حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

حصاد المناجل

 






 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كان   يوما آخر من أيام حظر التجوال الكثيرة في تلك الأيام العصيبة إذْ لم يمرّ شهر بغير يوم أو يومين منها , و يضيف التيار الكهربائي نوعا آخر من السأم وكأنّه له خلاف شبه دائم مع أسلاكه النّحاسية التي تمتدّ محدّدة مناطقنا المسكونة بالترقّب والحذر والشك , كان مساءً شتائياً بامتياز, يحمل الكثير من البرد والزّمهرير والقصص المخيفة التي تتحدث عن رجال أسطوريين يخطفون الناس أو يقتلونهم على قارعة الطريق ,و لم يكن أمامنا الكثير كي نفعله غير الجلوس على شكل حلقة كبيرة كلّ ليلة أمام منزل العمّ أبي ضياء الرجل الخمسيني بجسده الرشيق وحركاته الهادئة وكلامه القليل ووجهه الأسمر الصافي الحليق دوما وعيناه اللتان تقولان الكثير وتحملان من الحزن والعمق والتجربة ما يعادل حزن وتجربة عشرة رجال, وشعره الذي تحوّل إلى لون أبيض بصورة كاملة و بشكل غريب !, لم نكن قد جلسنا معه من قبل فقد كان اكبر منا سناّ وهيبته وصمته الدائمان يجعلاننا نكتفي بان نسلّم عليه بسرعة واختصار , أما ابنه ماجد – صديقنا- فقد اخذ الكثير من صفات والده الهادئة التي توحي –رغم صغر سنه- بأنه شاب حكيم . وفي إحدى تلك الليالي ونحن نلتفّ حَول النار التي تشعّ علينا بالدفء والمتعة و نراقب البخار المتصاعد من إبريق الشاي الكبير المتربّع على الجمر والذي أحسّ أنّ شايه سيكون أكثر لذة من سواه لسبب أجهله حتى هذه اللحظة!فـــُتـِح باب الدار كي يخرج أبو ضياء بخطواته الهادئة وهو يحمل على وجهه ابتسامة جعلها الضوء المنبعث من النار والساّقط على وجهه أكثر سحراً, وسّعنا له مكانا بيننا,( كان من الواضح أنه رجل رقيق رغم كل آثار السّنين وقسوتها المرتسمة على وجهه , فأنا اذكر حتى هذه اللحظة كيف انّه بكى بمجرد أن رأى ماجدا وقد كُسرت ساقه في إحدى مباريات كرة القدم).و بعد التحية والترحيب ظل أبو ضياء صامتا ونحن كذلك ارتبكنا قليلا . فبعد صمت قصير وحين كنا نحاول كسر الجمود بعبارة (الله أبو الخير) و بعد أن ناولناه "إستكان" الشاي سمعنا صوت رشقة رصاص متقطعة أولا وبعدها استمرت طويلا . تحفّز أبو ضياء وفقد كل ذلك الهدوء وأدار عينيه إلى زاوية بعيدة عن الجميع وأغمضهما وهو يشير لنا بالسكوت وأذناه مشرئبّتان مثل أُذني ذئب ! كلّ حركاته كانت تحاكي تصرّفات ذئب مسنّ سمع حركة مريبة. توقّفت تلك الزّخّة من الرّصاص وعاد الصّمتُ يخيّم على السّماء الباردة وعادت طقطقة الخشب المشتعل وأنفاس الجالسين التي تنفث البخار الكثيف ذاك ما يسُمع فقط .فالتفت نحونا وقال وكأنه يخاطب نفسه : إنّه صوت لمدفع رشّاش "روسي" ثمين لم يعد يصنع منه اليوم حتى الروس أنفسهم, فصوته رخيم وعميق وأظن بأن الطلقات" تشيكية" الصنع فهي تمتلك تلك الرنّة المميّزة عند النهاية وكذلك أن من أطلق رشقة الرصاص قبل هو رجل لا يمتلك ما يكفي من الخبرة. استغربنا من تمييزه لكل هذه التفاصيل !, فتشجعت وسألته:" كيف عرفت كل هذه التفاصيل يا عم؟" ابتسم بثقة وحكمه وقال :" لانّ ذلك كان سلاحي لثماني سنينَ وقد قاتلت به طويلا و رافقني وظل بجواري حتى أكثر من ابني ,ثمّ سأله شاب آخر :" هل قتلت به أحداً؟". تردّد في الجواب وحمحم قبل أن يجيب:
- نعم
- كم؟ (سأله ذلك الصبي باستعجال وفضولي واضح )مسح أبو ضياء وجوهنا بنظرة صارمة وكأنّه يحذرّنا من تكذيبه وقال وهو يزفر:" لست متأكدا ولكن حوالي ثلاثة آلاف ."لم نستوعب الرّقم في البداية ! ثلاثة آلاف! لكن العم واصل قائلا: "يا شباب هذا ليس كثيرا أبدا ! ربّما ذلك يكون كثيرا بالنّسبة لقنّاص لكن ليس لمدفع رشّاش مثل هذا !. فأنا تقريبا خضت مئات المعارك الصّغيرة والكبيرة مع بقيّة أفراد سريّة المغاوير التي كنت انتمي إليها خلال كل هذه السنين ." وإثر ذلك برز صوت من مكان ما يطالب بأن يحدّثنا عن الحرب في ذلك الزمان ! كانت العيون كلّها تنبض بالرّجاء النّابع من الفضول . أطرق العم قليلا قبل أن يعلن موافقته وكأنه رجل يوافق على أن ينكأ جرحه ويفتحه من جديد .عدل جلسته وانزل "استكان" الشاي الذي كان في يده بعد أن أنهاه كله برشفتين فقط و تحولت نظراته لنا إلى نظرات أكثر شدّة وعزما وجسده أكثر تصلّبا واستقامة وهو ينطق كلمته الأولى قائلا:الحرب ..الحرب احذروا أن تحبّوها يوما فهي أساس لكل مأساة في هذا العالم , ويجب أن تضعوا في حساباتكم , احترام عدوّكم مهما كان, وتذكّروا بانّ كل إنسان يموت في الحرب أو في غيرها فإن هناك الكثير من الناس الذين يحزنون من اجله , أمه, أبوه زوجته , أطفاله, أحباؤه.... لكن في النهاية علينا أن نقوم بما يتوجّب علينا القيام به كرجال وكجنود...مازلت أذكر استعداداتي في كل هجوم نتصدى له, كنت أهيئ نفسي وعدّتي بعد أن يبدأ القصف التمهيدي بالمدفعية الثقيلة . أملأ أشرطة الرصاص الفارغة الطويلة التي تمتد على الأرض كَسُرفة دبابة ,أملؤها بصمت ويساعدني جنود آخرون , فأحظر منشفة قديمه و جردلا من الماء .( لم نستطع الربط بين جردل الماء والمنشفة والمدفع الرشاش ولم نشئ مقاطعته و انتظرنا أن نفهم ذلك من سياق القصة) ,و بعد أن استعدّ وأضع بجواري رشاشي المستريح على ركائزه التي تلتصق بفوهته على شكل مثلّث ورائحة الزّيت تفوح منه، بعد أن أكون قد جعلت أجزاءه تتشبّع به وكأنّي أطعم حصاني قبل المعركة, بعدها أدخل في حالة عميقة من الحزن , لأنّي اعرف ما سيحصل: ....موت كثير ...بل كثير جدا..أشلاء .. بشر...أنظرفي وجوه الجنود الفتيّة فقد كنت أكبر سنا من معظمهم , وأتخيّلهم أو أتخيّل نفسي قتيلا وأفكّر بالزّوجة والأطفال , وأخاف قليلا ولكن كلّ ذلك يتبدّد في المعركة , فأعيد نصب مدفعي في مكانه على السّاتر بين أكياس الرّمل البُنيّة وأبقى مستعدّا ....أصعب اللّحظات يا أولادي هي اللّحظة الأولى و بعد كل هذه المعارك مازالت اللحظة الأولى هي الأصعب , اجتياز العتبة هو الأصعب حين أراهم قادمين نحونا بأعداد كبيرة وبشكل جنونيّ مثل الجراد وهذا يجعلني أحتار في إيجاد الإجابة عن سؤالي :أهم شجعان أم مجانين؟ كانوا يركضون باتّجاهنا بملابس مدنيّة أو يركبون دراجات نارية أو أشياء أخرى تثير الاستغراب ,كنت أرى أطفالا وشيوخا غير مدرّبين أصلا ! كنت أتمنّى أن أعرف بِمَ يخبرونهم كي يركضوا باتجاهنا بكل هذا الجنون! . أضع إصبعي على الزِّناد وألّفّ ماسورة الرّشاش بالمنشفة الّتي أحرص على أن تكون مبلّله دوما كي أضمن بأن تبقى فتحة الرّشاش باردة ولا توسّعها حرارة لهب الإطلاقات الّتي لن تسكت قبل ساعات طويلة(العم أبو ضياء كان ينظر ولا ينظر إلينا و يدخل في حالة روحيّة أو يعود به الزّمن وكأنه على الساتر وعيناه تُفتحان على اتّساعهما!),ثمّ يواصل حديثه: أتأكّد من الماسورة الاحتياطية...إنّهم يقتربون ..أتركهم يقتربون أكثر...لقد صاروا الآن ضمن المدى....أغمِضُ عينيّ بعد أن أختار الهدف وأضغط على الزناد بقوة كي يخرج الرّصاصُ ملعلِعاً و منطلِقا بخطوط مستقيمة باحثاً عن اللّحم الطريّ ... ويبقون يركضون..يركضون ..والعالم كلّه يتوقّف من حولي (ترقرقت دمعة في عينيه قبل أن يتركنا صامتين ويعود إلى منزله وهو يقول: ...لا تحبّوا الحرب..
لاشيء أحلى من السلام ...
لا تحبّوا القتل ...فكلّه ألم ....
أنا الآن لا أرى شيئاً... ....
لا أرى شيئا سواهم وهم يتساقطون مثل الأشجار حين تـُقطع.... حين تخترقهم الرّصاصات يبطؤون المشي لِوَهلة ويسقطون بعدها... أناديهم :تعالوا اركضوا أريد أن أخلّصكم من هذه الحياة!..دموعي تنزل دوما بعد الشّريط الأوّل ...أمسحها بظهر كفّي وأستمرّ بالضّغط على الزّناد وأنا أرى الماء وهو يتبخّر من المنشفة الّتي تحيط بالماسورة, أراهم يتساقطون....لكن يجب أن أستمر لأنّ هذا هو واجبي...يجب أن أقتلهم قبل أن يصلوا....
أستمرّ بحصادهم...أنا الآن أرى أمّهاتهم يثكلن...
أرى أبائهم يبكون ،
أرى أطفالهم أيتاما ..
أرى زوجاتِهم أرامل...
الآن أراهم يركضون نحوي كحقلِ سنابل...
الآن أرى مدفعي صار كفاً و مناجلَ..
أنا لا اعرف إن كنت أحصدهم أم أقاتل ؟!...
الآن أرى أرواحهم تصعد.. يحلّقون أبعد...
أراهم يتكوّمون على الأرض بيادر ....دمهم يسافر...
أنا الآن أحرّرهم..الآن منجلي يسكت ..
ورد دمائهم على أرضنا ينبت...
الآن أبكي بكائي الأخير ...تسكت المناجل...
ننتصر في انتظار موسم حصاد آخر.

ملاحظة: أبو ضياء شخصيّة حقيقيّة ظلّ عسكريا لخمس وعشرين عاما وهو حتى الآن يستيقظ عند الفجر كلّ يوم ويحلق لحيته وكأنه لم يزل جنديّا بعد..

(40) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.