إيهٍ ..عدت رفيقاً للسلاح مرة أخرى !ردّدها مع نفسه وهو ينظّف بندقيته ويبتسم بحزن واستسلام ...عاد بالذاكرة سنين طويلة كي يرى نفسه وهو يصعد في عربات أل" إيفا " التي كانت تنقل الجنود نحو المعركة - كانت معركته الأولى - وتذكّر ملابسه الواسعة التي كانت تثير الضحك ,ووجهه الأمرد المشعّ بالخوف و كفّه القابض على السلاح بصعوبة....ثماني سنين لم يترك شبراَ من حدود العراق لم يقاتل فيه, ومازال يتذكر كل معركة خاضها وكل ضابط قاتل تحت إمرته ...تذكرّها جميعا..واحدة ...واحده.. ....إيهٍ يا معارك "بن جوين "..إيهٍ يا معارك " الفاو"..إيهٍٍ يا معارك "نهر جاسم".. صكّ على أسنانه وهو يردّد : "(نهر جاسم)", فهناك فقد الكثير من الأصدقاء الذين قضوا في الكمين الأسود لهذا النهر الجاسم ,حيث ظلت أجساد الشهداء تطوف ببطء على سطح الماء مثل أوراق الخريف التي يجرفها التيار بهدوء...... تذكر معارك السلاح الأبيض حين يشتبك الجنود ويتداخلون فلا يمكن استخدام الرصاص في ذلك الزّحام حين يتقاتل الأعداء والأصدقاء على نفس المتر. و لسوء حظه أن معركته الأولى كانت بالسلاح الأبيض , زفر بمرارة و عاد يمسح البدن الأسود للبندقية وهو يحاول تناسي الماضي والموت والموتى , لكن عبارة من مذيع الأخبار التي كان يستمع إليها من راديو صغير بجانبه جعلته ينتبه !,حين قال المذيع:"وبهذا قد بلغ عدد قتلى القوات الأمريكية بعد خمسة سنوات من احتلال العراق إلى أكثر من أربعة آلاف جندي ", عند تلك العبارة التفت إلى الراديو لثانية وعاد كي يكمل تنظيف البندقية وهو يتمتم : أربعة آلاف !؟ هزّ رأسه بازدراء قائلاً :" في معركة تحرير الفاو وحدها مات منا أكثر من خمسين ألفاً في اقل من ثلاثة أيام!". ثمّ أكمل تنظيف سلاحه ومسح يده التي صارت متآلفة مع زيت السلاح ومعدنه ولبس ملابس ثقيلة وتأمل وجهه المتغضّّن وشعره الأشيب في مرآة صغيرة مثبته على الجدار , ثُم اخذ سلاحه ومشى نحو نقطة الحراسة كي يُستبدل بزميله الذي يقف هناك منذ ثلاث ساعات . كان البرد قارصا والصحراء مفتوحة إلى نهاية المدى , زر معطفه العسكري وجلس في نقطة الحراسة مراقبا من فتحتها رمال الصحراء وأضواء قرية بعيدة تتلألأ على الطرف الآخر من الحدود , آه كم هو رائع الجلوس في الصحراء لفترة من الزمن , لابد أن يقضي كل إنسان وقتا ما في الصحراء كي تصبح روحه أصفى, أعاد تشغيل مذياعه الصغير ( المذياع هو الرفيق الدائم للحراس , حيث يؤدون أكثر المهن إشعاراً بالملل وهم في انتظار شيء ربما لن يأتيََََ أبدا) . نظر سالم إلى السماء متأملا النجوم في هذا اليوم البارد الصافي و قرّر مع نفسه أن يجمع عدد الساعات التي قضّاها واقفا في نقاط الحراسة ! ظل يعد ويضرب ويجمع حتى كاد يصل اخيرا إلى نتيجة لو لا أن عينه الخبيرة التقطت حركه مشبوهة , فقبض بصورة لا إرادية على سلاحه ,كانت حركه لمخلوق واحد فقط أو هكذا بدت , اخذ المصباح و فتح أمان البندقية وسحب الترباس كي يلقم بيت النار رصاصة مستعدة للانطلاق والاختراق ثُم سار بحذر واحتراف وإصبعه يلامس الزناد برقّّّة , كان ينقل خطواته بحذر محاولا ألاّّّّ يثير أيّ صوت , فحتى الأنفاس ربما تكون مسموعة في هذا السكون الممتد بلا نهاية .... لم يكن الهدف يبعد أكثر من مائتي متر ,ربما هو حيوان وربما هو شيء آخر لكن على الإنسان إعطاء فرصة لحدسه فهو يصدُق أحيانا كثيرة , هذا ما تعلمه من سنين حياته الطويلة التي قضاها بين الرصاص ,وقد أنقذه حدسه كثيراً,ظل يسير وهو منحنٍ ومتحفز وكلما تقرب أكثر اتضحت معالم ذلك الشيء أكثر , كان شخصا يسير حانيا ظهره , حتى كأنه يزحف ! محاولا تجاوز النقطة الحدودية باتجاه أضواء تلك المنازل البعيدة في الطرف الآخر , اقترب سالم منه أكثر وصاح بصوت قوي وحازم : قفْ!! أشعل الضوء ووجهه على وجه ذلك المخلوق وبعدها دار بالضوء حول المكان كي يتأكد من عدم وجود أشخاص آخرين, وجه البندقية نحوه بحذر شديد و الضوء يعمي بصر ذلك الشخص, تفاجأ سالم من أن المتسلل صبي لا يتجاوز عمره الثمانية عشرة سنة! كان ذو وجه صبيانيّ أسمر مؤطر بلحية شعرها أشبه بزغب ينتشر في أماكن متفرقة من وجهه , ويلبس ثوبا متسخا يبدو أنّ لونه كان أبيضَ , وهو يرتجف من البرد والرّّّعب , نزلت دموع الصبي وكان تعبير وجهه لا يعكس سوى الحزن والخوف, تحرك قلب سالم من مكانه ,رأى نفسه في معركته الأولى !, فتّشه بسرعة وسأله : من أنت وماذا كنت تريد أن تفعل , ولا تكذب !, فأجاب الصبي والدموع تخنقه:"أرادوا أن ُيزنّروني بحزام ملغوم فهربت"!! . في تلك اللحظة أنزل سالم سلاحه وهزّ رأسه بملل وسأله مرة أخرى: منذ متى و أنت هنا؟ - أنا هنا منذ حوالي أسبوع , كنت أظن باني سأقوم بأشياء أخرى! - لقد خدعوك أيها الصبي, (فكّر سالم مع نفسه وتخيل مصير هذا الصبي الأرعن , لو ظل هنا , أو لو قبُض عليه , لن يرحموه مطلقاً ) كانت عيون ذلك الصبي مليئة بالتوسّل, نظر سالم إليه مطوّلا وتأكد من انّّه فتى بريء لعبت برأسه أفكار لم يحسبها جيدا , - أطلقني يا أيها الجندي , أعدك باني لن أعود , نظر سالم مرة أخرى وخلع معطفه وأعطاه للصبي وقال: الطريق بعيده فكن حذراً و لا تعد مرة أخرى , تركه سالم وعاد لنقطه التفتيش , وفوجئ بزميله الذي سأله أين كنت ؟ - كنت أتحقق من حركه مريبة. - وماذا وجدت؟ - لا شيء إنها حمامه طارت ليلا وظلت الطريق.
.
.
الاثنين, 09 يونيو, 2008
<<الصفحة الرئيسية
.
.









