كان يوما آخر من أيام حظر التجوال الكثيرة في تلك الأيام العصيبة إذْ لم يمرّ شهر بغير يوم أو يومين منها , و يضيف التيار الكهربائي نوعا آخر من السأم وكأنّه له خلاف شبه دائم مع أسلاكه النّحاسية التي تمتدّ محدّدة مناطقنا المسكونة بالترقّب والحذر والشك , كان مساءً شتائياً بامتياز, يحمل الكثير من البرد والزّمهرير والقصص المخيفة التي تتحدث عن رجال أسطوريين يخطفون الناس أو يقتلونهم على قارعة الطريق ,و لم يكن أمامنا الكثير كي نفعله غير الجلوس على شكل حلقة كبيرة كلّ ليلة أمام منزل العمّ أبي ضياء الرجل الخمسيني بجسده الرشيق وحركاته الهادئة وكلامه القليل ووجهه الأسمر الصافي الحليق دوما وعيناه اللتان تقولان الكثير وتحملان من الحزن والعمق والتجربة ما يعادل حزن وتجربة عشرة رجال, وشعره الذي تحوّل إلى لون أبيض بصورة كاملة و بشكل غريب !, لم نكن قد جلسنا معه من قبل فقد كان اكبر منا سناّ وهيبته وصمته الدائمان يجعلاننا نكتفي بان نسلّم عليه بسرعة واختصار , أما ابنه ماجد – صديقنا- فقد اخذ الكثير من صفات والده الهادئة التي توحي –رغم صغر سنه- بأنه شاب حكيم . وفي إحدى تلك الليالي ونحن نلتفّ حَول النار التي تشعّ علينا بالدفء والمتعة و نراقب البخار المتصاعد من إبريق الشاي الكبير المتربّع على الجمر والذي أحسّ أنّ شايه سيكون أكثر لذة من سواه لسبب أجهله حتى هذه اللحظة!فـــُتـِح باب الدار كي يخرج أبو ضياء بخطواته الهادئة وهو يحمل على وجهه ابتسامة جعلها الضوء المنبعث من النار والساّقط على وجهه أكثر سحراً, وسّعنا له مكانا بيننا,( كان من الواضح أنه رجل رقيق رغم كل آثار السّنين وقسوتها المرتسمة على وجهه , فأنا اذكر حتى هذه اللحظة كيف انّه بكى بمجرد أن رأى ماجدا وقد كُسرت ساقه في إحدى مباريات كرة القدم).و بعد التحية والترحيب ظل أبو ضياء صامتا ونحن كذلك ارتبكنا قليلا . فبعد صمت قصير وحين كنا نحاول كسر الجمود بعبارة (الله أبو الخير) و بعد أن ناولناه "إستكان" الشاي سمعنا صوت رشقة رصاص متقطعة أولا وبعدها استمرت طويلا . تحفّز أبو ضياء وفقد كل ذلك الهدوء وأدار عينيه إلى زاوية بعيدة عن الجميع وأغمضهما وهو يشير لنا بالسكوت وأذناه مشرئبّتان مثل أُذني ذئب ! كلّ حركاته كانت تحاكي تصرّفات ذئب مسنّ سمع حركة مريبة. توقّفت تلك الزّخّة من الرّصاص وعاد الصّمتُ يخيّم على السّماء الباردة وعادت طقطقة الخشب المشتعل وأنفاس الجالسين التي تنفث البخار الكثيف ذاك ما يسُمع فقط .فالتفت نحونا وقال وكأنه يخاطب نفسه : إنّه صوت لمدفع رشّاش "روسي" ثمين لم يعد يصنع منه اليوم حتى الروس أنفسهم, فصوته رخيم وعميق وأظن بأن الطلقات" تشيكية" الصنع فهي تمتلك تلك الرنّة المميّزة عند النهاية وكذلك أن من أطلق رشقة الرصاص قبل هو رجل لا يمتلك ما يكفي من الخبرة. استغربنا من تمييزه لكل هذه التفاصيل !, فتشجعت وسألته:" كيف عرفت كل هذه التفاصيل يا عم؟" ابتسم بثقة وحكمه وقال :" لانّ ذلك كان سلاحي لثماني سنينَ وقد قاتلت به طويلا و رافقني وظل بجواري حتى أكثر من ابني ,ثمّ سأله شاب آخر :" هل قتلت به أحداً؟". تردّد في الجواب وحمحم قبل أن يجيب:
- نعم
- كم؟ (سأله ذلك الصبي باستعجال وفضولي واضح )مسح أبو ضياء وجوهنا بنظرة صارمة وكأنّه يحذرّنا من تكذيبه وقال وهو يزفر:" لست متأكدا ولكن حوالي ثلاثة آلاف ."لم نستوعب الرّقم في البداية ! ثلاثة آلاف! لكن العم واصل قائلا: "يا شباب هذا ليس كثيرا أبدا ! ربّما ذلك يكون كثيرا بالنّسبة لقنّاص لكن ليس لمدفع رشّاش مثل هذا !. فأنا تقريبا خضت مئات المعارك الصّغيرة والكبيرة مع بقيّة أفراد سريّة المغاوير التي كنت انتمي إليها خلال كل هذه السنين ." وإثر ذلك برز صوت من مكان ما يطالب بأن يحدّثنا عن الحرب في ذلك الزمان ! كانت العيون كلّها تنبض بالرّجاء النّابع من الفضول . أطرق العم قليلا قبل أن يعلن موافقته وكأنه رجل يوافق على أن ينكأ جرحه ويفتحه من جديد .عدل جلسته وانزل "استكان" الشاي الذي كان في يده بعد أن أنهاه كله برشفتين فقط و تحولت نظراته لنا إلى نظرات أكثر شدّة وعزما وجسده أكثر تصلّبا واستقامة وهو ينطق كلمته الأولى قائلا:الحرب ..الحرب احذروا أن تحبّوها يوما فهي أساس لكل مأساة في هذا العالم , ويجب أن تضعوا في حساباتكم , احترام عدوّكم مهما كان, وتذكّروا بانّ كل إنسان يموت في الحرب أو في غيرها فإن هناك الكثير من الناس الذين يحزنون من اجله , أمه, أبوه زوجته , أطفاله, أحباؤه.... لكن في النهاية علينا أن نقوم بما يتوجّب علينا القيام به كرجال وكجنود...مازلت أذكر استعداداتي في كل هجوم نتصدى له, كنت أهيئ نفسي وعدّتي بعد أن يبدأ القصف التمهيدي بالمدفعية الثقيلة . أملأ أشرطة الرصاص الفارغة الطويلة التي تمتد على الأرض كَسُرفة دبابة ,أملؤها بصمت ويساعدني جنود آخرون , فأحظر منشفة قديمه و جردلا من الماء .( لم نستطع الربط بين جردل الماء والمنشفة والمدفع الرشاش ولم نشئ مقاطعته و انتظرنا أن نفهم ذلك من سياق القصة) ,و بعد أن استعدّ وأضع بجواري رشاشي المستريح على ركائزه التي تلتصق بفوهته على شكل مثلّث ورائحة الزّيت تفوح منه، بعد أن أكون قد جعلت أجزاءه تتشبّع به وكأنّي أطعم حصاني قبل المعركة, بعدها أدخل في حالة عميقة من الحزن , لأنّي اعرف ما سيحصل: ....موت كثير ...بل كثير جدا..أشلاء .. بشر...أنظرفي وجوه الجنود الفتيّة فقد كنت أكبر سنا من معظمهم , وأتخيّلهم أو أتخيّل نفسي قتيلا وأفكّر بالزّوجة والأطفال , وأخاف قليلا ولكن كلّ ذلك يتبدّد في المعركة , فأعيد نصب مدفعي في مكانه على السّاتر بين أكياس الرّمل البُنيّة وأبقى مستعدّا ....أصعب اللّحظات يا أولادي هي اللّحظة الأولى و بعد كل هذه المعارك مازالت اللحظة الأولى هي الأصعب , اجتياز العتبة هو الأصعب حين أراهم قادمين نحونا بأعداد كبيرة وبشكل جنونيّ مثل الجراد وهذا يجعلني أحتار في إيجاد الإجابة عن سؤالي :أهم شجعان أم مجانين؟ كانوا يركضون باتّجاهنا بملابس مدنيّة أو يركبون دراجات نارية أو أشياء أخرى تثير الاستغراب ,كنت أرى أطفالا وشيوخا غير مدرّبين أصلا ! كنت أتمنّى أن أعرف بِمَ يخبرونهم كي يركضوا باتجاهنا بكل هذا الجنون! . أضع إصبعي على الزِّناد وألّفّ ماسورة الرّشاش بالمنشفة الّتي أحرص على أن تكون مبلّله دوما كي أضمن بأن تبقى فتحة الرّشاش باردة ولا توسّعها حرارة لهب الإطلاقات الّتي لن تسكت قبل ساعات طويلة(العم أبو ضياء كان ينظر ولا ينظر إلينا و يدخل في حالة روحيّة أو يعود به الزّمن وكأنه على الساتر وعيناه تُفتحان على اتّساعهما!),ثمّ يواصل حديثه: أتأكّد من الماسورة الاحتياطية...إنّهم يقتربون ..أتركهم يقتربون أكثر...لقد صاروا الآن ضمن المدى....أغمِضُ عينيّ بعد أن أختار الهدف وأضغط على الزناد بقوة كي يخرج الرّصاصُ ملعلِعاً و منطلِقا بخطوط مستقيمة باحثاً عن اللّحم الطريّ ... ويبقون يركضون..يركضون ..والعالم كلّه يتوقّف من حولي (ترقرقت دمعة في عينيه قبل أن يتركنا صامتين ويعود إلى منزله وهو يقول: ...لا تحبّوا الحرب..
لاشيء أحلى من السلام ...
لا تحبّوا القتل ...فكلّه ألم ....
أنا الآن لا أرى شيئاً... ....
لا أرى شيئا سواهم وهم يتساقطون مثل الأشجار حين تـُقطع.... حين تخترقهم الرّصاصات يبطؤون المشي لِوَهلة ويسقطون بعدها... أناديهم :تعالوا اركضوا أريد أن أخلّصكم من هذه الحياة!..دموعي تنزل دوما بعد الشّريط الأوّل ...أمسحها بظهر كفّي وأستمرّ بالضّغط على الزّناد وأنا أرى الماء وهو يتبخّر من المنشفة الّتي تحيط بالماسورة, أراهم يتساقطون....لكن يجب أن أستمر لأنّ هذا هو واجبي...يجب أن أقتلهم قبل أن يصلوا....
أستمرّ بحصادهم...أنا الآن أرى أمّهاتهم يثكلن...
أرى أبائهم يبكون ،
أرى أطفالهم أيتاما ..
أرى زوجاتِهم أرامل...
الآن أراهم يركضون نحوي كحقلِ سنابل...
الآن أرى مدفعي صار كفاً و مناجلَ..
أنا لا اعرف إن كنت أحصدهم أم أقاتل ؟!...
الآن أرى أرواحهم تصعد.. يحلّقون أبعد...
أراهم يتكوّمون على الأرض بيادر ....دمهم يسافر...
أنا الآن أحرّرهم..الآن منجلي يسكت ..
ورد دمائهم على أرضنا ينبت...
الآن أبكي بكائي الأخير ...تسكت المناجل...
ننتصر في انتظار موسم حصاد آخر.
ملاحظة: أبو ضياء شخصيّة حقيقيّة ظلّ عسكريا لخمس وعشرين عاما وهو حتى الآن يستيقظ عند الفجر كلّ يوم ويحلق لحيته وكأنه لم يزل جنديّا بعد..
أضف تعليقا
من الولايات المتحدة

نبيل....كل تعليقاتي على قصصك متشابهه لأن كل قصصك جميله جدا فلم يعد عندي كلام أقوله أكتر من انها جميله جدا...تسلم ايدك اللي كتبت و وجدانك ذو الأحساس المرهف و كلماتك النابعه من القلب .
من الولايات المتحدة

الى الصديقة المخلصة
شكرالك يا صديقتي على كلامك الرائع والذي اشعر باني لا استحقه ! واشكرك كذلك على وصفك لي بالشافية وارجو ان اكون كذلك.
كل احترامي لك واهلا وسهلا بك.
سيدتي سمر
لا داعي لان تقولي شيء ..حضورك يكفي ..كل الترحيب سيكون لك . وشكر له بداية وليس له نهاية لكلماتك هذه.
أولائك الذين يرون أنهم لايستحقون المديح
.......
هم الذين يستحقونه
تحياتي
من مصر

الفاضل نبيل
قرأت لك كثيرا ولا يزال بي شغف للقراءه
فمادتك لا تنضب
وانت لست طائفيا في الكتابه
حتى لاتفرق بين الماضي والحاضر
تترك للقاريء تقييم الموقف بعد وصفك ولا تجبره على اتخاذ مسار معين
امدكم الله بالسلم والسلام والامان والايمان
دمتم بكل خير
قصه جميله ونبيله نعم انك اسم على مسمى .ممكن اتشرف بصداقتك اخي الكريم
من الولايات المتحدة

الصديقة المخلصة
شكر لعباراتك الرائعه ولا اعرف ان كنت استحق المديح ام لا ؟
كل احترامي لك .
من الولايات المتحدة

elnomany
اخلي العزيز من مصر
لقد وضعت اصبعك على الجرح . نعم انا اتكلم بحيادية مطلقة وهي حيادية نابعة من القلب , لاني مؤمن بصورة مطلقة بان الحيادية والابتعاد عن التحزب هي ما يتوجب على ان افعله وكذلك لا اريد ان اوحي او اضع راي معين ,بل اترك هذا الامر للقارئ . شكرا لمرورك الكريم يا اخي وتحياتي الى ارض الكنانة الغالية.
من الولايات المتحدة

heshamtaani
اخي العزيز شكرا لك على وصفك لي وانا ارحب بك كاخ وصديق.
من مصر

نبيل
ربما هى المرة الأولى التى أقرأ فيها عن مشاعر قناص حرب لا يحب الحرب بكل هذا العمق الآسر الموجع فى آن..أخذتنا معك لأعماق التجربة بكل ما فيها من تناقض ما بين الضمير والواجب..الاصرار والتردد.. الحق والباطل .. الكره والحب.. العنف والإنسانية.. القلب والآلة .. ودائماً أسلوبك الألق المتفرد فى السرد .. يحررنا من حصار الزمان والمكان ..فكأننا كنا هناك ..
بل كنا هناك!!
ذكرتني بسيكلوجيا الامر والطاعة كيف ممكن لانسان ان يقبل فعل شئ مهما بلغ من خطورته عندما لايمثل بالنسبة له سوى انه امر!!!
انك تجعلني اراجع دروسي بعد التخرج؛)
دمت وقلمك بخير
Maha
الاخت مها من مصر
في الحقيقة الكثير منهم يحمل مشاعر متنافرة من القسوة و الرقة , واناالان حاولت ان اعرض الكيفيفة التي يفكر بها اولئك الناس , وقد اسعدني اني نلت اعاجبك لان هذا يعني باني قد نجحت الى مقدار ما في ما اردت ان اوصله للقارئ
من تونس

السلام عليكم
تعليق على الصورة:ما ابدع هذة السنابل!!!!!!!!!!!
فحرام ان تحصد .
ليتها لا تكون حصيدا
peace angel
ان الانسان بحاجة دوما الى مبرر لكل افعاله و الامر هنا هو احسن مبرر للجندي ان كانت القناعة غير قويه بما فيه الكفاية , لان القناعة تختلف من جندي الى اخر ومن شخص الى اخر . شكرا لك على مرورك تشرفت به.
من البحرين

شكراً لك اخ نبيل على هالقصة الرائعة , لقد كرهت ابو ضياء في بعضها و احببته في بعضها الاخر , مما يدلل على ملامسة هالقصة للقلب .
كما انني و انا في حال القرءة كتبت ردود و غيرتها و كتبت اخرى و غيرتها في بالي و لم اكن قد انتهيت من قرائتها ... كم احببت هذا ... فلم اجد بعد الانتهاء منها الا تقديم الشكر لك .
من المملكة العربية السعودية

الكرسي الذي أخذ يتأرجح
طار بي بعيدا بعيدا..
حيث رائحة الوطيس
المعجون بوقدة التشهي لوقدة الحياة
على أكناف بيض!
لروحك موسيقى باردة ياعزيزي
intruder666 من البحرين
شكرا لمرورك الاول , اما بالنسبة لابي ضياء حيث كرهته مرة واحترمته مرة , هذا لان الحياة متناقضة والناس تنظر الى بعضها بطرق مختلفة فهناك من يراك طيبا و اخر يراك شريرا , الطيب بصورة مطلقة والشرير بصورة مطلقة هذه الصفات نجدها في الروايات والقصص فقط ,
اما انا فقد قمت بنقل مرارايته ولك الباقي....كل احترامي لك .
الاخت بلقيس الملحم من السعودية
انت تبهريني مرة اخرى باسلوبك المقتضب الذي يحمل في داخلة كلمات وحروف تكفي لالف صفحة ....تحياتك وصلت ...ومازال الوطيس حاميا سيدتي ..وساكتب عنه.
من المملكة العربية السعودية

مرحبا نبيل ..
أدخل هنا بطريق الصدفة المحضه
وأقرأ بفضول متوثب ..
ثم يأخذني حرفك لعوالم أخرى
مسكونه بالدهشه ..
متلفعه بالذهول ..
ولا أعلم أيهم أكثر سيطرة على
جوارحي في هذه اللحظه ..
أهي قصتك المنسوجه بروعةالواقع ..
أم أسلوبك الغارق في العفويه
مع تمكنه من أدوات السرد ..
أظن أني سأكون هنا لمرات أخر ..
أشكر لك مكسبي في الوقت الجميل
الذي قضيته على مقالك ..
أبق بخير ..
"وهج"
من تونس

صباح السلام
للجميع
اخي النبيل سابدا قراءة أقصوصتك "حصاد السنابل" من التركيب الإضافي في العنوان الذي جمع بين كلمتين مؤسستين للاقصوصة في رمزيةتامة .
فربما ترمز السنابل كما في الصورة الذهبية التي رافقت الاقصوصة إلى حالة الازدهار والسلام والاسترخاء ،واما حالة الحصاد في هذه الاقصوصة فهي تشير رمزا إلى حالة الحرب التي تحصد فيها الرؤوس بلا رحمة في سوح الوغى من الطرفين المتقابلين ،وهذا ما صوّره بل نقله
"ابو ضياء" لسامعيه. فمرّة تجده يُطنب
في الحديث عن سلاحه وتمرّسه به وطريقة التعامل معه وقتاله وما يدور في راسه من افكار ،ومرة اخرى تجده منهمكا انهماكا في وصف حركة الاعداء
في إقداهم او إحجامهم أو توثّبهم وسكونهم حدّ الموت.
ويرد ذلك في الاقصوصة في مرواحة
لتحريك عملية الوصف في حالة تشبه حالة الصراع الموجودة بين غريزة الحياة والدفاع عنها بالموت وبين الموت المجانيّ العَبثيّ في الحرب ، كما هي تقنيّا ثنائية المراوحة بين السّرد والوصف والاهتمام بالشخصية الرئيسية "ابوضياء العسكري الخمسيني "في مظهره الخارجي واقواله وافعاله وصولا الى مشاعره واحاسيسه وصراعاته النفسية وارتباكه وهو يتحدث عن كثرة الموتى وبشاعة الحرب وكأنه زهير ابن ابي سلمى في معلقته الحكمية المحذرة من رعب الحرب حين يقول :
"وما الحرب الاّ ما علمتم وذقتم "
فياله من مذاق مرّعلقم هو مذاق الحرب للظالم والمظلوم على حدّ سواء،
فهي إن طحنت لا تفكّر من تختار
بل تراها النارالهوجاء تخبط خبط عشواء وتأتي على الاخضر واليابس والجديد والتّليد والبشر والحجر
إنها الحرب الدمار الموت ....
وهذه الزلازل والبراكين والأعاصير والهبّات الغاضبة للشّر والموت هو ما يحذّر منه "ابو ضياء" في تكراره لكلمة "الحرب الحرب " التي يليها اسلوب إنشائي طلبي وهو الأمر، وقد افاد في معناه البلاغي معانٍ شتى :أهمّها :التنبيه والتحذير والنصح والارشاد و التوبيخ والتقريع بلتحتوي هذه الجملة الطلبية على وصية للشباب المتحلقين حول رجل مجرّب في قوله :
"الحرب الحرب احذروا أن تحبّوها " .
لقد حذّر ابو ضياء من ويلات هذه المخرّبة للحياة و فضح هواجسه ومرارات خوفه وارتجافاته ومشاعره الانسانية
من تونس

حذّر ابو ضياء من ويلات هذه المخرّبة للحياة و فضح هواجسه ومرارات خوفه وارتجافاته ومشاعره الانسانية الرقيقة التي عبرّ عنها مِرارا من خلال فعل "ارى" في معنيَيه :المادي والمعنوي .
فهو يرى نتيجة الحرب وهولها قتلى منتشرين من الطرفين ويرى ببصيرته الثكالى واليتامى والارامل ...
كما أنّ "أبا ضياء" لا يستعمل فعل "أرى "وحده بل يؤكّده زمنيّا بأداة "الآن" حتى يفعّل الزمن الحاضر الدائم في هذه الاحداث بل السّاكن
بلا رحمة في الذّاكرة وبالذّات ذاكرته المتعبة بالكوابيس.
ففعل "أرى" في صيغته المضارعة نبع
من عمق اعماق ابي ضياءومن رعبه وتأمذلاته في الحرب .
ولعل الكاتب النبيل اكّد على هذا
حتى يكتمل استقراء نفسيّة هذا المحارب المنهوك بالموت والموتى فيعتبرَ المستمعون والقراء ويكرهوا الحرب كره العاشق للحياة والكاره للموت..
إذن، في استعمال الامر، وفي تكرار الاسلوب الخبري في الجمل المبدوءة ب"ارى" وفي قول الكاتب "ترقرقت في عينيه دمعة " و.."يبكي"،او في قول البطل
"اخاف قليلا"و "الآن ابكي بكائي الأخير " ..في هذه العبارات تبيين انّ الإنسان ليس من طبعه التصلّب والكراهيّة والقتل لكنّ الاحداث المفروضة عليه
هي التي تغيّره ،ولكنّه في عمق أعماقه الدّفينة ضوء التأمّل وضوء الضّمير والبصيرة ممّا يبقي فيه ذرّة من إنسانية تلازمه طوال حياته وتظهر حين يُستفزّ
او يريد هو ان يظهرها للآخرين
حتى لا يُنظر إليه مجرَّدا من أحاسيس رقيقة ...وإنسانيّة خيّرة .
ففي نهاية الامر يبكي من هو اقوى النّاس وأصلبهم وأنبلهم وأجملهم واوفاهم وأخلصهم للسلاموالحق والخير والعدل والجمال والصدق ... والمحبّة البشريّة، لانّ "الدّمع هو الإنسان ".
بورك قلمك أيّها النّبيل الرّاقي العراقي لانك تكتب ايام الوطن واوجاعه ولكن بشفافية انسانية عالية
كما تتحّكم اكثر فاكثر بتقنياتك السردية فتقوى أقاصيصك وتترسّخمع الأيام والآلام والاماني والأحلام في ذهن المتلقي.
فكل اقصوصة تقول عندك لأختها :
ألست انا الافضل؟
وهذا من شيم الأديب الباحث دوما
عن الاجود.
سلمتَ وسلمتْ الاقلام العراقية المخلصة على ا
من تونس

صباح السلام
سلمتَ وسلمتْ الاقلام العراقية المخلصة على الدوام فرغم اختلال واعتلال النظام الكوني المشعل للفتن والحروب أقول :
طوبى لكل عالم و مفكّر وفيلسوف ومبدع وفنّان في العرق ...
لن يهزم العراق
لن يهزم العراق
لن يهزم العراق
تحياتي يا عراق
من المملكة العربية السعودية

كثيراآمر من هنا آرى عظمة العراق وأهلها
آبطال ياعراق .. لكم رب يحميكم
لكم رب يحميكم
حتما سdكون كل هذه الاحداث
مجرد ذكريات سيئة ترويها
عن قريب أن شاءالله
ستنتهى كل هذة الاحداث
وسيعود مجد العراق والعراقيين ..
آحيك وأهنيك على هذة الابداع
بلغ سلامي لـ ابو ضياء :d
انستي وهج من العربية السعودية:
اجمل الاشياء ماياتي مصادفة...انا اكتب كما ارى الاشياء بدون ان احاول ان العب العابا بهلوانية واستخدم الالفاظ القاموسية لاني بكل بساطة اريد ان اروي تلك الحكايا لكم مثلما ارويها لصديقي ونحن نجلس في المقهى....بلا تكلف ...بدون ان احوال نيل الاعجاب بكلمات مزخرفة...مرحبا بمرورك ...
سيدتي نفيسة من تونس
اعدت قراءة نقدك الجميل الرائع الاحترافي ورايك الممميز وانا اتمنى ان تكوني اكثر قسوة معي ...قصصي لا طعم لها بدون تعليقاتك التي تخــترق الموضوع ووتحلله مثل الاشعة التي ترينا ما بداخل الجسد...احييك مرة اخرى على كل حرف كتبتيه يا سيدتي الرائعة. ساكون في انتظار قدومك دوماز
منـوُ من المملكة العربية السعودية.
انستي ..هذه العظمة ستكون لكم ..ومنكم ومن اجلكم...واشكرك على كلامك الجميل...كل احترامي لك ...سانتظر مروروك دوما.
من لبنان

تأخذني قصتك هذه الى صورة البداية..لاني عشتها فعلا على ارض المعركة واكاد أشم رائحة البارود العالقة في بزتي العسكرية منذ ذاك الوقت..حين تصبح الافاق حقلا من سكون يسيل الحنين وتخشع العيون لتبدء حلمها السري.. بحكايات لاتنسى..
جميل انت في كتاباتك ياصديقي..
من الولايات المتحدة

اخي صباح
جميل ان تفاصيل قصتي لامست قلبك , انت المحارب الذي افنى الكثير من سنين حياته على جبهات القتال...آمل ان تختفي رائحة البارود من ملابسنا قريبا..احترامي وتقدير لك يا صديقي الشاعر الرائع.
من مصر

نبيل العراق
مر شهر منذ خط قلمك جديداً..
لا تعذبنا بالانتظار سيدى ..
من الأردن

قصة رائعة نبيل ، أحب كثيرا سماع قصص الكبار في السن و تجاربهم في الحياة و شخص كبطل قصتك ، عاش تجربة لم يعشها كثيرون ، قتل 3000 انسان ، دائما كنت اظن ان الانسان لا يفكر بمن يقتلهم في الحرب ، لأنها حرب و لها قانون واحد يتلخص في الموت ، الموت شيء طبيعي في الحرب ، لا نفكر به كثيرا ، أعترف لهذا الرجل بالشجاعة ،لأنه استطاع أن يعبر عن ألمه بكل تلك الصراحة ، و أن يبين أنه لم يكن فخورا بما فعل ، قرات مرة أنك حينما تسلب حياة إنسان ، إنما تسلب معها قطعة من روحك ...
تحياتي لك ، أتابعك دائما
من لبنان

سيدتي مها من مصر
سيدتي الرائعة...قريبا ان شاء الله ستقراين جديدي ...اعدك بذلك.
شرفني مرورك .
من لبنان

سيدتي مها من مصر
سيدتي الرائعة...قريبا ان شاء الله ستقراين جديدي ...اعدك بذلك.
شرفني مرورك .
من لبنان

شاهيندا من الاردن
المقاتل ياسيدتي يبقى اولا واخيرا :انسان
لكنه في لحظات المعارك ينسى جزء كبير من انسانيته لكنه لا يفقدها كلها ...وهذا ما اثبته العم ابي ضياء ...شكرا لمرورك . تحياتي لك
من المملكة العربية السعودية

مساء الخير اخ نبيل
قصة رائعة جداُ
اسف جندي لا يزال يعيش في الم الماضي و ذكريات حية لا تزال باقية بين عينيه..
سردك جميل و مشوق دمت بود اخي الكريم
و بأنتظار جديدك ..
هند
الاخت هند من المملكة
الذكريات هي جزء من المستقبل واساس للحاظر لهذا فأنه لابد للانسان ان يتعايش معها بكل اشكالها ...ان هذا الجندي فلم يجد غير هذاالماضي ...
شكرا لمرورك وانشاء الله سيكون جديدي عند حسن ظنك .
من المغرب

مرحبا نبيل.
امل ان تكون قد تذكرتني..تاخرت هذه المرة في قراءة القصة..قرات العديد من منها لكن لم اكتب يوما تعليقا....باختصار اسلوبك رائع جدا رغم بساطته و ما يجعله كذلك هو خيالك الواسع و تقمصك لشخصيات قصصك..
حصاد المناجل جميلة فعلا و المثير فيها انني اكتشفت ان نبيل له ثقافة بالاسلحة ايضا ههههه و الله انت تحفة تعرف كل شيء..ادهشتني فعلا.
يسعدني انك مازلت تكتب...استمر وفقك الله.
اختك عواطف
من لبنان

الاخت عواطف من المغرب
شكر لدهشتك ولعبارات الاعجاب ,في الحقيقة نعم انا احب الاسلحةو اعرف عنها الكثير ولاتنسي باني عراقي ! وهي مجرد هواية لا تقلقي ... كل تحياتي لك واحترامي وسانتظر مرورك دوما.
من المغرب

:)نبيل قصتك رائعة جدا واعجبني ابداعك وبراعتك في هذه القصة جعلت ذالك الجندي يتكلم بيحث جعلت من كلمته قوة وحركة وفعلا...من خلال ما مربه من صمت في الايام الجهمة. كلمة هذا الجندي جعلت من الصمت ان يكشف عن عذاب وسكون وموت فيطمئن الى ان الكلمة بكل نتائجها في قدرة. وانها نور والصمت عذاب وظلمة.. لكن يا نبيل اتبث لنا على ان الكلمة المستاءبية المستعصية لا تخرج من محبرة الصمت الى في ثوب اسود... الان الواقع الاسود لا يفجر سوى الكلمات التي لا تملك ميزة الحركة والفعل...
وهنا تكمن براعتك من خلال الالتقاء في الصور والا فكار والا نعفالات التي لا ينبغي ان يفسر فقط بضيق افق الجندي بل بقوة خيالك واسلوبك في توصيل الكلمة.
بل الاولى والاقرب الى الصواب ان يعزى ذالك كله الى وحدة التجربة.. نفسيتك مع نفسية الجندي تلك الوحدة التي سوغت لنا هذا المزيج الذي جمع بين لونين من الوان الغربة.غربة وهو جدني( يمثل الموت والدمار) وغربة وهوانسان يمثل( الحياة والسلام)
وعلى نحو ذالك استطعت ان تكشف عن اغترابه.
ولم تقتصر فقط ان تكشف لنا بكلماتك التي تصور الواقع البشع الذي خلفته الهزيمة. وحكمت على الناس بالمعانات والاكتواء بنارها.بل تجاوزت فوصلت لمستوى الروح.التي ترامت سنينوها دما ونار... امدهاجسور الا عندما فتحت ابواب هذا السور
لم تعودالانسانية ولا الحب يعني شيئا لان الايام التي حولت الواقع الى خراب قد اتت على هذه الروح بعاطفتها النبيلة فخربتها وسلبت القلب. وجعلته مغتربا كما حصل مع الجندي...
تستحق التشجيع يا نبيل عدرااطلت عليك بكلماتي
واسفة على تاخير التعليق لاني حاولت ارساله عده مرات ولكن فشلت في ذالك... اتمنى لك التوفيق وتقبل مرورى هذا وتحياتى لك
نادية من المغرب
ايها الصديقة شكرا على تحليلك الرائع والصائب للقصة واجوائها , كان تحليلا موفقا وبالغ الدقة , نعم يا نادية للاسف ان كل ما تقولينه صحيح لكن هذا هو قدرنا ويجب ان نرضى به ..كل احترمي لك واهلا وسهلا بك دوما .
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية



















أكتب لك متكئة على مقعد من شرف لأنني المعلقة الأولى
أجمل مافي قصصك أنها رائعة وهي رائعة لأنك أمير في قلمك وقلمك جميل لأنك صادق وصدقك نقي لأنك شفاف وشفافيتك كالغدير لأنك نبيل
دائما أعلق على قصصك
أهدي لك اليوم تعليقا لشخصك