقط كي يجيب عنه وسألته: لماذا بقيت كل هذا الزمن هناك حتى صرت عظاما مع انك كنت في إحدى شوارع المدينة وليس في مكان منعزل؟ وكذلك آمل أن تحكي لي قصتك . صمت لزمن طويل حتى ظننت بأنه قد ذهب واني كنت أتخيل ما دار من حوار سمعت همهمة ما قبل الكلام و بعدها استرسل قائلا: - كنت عائدا مع الآخرين في سيارة تحمل الكثير من الناس من طريق طويل , طويل جدا , أوقفونا , تطلعوا في أوراقنا دققوا في سحنتنا ولهجتنا , أخذوني مع آخرين أدخلونا إلى الأزقة , كانت هناك نساء و كان هناك أطفال ينظرون إلينا من خلف الأبواب , الأيدي مربوطة والأعين معصوبة, , حاكموني على أشياء لم افعلها , قرروا إعدامي لان غيري عدوّهم , إطلاقة في مؤخرة الرأس , رفست ساقّي مثل ديك مذوبح , شتموني وابتعدت سياراتهم كي يعدموا الآخرين .بعد أن حذروا الناس من دفني بكت علي بعض النسوة ,و شعرت برغبة بالنوم , شعرت بالحرية لان الموت ولادة جديدة , جلست روحي على الرصيف القريب تخاف أن تبتعد عن جسدي , صرت اسمع الكثير من الهمس وارى عبر الجدران ,حواسي صارت أقوى ! لحظات وجاءت أرواح أخرى تطمئنني بان كل شيء سيكون على ما يرام وأنهم ماتوا قبلي و لكنهم حسدوني لأنهم قتلوني سريعا , ظلت روحي تهيم عند المكان , كل ليلة أتعذب من الحزن و حين أعود أجد جسدي في مكانه, صرت احلق مع بقيه الأرواح مستقبلا الأرواح الجديدة , سماء بغداد تعجّ بنا هل تعلم ذلك؟ ,
- بماذا يفكر الرّجل قبل الرّصاصة؟ (سألته بطفولة) - إذا كان متزوّجا يفكّر بزوجته وأطفاله وإن كان أعزب فلا اعرف بماذا سيفكر لأني متزوج. - حسنا ولماذا أتيت إليّ ؟ - لأنه أسعدني أن أجد من يحزن من اجلي. - هل ستأتي إليّ دائما ؟ - ربما سأستقبلك أنا يوما . - ماذا؟ هل سأقتل؟ - وداعا هناك خمسة أرواح يجيب أن استقبلها أنا اسمع عويلها. تركني وعاد اللهب صافيا ولكن روحي منذ ذلك اليوم ترتعش.
أضف تعليقا
بنت الاجاويد
شكرا لك ايتها المراة الرقيقة مثل جفن والتي تمر مثل نسمة و تترك اثارا ناعمة مثل اثار النوارس على الرمال ...تعالي هنا دوما ...ستفتح مدونتي ذراعيها لكل الضيوف .
كل احترامي لك.
من الأردن

نحن الشعراء الموتى
أغنية الريح اذ يشتي الليل
ينسج أثوابا من ندف الثلج
وبقايا أكوام الطين
سنكتب فوق رؤوس النخل
أن الارض لنا
بعد الطوفان
ما كان يراودني
مزق عينيه النسيان
الكون غدا شبرين
بين الشرفة والسور
والسلك الشائك يمتد بحور
آه يا بغداد
آه يا عذاب الروح
متى تهدئي وتضمدي الجروح
وتشعلي قناديل المغفرة للموتى
نبيل ياعاشق بغداد
كم هو راقي حسك ف الوصف
كم هي رائعة تسلسلات احداث القصة
دمت ودام قلمك
همسات شجى الليل
مريوووم العرااااا
مريوم العراق
كم هو رقيق كلامك حتى الحزين منه يسعدنا!
سنبقى يا مريوم نحب هذا الوطن برغم كل القبح ...ماذا نفعل ؟هذا قدرنا ...اتمنى ان تجمعنا بغداد مرة اخرى.
من المملكة العربية السعودية

لاشيء يغرينا غير الوطن
ومعصم القصائد!
من الولايات المتحدة

القصائد و الوطن مثل الاذن والقرط ويكونان اجمل حين يكونان سويا...مرحبا بك .
من السويد

عزيزي نبيل......
لا استطيع ان اكتب تجاهك اي تعليق.....
لاني كل ما حاولت.....
اجد نفسي عاجزا.....
الهمنا مجددا ودوما.
اخوك جيفارا.
السويد
من تونس

سلاما ايا بغداد يا الكرادة ماذا اقول ...؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟سحق الله اليد التي قتلتكميا أعزائي الشهداء
أما بعد
فإني اليوم لن اعلّق على الأقصوصة كلها إنما سأقتصر على العنوان لأنّ العناوين هي اختزال لكل ما يدور في كل نصّ ،ولذا لها اهية قصوى في جلب القارئ للاطلاع على بقية العمل من قوّةالعنوان .
وفي هذه الأقصوصة أرى الكاتب قد اختار عنوانا معبّرا ورمزيّا :حين يتكلّم الموتى.
1 فيتكلم الموتى تركيبيا هي الجملة المكتملة الوظائف فعلها تكلم وفاعلها الموتى ،وفي هذه الحالة نجدبلاغيا تعبيرا مجازيالانّ الموتى في الحقيقةلايتكلّمون فنتساءل لماذا جعل الكاتب الموتى يتكلّمون؟وإن تكلموا فهل يعقلون؟
فإن نطقوا، فهم لم يعودوا موتى بل أحياء كالشهداء في تصوّرنا
ولو نطقوا فماذا عساهم يقولون ؟
2 اما حين فهي ظرف زمان سبق الجملة الفعليّة لو حوّلناه الى عند لأصبح التّركيب عند تكلّم الموتى تركيبا جزئيّا لا تتغير دلاته المعنويّة والرّمزيّة انما لا يعدو أن يكون جملة بل هو مبتدأ يحتاج إلى خبر وهذا الخبر هو الأقصوصة كلّها ..ولذا حين تكلّم الموتى أصبح يحتاج ايضا الى خبر يتساءل عنه كل قارئ بقوله :ماذا حصل؟؟؟فتكون الأقصوصة كلها تفي بهذه الحاجة نحويّا وسرديّا ويفتح لنا العنوان رغبة فضوليّة في مواصلة القراءة تسمى اصطلاحا بالنقد الأدبيّ في النمط السرديّ:التّشويق....
اترككم مع التشويق لقراءة الأحداث العجائبيّة الممزوجة بمرارة الواقع في أقصوصة الأديب العراقي الملتزم بقضايا شعبه :نبيل العراقي ...والسلام عليكم وتصبحون على سلام ومحبّة
كعادته.. يسحبني النص من أرداني لآتابع هذا الهمس الموجع وكأنه يقول لي: هانحن ثانية وثالثة ورابعة نلتقي ونواجه المدخل ذاته الذي فتحوه امامنا ..فدخلنا المتاهة التي اوصلتنا الى متحف العدم.
أكتشف هنا أدراك الانسان لنفسه عندما يلاقي قدره ( الموت ) فما الذي يفعله في لحظة الاكتشاف هذه؟؟ سوى شريط من الذاكرة يمر امامه وكأنه فلم رعب كتب السيناريو له في القرن العشرين..ولازال اخراجه مستمرا منذ خمس سنين خلت..فاصبح الانسان العراقي طعام الحرب وجنديه المجهول...فيمضي نهار ..وبعده نهار..ولاشيئ غير الانتظار.
لقد كانت الصور موجعة حد الثمالة جاءت مباشرة احيانا وامتزجت فيها اكثر من عاطفة اولها الانسان واخرها الانتماء.
ومن خلال متابعاتي لهذه المدونه اعتقد ان نبيل العراقي يقدم نفسه كعاشق لليل بغداد الموحش وباحث عن امل وبصيص ضوء وحلم يؤرقه...وهو يهدهد الجرحج بترنيمة حزينة ينام في حجرها ثائرا بكلماته وسط ضجة المتبارين..
تقبل مروري ايها الصديق النبيل.
اخي جيفارا من السويد
علق متى ما اردت
حظورك هو الاهم...اسف لاني اهديك حزني.
تحياتي واشتياقي لك
سيدتي نفيسة من تونس
كم انا محظوظ ولي الشرف بانك تحللين ما اكتب. وكذلك اود اشكر قلبك الذي يعيش في بغداد ويتابع اخبارنا...لا تقلقي سيدتي سننتصر انشاء الله...وستفرحين وستزورين بغداد انشاء الله وستجدينها احلى مماكانت...شكرا لك على كل شيئ وكذلك شكرا لك على ارائك السديدة وملاحظاتك ...تحياتي واحترامي لك
اخي صباح....
صباح ايها الرجل المثقف مثل رجل قرا كل كتب العالم...اهلا بك....نعم ياصباح انا عاشق لليل بغداد الموحش...اريد ان اوصل سواده القاتم الى عيون الاخرين ....ساظل اكتب يا صباح حتى تشرق الشمس وبعدها ...ارمي القلم واذهب ...مثلما سيرمي الجنود اسلحتهم حين ياتي السلام.
من لبنان

"صرت احلق مع بقيه الأرواح مستقبلا الأرواح الجديدة , سماء بغداد تعج بنا"
this is so sad, i wish you did not have to live this hard times in iraq! always wishing for the best to come to Iraq and its good people.
Sorry for being so late in leaving you a comment! take care my friend.
سيدتي سمر
كم انا سعيد لاني ارى تعليقك!
سيدتي سمر قدري ان اكون هنا ..قدري ان اولد هنا ...وان اعيش هنا وربما اموت هنا....سيدتي لاتنقطعي عن وضع تعليقات التي رافقتني من اول قصة لي ...ولا تعتذري لتاخرك لانه لابد ان يكون سببا قويا . احترامي لك
من مصر

هذه أول مرة أزور فيها مدونتك يا نبيل وقد أخبرتنى بها Summer صاحبة مدونة Life Thoughts والحقيقة لم أتخيل أن أقرأ هنا تلك القطع الأدبية البديعة وأن أرى عالماً جديداً غير الذى أرى عبر شاشات التلفاز الباردة ونشرات الأخبار اللاهثة ..
كل تدوينة هنا تحمل مذاقاً مختلفاً ..
إلا أنها اتفقت جميعاً على أن تصطحبنا فى رحلة للبحث عن شيئ واحد: الأمان..
تحياتى لقلمك المتفرد البارع
دمت ودامت العراق فى أمان
Maha
الاخت Maha من مصر
انا انحني ترحيبا بك وبالسيدة سمر التي دلتك على دروبي الحزينة ...نعم يا سيدتي انا اكتب كي اجعل الاخرين يلامسون الواقع بايديهم بدل النظر بعيونهم الى شاشات التلفاز الباردة...
اهلا بك ...سانتظر مرورك دوما.
من سوريا

حرقت نضيع بنارها
وتكوي قلوبنا وارواحنا
عزفك على اطراف الحروف جميل
كن بخير
mafhm
اخي المميز مرروك يعطي نكهة برغم كلماتك القليلة ولكن معناها عميق ...
سانتظر مرورك دوما. انه الحزن ..كلما شعرت بحاجة للحزن تعال....
من تونس

اخي نبيل العراقي هذا مروري الاول في مدونتك ولا استطيع ان اقول الا انّحزنك يشبهني بموتاي وشهدائي وبالاحتلال والحروب من حقي ان اسأل الله هل نسيتنا ألسنا عبادك ؟؟اتمنى ان اقرا لك دائما لتتحدى موتك اليومي
من تونس

حصل خطا فانا رغم حبي لتونس لكنني من لبنان ارجو الاصلاح
من الولايات المتحدة

dhaferhalabee من لبنان
اخي العزيز ..لبنان والعراق سارا على نفس الدرب..وسيدفعان الكثير كي يصلا.
اهلا بك صديقا لي . احترامي لك
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

















من المملكة العربية السعودية
اواه ياقلب مزقه الحنين
أواه ياقلب مزقه الأنين
صور وذكريات في الخاطر لا يمحيها الزمن مهما طال
والموت ميلاد جديد للأرواح ربما تكون لنا أقرب من الأحياء
الفاضل نبيل
كم أسعدني أن أكون أول المصافحين لمقالك
الطيب وكم أهوى الحضور دوما هنا
حتى أسترق السماع لهذه المقطوعة الغنائية
إختيار رائع لحروف مقالات رائعة
دمت بخير وسعادة
تحياتي وحبي وتقدجيري
بنــ الأجاويد ــت