حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

عائد لاجلك ولأجل الشمس

 
الان تقرع اجراس كل الكنائس  معلنة ان مماتي المؤقت  انتهى
( محمود درويش)


كانت الريح الباردة تهز أطراف  معطفه المطري الطويل وهو يتكئ  بكوعيه على الأنبوب المعدني الفاصل بين اليابسة والبحر مفكراً بذلك الحنين الذي هبط عليه فجأة منذ أسبوع  , لكن الحنين مثل النار قد يخبو لكنه لا ينطفئ !, استدار عائدا  إلى غرفته التي يسكنها بعد أن صارت الريح باردة لدرجة مزعجة.

  أخذ ينفث النفس الأخير من سيجارته فخرج زفيره الدافئ مختلطا بدخان اللفافة مخترقا الهواء البارد فاندفعت كتله من البخار راسمة خطا ابيض كثيفا. 

مر أمامه رجل أشقر طويل يحمل ابنه مبتسما, فظلّ يراقبه حتى اختفى في إحدى الشوارع الجانبية وهو يشعر برغبة الأبوة الغريزية تدغدغه.....استمر يمشي ببطء حتى دخل إلى غرفته الباردة المظلمة, أدار مفتاح الضوء بتلقائية وانسحب إلى المرآة ,  تطلع فيها  فرأى الشيب وقد طرز جوانب رأسه و تجاعيد واضحة على وجهه  تنذره بقرب وداع الشباب . ألقى بجسده المرهق على سريره من دون أن يغير ملابسه,   نظر إلى سقف الغرفة واستغرق في ذكرياته,  تذكر يومه الأخير قبل سفره, دموع أمه , قبلاتها  ..نظرة بنت الجيران التي كانت تحبه بصمت  وهي تشيعه  بعيون مغرورقة وهو يضع حقائبه في السيارة , نظرته الأخيرة للشوارع والناس . أشعل سيجارة وهو يسأل نفسه هل كنت أنانيا حين قررت أن استمتع بالحياة واهجر الوطن؟  هل كنت مجبرا على السفر؟ هل الحياة الممتعة  هنا, أفضل من البقاء في المنزل متدفئا بحنان أمي وإخوتي  وأهلي ؟ . 

 أجاب عن أسالته بنفسه:  لم يكن هناك شيء يستحقّ البقاء  , كانت بغداد تأكل أبناءها  , لم أبقى؟

 لا شيء هناك لشاب طموح مثلي!  كل الأشياء كانت كالحة فحتى طرقات الباب كنا نخافها   .

 سعل بعنف وأطفأ سيجارته على عجل  وهو يدخل  في نوبة من  السعال ,  آه صحتي لم تعد على ما يرام  مع هذا البرد اللعين (قالها وهو يلوم  نفسه على شراهته في  التدخين), عاد مفكرا مع نفسه والحنين يعتصره من أسفل قدميه مارا بصدره دافعا حسرة مكتومة بين شفتيه . كانت السماء تمطر بغزارة  والبرد قارص في الخارج ,  خرج من فراشه ونظر من خلال شباك غرفته و تأمل المطر والناس الذين يختبؤون تحت مظلاتهم ويمشون على عجل  والشوارع تعكس الأضواء الكبيرة لإعلانات الشركات العملاقة .

غير ملابسه ودفن نفسه تحت غطائه الوثير ونام نوما قللا  وحلم كثيرا  , حلم بالشمس في بغداد  تدفئ عظامه  وأمه تنتظره أن يعود من المدرسة كي تضع له الغداء اللذيذ ورأى والده الحنون وهو يشرب الشاي عصرا و سمع أصوات الأطفال تنتشر في الهواء مثل العطور الشعبية في الأسواق  , ورأى وجوه أصدقاء لم يكلمهم منذ زمن بعيد وأخيرا حلم ببنت الجيران التي سمع بأنها لم توفق

في زواجها فعاد يفكر فيها ...استيقظ وهو يشعر بالحنين يخنقه مرة أخرى , أراد أن يرضي هذا الحنين الذي هاجمه بلا سابق إنذار و في ظنّه أنه انتصر عليه منذ زمن طويل .

التقط  سمّاعة الهاتف  كي يرضي هذه الرغبة أو يطفئها قليلا  , أراد أن يسمع صوت أمه العجوز , استرق السمع لرنات الهاتف على الجهة الأخرى ,  جاء الرد سريعا من صوت أخيه الأصغر الذي صار عنده  ثلاثة أولاد وبنت , سلم عليه بحرارته المعهودة  , سأله عن بغداد  وهل  صارت أحسن مثلما تقول الأخبار, تحدث بعدها إلى والدته التي كان صوتها بعد كل هذه الأعوام متغضنا كما وجهها ، ولكن ذلك الصوت مازال دافئا وعميقا, فشعر وكانّ ريحا دافئة تخرج

من  السماعة  وتتحول إلى يدين حنونتين  تمسدان شعره وتمسحان  ذراعيه ,

  آه   لقد عاد طفلا في المدرسة وأمّه تمشط شعره قبل أن يدخل درسه الأول و تضمه إلى صدرها , شعر أن صوت أمه صار وسادة  هوائية من حنان رفعته من  السرير وجعلت غرفته الباردة تشع بالدفء , تمر الأيام أمامه وهو يكبر.... وأمه تكبر بصمت في ألم على الأعزاء الذين أكلتهم الحرب الطويلة , تحسس عنقه حيث قبلتها المبللة بالدموع وهي تشمه وكأنها تقبله للمرة الأخيرة  , نزلت دموعه حارة وغزيرة  , هرب منها مودعا صوتها المرتجف على عجل وبكى كثيرا  , بكى وكأنه كان يختزن الدموع لهذا اليوم ... فكرة العودة دخلت إلى رأسه بسرعة مثل الرصاصة ...هل أعود؟ هل اترك كل الجمال و الطمأنينة  هنا؟ هل سأستوعب ذلك الفارق ؟ سأل نفسه عشرات الأسئلة  ولكنه لم يفكر طويلا ...

خلال أسبوع أنهى كل شيء هناك ,   وسلّم مفتاح غرفته لصاحبة المنزل  وهي تسأله هل صحيح انه سيرجع ؟ أجابها وهو يبتسم  : لقد عشت أياما سعيدة هنا وحان الوقت كي أعود إلى  هناك حيث الشمس  و....دفء أمي  .


(26) تعليقات

بغداد تغسل وجهها

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كانت كل البنيات والأشجار تكتسي بطبقة من الغبار نتيجة للموجات المتلاحقة من العواصف الترابية التي أحالت كل شيء إلى لون كالح , وحتى هبوب النسيم كان أمرا غير مرحبا به , فقد كان يحرك هذه الطبقات المزعجة من الغبار الدقيق , و من المزعج أكثر هو تلك المدة التي لم تسقط فيها أمطار حقيقة على بغداد, فقد كان كل ما يسقط من السماء هو محاولات خجولة للتشبه بالمطر .
لم يكن قد مر زمن طويل منذ استيقظت في صبيحة ذلك اليوم , حين خرجت إلى باحة المنزل كي أنظف المدفئة النفطية استعدادا للشتاء , وضعت كل أدواتي على صحيفة بجانبي وأنا أتأمل السماء المسودة والأشعة المحتجبة للشمس وهي تحاول جاهدة أن تصل إلى الأرض . كانت أصوات الرعد تشبه الموسيقى فقد كانت تنذرنا بهطول المطر ولعل زمجرته التي تزعج الكثيرين صارت نوعا من البشائر , بقيت مستمرا في تنظيف المدفئة و الكثير من التفاؤل والفرح يملئاني(ربما لأن جذوري الإنسانية التي ترتبط بالإنسان الأول حين كان يعتمد على المطر في الزراعة هي من حرك هذا الفرح الطفو لي !؟) كنت مستمرا في تنظيف المدفئة وأنا ارفع بصري كل دقيقة إلى تلك الغيوم القاتمة وكأني أريد أن اطمئن بأن تلك الغيوم لم تسحبها الريح بعيدا كي تعيد لنا الشمس وتبقي علينا الغبار, لكن في داخلي كنت اشعر بذلك الطفل الذي يريد أن يلعب تحت المطر- كما كنت افعل – كان فرحي غير مبررا وكنت ابحث عن سبب ما لفرحي بتلك الغيوم ! .بعض الأحيان يشعر الإنسان بالضيق ولكنه ينسى السبب الذي يزرع فيه هذه الشعور ويبقى يبحث وهو يقول :يا ترى لما أنا متضايق؟ ويبحث حتى يعرف السبب ! وهذا ينطبق على الفرح أيضا , وأنا كنت فرحا من غير أن اعرف السبب ! شغلت نفسي بتلك المدفئة وقطة المنزل البيضاء تغفو بكسل عند الباب وهي تفتح عينيها بتكاسل وهي تراقب عصفورا حط على غصن شجرة الرمان وطار بعجلة .قفزت القطة بصورة مفاجأة فاجأتني معها وهي تمسح وجهها من قطرة مطر كبيرة سقطت على وجهها مطلقتاً أول الغيث كي يبدأ سقوط المطر مدراراً , في تلك اللحظة بالذات تأجج فيّ ذلك الفرح الغامض فتركت كل شيء في مكانه ووقفت تحت المطر الذي كان ينزل ماءه مثل ماء الصنبور والذي غسل وجهي بقطرات تنزل وكأن كل قطرة فيها فم صغير يقبلني حتى أمتلئ وجهي بعشرات القبل . كنت اشعر بأن باحة الدار صغيرة على فرحي فدخلت ولبست معطفاً مطريا قديما يعود لأخي الذي هاجر منذ زمن طويل ولم يعد , كانت اشعر بحرارة جسمه وأنا البسه , فتحت الباب واندفعت إلى الشارع .
كانت قد تكونت على جانب الشارع برك ماء صغيرة تعكس قوة المطر حيث امتلأت بالفقاعات, كان الشارع مزدحما بالسيارات التي تغطي وجوه سائقيها ابتسامة تعكس فرحا يشبه الفرح الذي يعتريني ! , بقيت امشي تحت المطر ووقفت مع مجموعة الناس وهي تراقب رفع الكتل الإسمنتية من مداخل الأزقة بعد أن انتفت الحاجة إليها , فقد صارت بغداد أجمل وأكثر أمانا, تركتهم ومشيت وكلمة مطر
مطر ...مطر يتردد صداها في اذني.
أنه المطر مرة أخرى , لم تمطر بهذا الشكل منذ أعوام , رائحة الأرض المبللة بالمطر تملئ الجو وأنا امشي بفرح تحت قطراته وصارت رجلي تغطس في برك المياه التي تكونت سريعا , ياه لم أجرب هذا الشعور منذ زمن بعيد! ....كان الجميع يبتسمون , فرحون , روح الطفولة تقفز فيهم مرة أخرى ...ويقفز مرة أخرى ذلك السؤال : ما سر هذا الفرح الذي يغطي روحي و أرواح كل أولئك الناس؟
جاءني الجواب سريعا وعرفت لماذا كل هذا الفرح الذي تجاوز الأنانية والفردية ! عرفت الإجابة بعد أن قرأت على احد الجدران عبارة مكتوبة بخط سيئ و بلون ابيض , تلك العبارة عرفتني بالفرح المنتشر كالريح والذي اجتاح كل من بلله المطر وكل من سمع وقع خطوات المطر وكل من شم رائحة الأرض بعد المطر , كانت تعلك العبارة تقول :( بغداد حبيبتي اغسلي وجهك !). لقد اشتعلنا بنار النشوة والفرح لسبب كان غائبا عن وعينا ولكنه حاضر في أعماقنا , لقد كنا فرحين من اجل بغداد التي غسلت غبارها وستغسل حزنها وستعود جميلة كما كانت أمس وكما ستكون غدا. بعدها عدت مبللا إلى المنزل وأنا اردد بلا كلل : بغداد حبيبتنا اغسلي وجهك فها هو المطر.

(25) تعليقات

حتى البحر...يموت!

 




 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                                        ( نم إغناسيوس!... فلاشيء باقْ ..حتى البحر يموت)
                                                                                                   لوركا
مع بعض الجرأة المحسوبة و التطمينات والتأكيدات قررت أن أضيف أختا جديدة لزياراتي والذهاب إلى منزل صديق المدرسة الذي كان يوما ما الأقرب إليّ من الجميع,ذلك الشاب الهادئ مثل لهب شمعة والذي كان يحمل من الهدوء والروية الشيء الكثير والذي قد باعدت بيننا تلك المسافات الزمنية والمخاطر والكسل حتى انقطعت الإخبار عن بعضنا البعض , مازلت اذكر تلك السماحة النادرة التي ترتسم على وجهه الأسمر و التي تدفع إلى الطمأنينة . هذا الصديق الذي قد حصل على رقم هاتفي من صديق مشترك إلتقاه مصادفة في احد الأماكن , هو من أتوجه اليوم إلى زيارته, حيث يسكن في مكان كان حتى عهد قريب مكانا محرما , لكن ألان تغيرت الأمور وها أنا ذا أتوجه إليه.
تغيرت الكثير من معالم الدروب الداخلية المؤدية إلى منزله الذي لا يمكن لأحد أن يظل الطريق أليه, فقد كان يستقر على جانب نهر دجلة مباشرة معطيا لساكنيه منظرا رائعا ونسيما عليلا محملا برائحة الطين النقي – هذا ما أتذكره من زيارتي له – .
ها هو ذا يقف عند باب منزله الخارجي وهو يحمل في يمينه هاتفه النقال وكان مستعدًا - كما يبدو- للاتصال بيّ كي يطمئن بأني لم أظل الدرب أو يحصل لي مكروه ما , كان بابهم ما يزال يحمل نفس اللون الذي طلي به منذ زيارتي الأخيرة له , اقتربت أكثر وأنا أحاول أن اعرف الآثار التي تركتها كل هذه السنين من البعد على وجهه الذي اشتقت لرؤيته فعلا , لم يكن قد تغير كثيرا سوى أن وزنه قد زاد قليلا , صرت قريبا من المنزل , مشى هو نحوي و في وسط المسافة المتبقية استقبلني بفرح وشوق تلقائي وصافحني بحرارة وتبادلنا الأحضان , وبعد أسئلة طويلة عن الحال والأحوال دخلنا إلى منزله وطلبت منه أن نجلس في الشرفة المطلة على النهر فقد اشتقت إلى ذلك المكان , جلسنا وسألته وأنا ابتسم : كيف هو دجلة؟ أجابني وقد تكدر وجهه قليلا
وقال: يا صديقي لقد اختفت الرائحة الطازجة التي كانت تأتي منه وصار النسيم يأتي ألينا محملا بالذفر ورائحة الأشياء الفاسدة , هل تصدق أني صرت أخاف النظر إليه !, أني اشعر بان دجلة يحتضر ! أنهم يعدمونه بالسدود , والسماء تعدمه بالجفاف . قلت له بحزن : اعرف ذلك يا صديقي ,....ظل يتكلم و أنا استمع أليه وأنا انظر نحو نوارس متباعدة تحلق هنا وهناك وتحط وتطير على شاطئ النهر بألوانها البيضاء فاتحتا أجنحتها على اتساعهما . في خضم كل ذلك جاء ألينا أخوه الأصغر حاملا إلينا بعض الفواكه في صحن كبير , سلم عليّ وسألته بود عن حاله وكم صار عمره و كان من الواضح بأنه طفل حيوي ومشاغب فقد كان يحمل في عينيه الكثير من الفضول وفي حركاته الكثير من الاندفاع وعلى يديه الكثير من الجروح, تركته وبقينا نتحدث عن ذكرياتنا وعن ما مر بنا في تلك السنون العجاف وفجأة سمعنا صرخة فزع آتية من جهة السياج المعدني المصنوع على شكل أعمدة طويلة بيضاء والمطل على النهر والذي يعزل الشرفة التي كنا نجلس فيها عن النهر,سمعت صوت اصطدام شيء في الماء ! فكرت مع نفسي : ( أنه الطفل ! ) قفزت و خلعت حذائي بلا تفكير وأنا استعد لمحاولة إنقاذه , أما أخوه فقد سبقني راكضا نحو السياج , وحين وصلت إليه نظرت إلى النهر محاولا تحديد مكان الطفل.
كنا مستعدين لعبور السياج من اجل محاولة إنقاذ ذلك الولد الذي سيقتله النهر لا محالة!.بعد نظرة سريعة إلى النهر توقف كلانا عن محاولة العبور بتسرع وهلع وشعرنا ببعض الطمأنينة ,فقد كان الطفل واقفا والماء يصل حتى ركبتيه فقط وقد تبللت كل ملابسه وهو يمسك بيده كرة يبدو انه من اجلها نزل إلى هناك!....التفت إلى صاحبي وقلت : لقد ظننت بأن النهر سيقتل أخوك !! التفت إلي بحزن وأجابني وفي كلامه صوت لبكاء : لا تقلق فدجلة...... ميت ..... والأموات لا يقتلون أحداً.

(27) تعليقات

حدثَ ذات عودة

منذ أكثر عامين لم المس المعدن الأصفر المكور لأكرة الباب المعدني الأبيض لمنزلي...دفعته ببطء وحذر و ثقوب الرصاص ترسم عليه كلمة طلسمية مبهمة , مشيت ببطء ووقفت أمام الحديقة التي تركتها آخر مرة ملئا بزهور صفراء وحمراء وبنفسجية وشجرتين مثمرتين, أما ألان فلاشيء هناك سوى تراب جاف و أنقاض وجثتين لشجرتين ,كنت امشي على مهل وكأني أريد أن استوعب ما حصل هنا . كانت كل الأبواب مكسورة وألواح الزجاج متشضيه مثل أيامنا , دفعت باب المطبخ كي أجد مطبخنا قد تحول إلى صورة بالأبيض والأسود لصورته الملونة في ذهني , الحرب والألوان الزاهية لا يجتمعان في ذات المكان , رددت هذه العبارة مع نفسي وأنا أرى ما تبقى من المطبخ (كغرفة بجدران أربعة وليس كأثاث فهو لم يعد موجودا بالتأكيد) هنا كنا نجلس أنا والعائلة كي نشرب شاي المساء حين سمعنا طرقاً للباب وقد عاد أخي وهو يحمل بيده ورقه مطبوعة تتهمنا بالكثير من الاتهامات الجاهزة وتمهلنا أربعاً وعشرون ساعة للرحيل بلا أثاث ,أي بأرواحنا فقط ! ياه هم فعلا كرماء لأنه كان بوسعهم قتلنا بكل سهولة لان القتل لم يكن شيئا ذا بال بالنسبة لهم, فقد كنا نفتتح يومنا بجثث ملقاة في الشوارع وكنت أحدق فيهم طويلا وخفت أن أكون مرميا يوما ما هناك ويأتي من يحدق فيّ طويلا أيضا دون أن يستطيع فعل شيء- مثلي أنا- ..وأنا انظر إلى وجوههم وأجسادهم وقد تحولت إلى وجبة ليلية للكلاب.انهارت أمي وهي تنظر إلى الورقة ولكني شعرت بسلام داخلي فقد انتهى الانتظار والقلق, لم اعد انتظر ولم اعد أخاف من طرقات الباب, ركبنا سيارتنا في نفس اليوم ومعنا ما خف وزنه وغلى ثمنه. قررت الصعود إلى الطابق الثاني ..إلى غرفتي التي شاركتني بكل شيء , لحظات الفرح والحزن والحب والنجاح والفشل, مرة قرأت بان كل من أطال المكوث في مكان ما فأن ذلك المكان يأخذ شكله ! وهذا ما حدث كانت غرفتي تشبهني جدا, صعدت إليها محاولا استباق الصورة التي هي عليها ألآن وحاولت تخيل شكلها قبل أن ادخل إليها لكني لم استطع لأني لم أرد أن أتخيلها وقد صارت بائسة وحزينة...لم أجد الباب الخشبي للغرفة كانت بلا باب! ..تخطيت عتبتها وأنا أدوس على شظايا الزجاج المختلط بمظاريف الرصاص النحاسية التي تملئ المكان , كانت كل خطوة تصدر صوتا زجاجيا رنينيأً حزينا....رأيت عند الزاوية صفيحة لزيت الطعام وشقوق عملت بحربة حادة واضحة على جوانبها وبقايا قطع من الخشب لم تزل موجودة في قعرها, حسنا يبدو أنهم كانوا يتدفئون بها طوال الشتاء فقد استخدموا غرفتي كمركز مراقبة فهي تقع على مكان مطل على تقاطع الدروب ...نظرت إلى تلك البقايا,كانت أعقاب السجائر تعطي بعدا آخر لأرضية الغرفة في الركن الأيمن كانت هناك آثار دماء وبقايا ضمادة لجرح فاغر فقد كان الضماد منقوعا بالدم. رن جرس هاتفي النقال ,كانت أمي على الطرف الأخر تتحدث بصوت قلق مترقب وهي تسال أن كان كل شيء على ما يرام وأن كان حّينا أمن فعلا كما يقول الناس وانه لم يعد هناك مسلحون ؟ طمأنتها وأنا أتحدث بهدوء واخبرها بأن المكان أمن وسنعود إلى المنزل بمجرد إصلاحه فالمنزل يحتاج إلى الكثير من الترميمات , أنهيت المكالمة وبينما كنت استعد للمغادرة سمعت صوت ترباس بندقية يضع أطلاقة في بيت نارها وصوت خطوات متعجلة تصعد السلم نحوي وصوت أجش يخبر الآخرين بصوت حاول صاحبه أن يجعله منخفضا وهو يقول: "أنه في الغرفة التي على اليمين" عندها شعرت باقتراب النهاية ..سيقتلونني هنا ! حدث هذا كثيرا حين يعود المهجرون كي يطمئنوا على منازلهم و يجدوا بأن هذه المرة هي المرة الأخيرة التي يرون فيها منازلهم والدنيا أجمعها. شعرت بنفس السلام الداخلي والراحة التي شعرت بها حين جاءوا أول مرة فقد انتهى الترقب والانتظار, كنت اسمع خطوات أربع أو خمس رجال , أردت أن انظر من شباك غرفتي لأخر مرة و نظرت إلى تقاطع الشارع الخالي من السيارات والمارة حين سمعت صوتا قويا يصرخ: ارفع يداك واستدر ببطء وقل من أنت؟! رفعت يدي باستسلام واستدرت نحوهم وأنا أغمض عيني ...فتحتها ... وأنا أناولهم ورقة رسمية أعطاني إياها احدهم عند الجدار الأسمنتي الكبير...أعادوا ألي الورقة وهم يبتسمون...فقد كانوا من رجال الجيش.

(15) تعليقات

حصاد المناجل

 






 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كان   يوما آخر من أيام حظر التجوال الكثيرة في تلك الأيام العصيبة إذْ لم يمرّ شهر بغير يوم أو يومين منها , و يضيف التيار الكهربائي نوعا آخر من السأم وكأنّه له خلاف شبه دائم مع أسلاكه النّحاسية التي تمتدّ محدّدة مناطقنا المسكونة بالترقّب والحذر والشك , كان مساءً شتائياً بامتياز, يحمل الكثير من البرد والزّمهرير والقصص المخيفة التي تتحدث عن رجال أسطوريين يخطفون الناس أو يقتلونهم على قارعة الطريق ,و لم يكن أمامنا الكثير كي نفعله غير الجلوس على شكل حلقة كبيرة كلّ ليلة أمام منزل العمّ أبي ضياء الرجل الخمسيني بجسده الرشيق وحركاته الهادئة وكلامه القليل ووجهه الأسمر الصافي الحليق دوما وعيناه اللتان تقولان الكثير وتحملان من الحزن والعمق والتجربة ما يعادل حزن وتجربة عشرة رجال, وشعره الذي تحوّل إلى لون أبيض بصورة كاملة و بشكل غريب !, لم نكن قد جلسنا معه من قبل فقد كان اكبر منا سناّ وهيبته وصمته الدائمان يجعلاننا نكتفي بان نسلّم عليه بسرعة واختصار , أما ابنه ماجد – صديقنا- فقد اخذ الكثير من صفات والده الهادئة التي توحي –رغم صغر سنه- بأنه شاب حكيم . وفي إحدى تلك الليالي ونحن نلتفّ حَول النار التي تشعّ علينا بالدفء والمتعة و نراقب البخار المتصاعد من إبريق الشاي الكبير المتربّع على الجمر والذي أحسّ أنّ شايه سيكون أكثر لذة من سواه لسبب أجهله حتى هذه اللحظة!فـــُتـِح باب الدار كي يخرج أبو ضياء بخطواته الهادئة وهو يحمل على وجهه ابتسامة جعلها الضوء المنبعث من النار والساّقط على وجهه أكثر سحراً, وسّعنا له مكانا بيننا,( كان من الواضح أنه رجل رقيق رغم كل آثار السّنين وقسوتها المرتسمة على وجهه , فأنا اذكر حتى هذه اللحظة كيف انّه بكى بمجرد أن رأى ماجدا وقد كُسرت ساقه في إحدى مباريات كرة القدم).و بعد التحية والترحيب ظل أبو ضياء صامتا ونحن كذلك ارتبكنا قليلا . فبعد صمت قصير وحين كنا نحاول كسر الجمود بعبارة (الله أبو الخير) و بعد أن ناولناه "إستكان" الشاي سمعنا صوت رشقة رصاص متقطعة أولا وبعدها استمرت طويلا . تحفّز أبو ضياء وفقد كل ذلك الهدوء وأدار عينيه إلى زاوية بعيدة عن الجميع وأغمضهما وهو يشير لنا بالسكوت وأذناه مشرئبّتان مثل أُذني ذئب ! كلّ حركاته كانت تحاكي تصرّفات ذئب مسنّ سمع حركة مريبة. توقّفت تلك الزّخّة من الرّصاص وعاد الصّمتُ يخيّم على السّماء الباردة وعادت طقطقة الخشب المشتعل وأنفاس الجالسين التي تنفث البخار الكثيف ذاك ما يسُمع فقط .فالتفت نحونا وقال وكأنه يخاطب نفسه : إنّه صوت لمدفع رشّاش "روسي" ثمين لم يعد يصنع منه اليوم حتى الروس أنفسهم, فصوته رخيم وعميق وأظن بأن الطلقات" تشيكية" الصنع فهي تمتلك تلك الرنّة المميّزة عند النهاية وكذلك أن من أطلق رشقة الرصاص قبل هو رجل لا يمتلك ما يكفي من الخبرة. استغربنا من تمييزه لكل هذه التفاصيل !, فتشجعت وسألته:" كيف عرفت كل هذه التفاصيل يا عم؟" ابتسم بثقة وحكمه وقال :" لانّ ذلك كان سلاحي لثماني سنينَ وقد قاتلت به طويلا و رافقني وظل بجواري حتى أكثر من ابني ,ثمّ سأله شاب آخر :" هل قتلت به أحداً؟". تردّد في الجواب وحمحم قبل أن يجيب:
- نعم
- كم؟ (سأله ذلك الصبي باستعجال وفضولي واضح )مسح أبو ضياء وجوهنا بنظرة صارمة وكأنّه يحذرّنا من تكذيبه وقال وهو يزفر:" لست متأكدا ولكن حوالي ثلاثة آلاف ."لم نستوعب الرّقم في البداية ! ثلاثة آلاف! لكن العم واصل قائلا: "يا شباب هذا ليس كثيرا أبدا ! ربّما ذلك يكون كثيرا بالنّسبة لقنّاص لكن ليس لمدفع رشّاش مثل هذا !. فأنا تقريبا خضت مئات المعارك الصّغيرة والكبيرة مع بقيّة أفراد سريّة المغاوير التي كنت انتمي إليها خلال كل هذه السنين ." وإثر ذلك برز صوت من مكان ما يطالب بأن يحدّثنا عن الحرب في ذلك الزمان ! كانت العيون كلّها تنبض بالرّجاء النّابع من الفضول . أطرق العم قليلا قبل أن يعلن موافقته وكأنه رجل يوافق على أن ينكأ جرحه ويفتحه من جديد .عدل جلسته وانزل "استكان" الشاي الذي كان في يده بعد أن أنهاه كله برشفتين فقط و تحولت نظراته لنا إلى نظرات أكثر شدّة وعزما وجسده أكثر تصلّبا واستقامة وهو ينطق كلمته الأولى قائلا:الحرب ..الحرب احذروا أن تحبّوها يوما فهي أساس لكل مأساة في هذا العالم , ويجب أن تضعوا في حساباتكم , احترام عدوّكم مهما كان, وتذكّروا بانّ كل إنسان يموت في الحرب أو في غيرها فإن هناك الكثير من الناس الذين يحزنون من اجله , أمه, أبوه زوجته , أطفاله, أحباؤه.... لكن في النهاية علينا أن نقوم بما يتوجّب علينا القيام به كرجال وكجنود...مازلت أذكر استعداداتي في كل هجوم نتصدى له, كنت أهيئ نفسي وعدّتي بعد أن يبدأ القصف التمهيدي بالمدفعية الثقيلة . أملأ أشرطة الرصاص الفارغة الطويلة التي تمتد على الأرض كَسُرفة دبابة ,أملؤها بصمت ويساعدني جنود آخرون , فأحظر منشفة قديمه و جردلا من الماء .( لم نستطع الربط بين جردل الماء والمنشفة والمدفع الرشاش ولم نشئ مقاطعته و انتظرنا أن نفهم ذلك من سياق القصة) ,و بعد أن استعدّ وأضع بجواري رشاشي المستريح على ركائزه التي تلتصق بفوهته على شكل مثلّث ورائحة الزّيت تفوح منه، بعد أن أكون قد جعلت أجزاءه تتشبّع به وكأنّي أطعم حصاني قبل المعركة, بعدها أدخل في حالة عميقة من الحزن , لأنّي اعرف ما سيحصل: ....موت كثير ...بل كثير جدا..أشلاء .. بشر...أنظرفي وجوه الجنود الفتيّة فقد كنت أكبر سنا من معظمهم , وأتخيّلهم أو أتخيّل نفسي قتيلا وأفكّر بالزّوجة والأطفال , وأخاف قليلا ولكن كلّ ذلك يتبدّد في المعركة , فأعيد نصب مدفعي في مكانه على السّاتر بين أكياس الرّمل البُنيّة وأبقى مستعدّا ....أصعب اللّحظات يا أولادي هي اللّحظة الأولى و بعد كل هذه المعارك مازالت اللحظة الأولى هي الأصعب , اجتياز العتبة هو الأصعب حين أراهم قادمين نحونا بأعداد كبيرة وبشكل جنونيّ مثل الجراد وهذا يجعلني أحتار في إيجاد الإجابة عن سؤالي :أهم شجعان أم مجانين؟ كانوا يركضون باتّجاهنا بملابس مدنيّة أو يركبون دراجات نارية أو أشياء أخرى تثير الاستغراب ,كنت أرى أطفالا وشيوخا غير مدرّبين أصلا ! كنت أتمنّى أن أعرف بِمَ يخبرونهم كي يركضوا باتجاهنا بكل هذا الجنون! . أضع إصبعي على الزِّناد وألّفّ ماسورة الرّشاش بالمنشفة الّتي أحرص على أن تكون مبلّله دوما كي أضمن بأن تبقى فتحة الرّشاش باردة ولا توسّعها حرارة لهب الإطلاقات الّتي لن تسكت قبل ساعات طويلة(العم أبو ضياء كان ينظر ولا ينظر إلينا و يدخل في حالة روحيّة أو يعود به الزّمن وكأنه على الساتر وعيناه تُفتحان على اتّساعهما!),ثمّ يواصل حديثه: أتأكّد من الماسورة الاحتياطية...إنّهم يقتربون ..أتركهم يقتربون أكثر...لقد صاروا الآن ضمن المدى....أغمِضُ عينيّ بعد أن أختار الهدف وأضغط على الزناد بقوة كي يخرج الرّصاصُ ملعلِعاً و منطلِقا بخطوط مستقيمة باحثاً عن اللّحم الطريّ ... ويبقون يركضون..يركضون ..والعالم كلّه يتوقّف من حولي (ترقرقت دمعة في عينيه قبل أن يتركنا صامتين ويعود إلى منزله وهو يقول: ...لا تحبّوا الحرب..
لاشيء أحلى من السلام ...
لا تحبّوا القتل ...فكلّه ألم ....
أنا الآن لا أرى شيئاً... ....
لا أرى شيئا سواهم وهم يتساقطون مثل الأشجار حين تـُقطع.... حين تخترقهم الرّصاصات يبطؤون المشي لِوَهلة ويسقطون بعدها... أناديهم :تعالوا اركضوا أريد أن أخلّصكم من هذه الحياة!..دموعي تنزل دوما بعد الشّريط الأوّل ...أمسحها بظهر كفّي وأستمرّ بالضّغط على الزّناد وأنا أرى الماء وهو يتبخّر من المنشفة الّتي تحيط بالماسورة, أراهم يتساقطون....لكن يجب أن أستمر لأنّ هذا هو واجبي...يجب أن أقتلهم قبل أن يصلوا....
أستمرّ بحصادهم...أنا الآن أرى أمّهاتهم يثكلن...
أرى أبائهم يبكون ،
أرى أطفالهم أيتاما ..
أرى زوجاتِهم أرامل...
الآن أراهم يركضون نحوي كحقلِ سنابل...
الآن أرى مدفعي صار كفاً و مناجلَ..
أنا لا اعرف إن كنت أحصدهم أم أقاتل ؟!...
الآن أرى أرواحهم تصعد.. يحلّقون أبعد...
أراهم يتكوّمون على الأرض بيادر ....دمهم يسافر...
أنا الآن أحرّرهم..الآن منجلي يسكت ..
ورد دمائهم على أرضنا ينبت...
الآن أبكي بكائي الأخير ...تسكت المناجل...
ننتصر في انتظار موسم حصاد آخر.

ملاحظة: أبو ضياء شخصيّة حقيقيّة ظلّ عسكريا لخمس وعشرين عاما وهو حتى الآن يستيقظ عند الفجر كلّ يوم ويحلق لحيته وكأنه لم يزل جنديّا بعد..

(40) تعليقات

حمامات ظللن الطريق

 


 
 

إيهٍ ..عدت رفيقاً للسلاح مرة أخرى !ردّدها مع نفسه وهو ينظّف بندقيته ويبتسم بحزن واستسلام ...عاد بالذاكرة سنين طويلة كي يرى نفسه وهو يصعد في عربات أل" إيفا " التي كانت تنقل الجنود نحو المعركة - كانت معركته الأولى - وتذكّر ملابسه الواسعة

 التي كانت تثير الضحك ,ووجهه الأمرد المشعّ بالخوف و كفّه القابض على السلاح بصعوبة....ثماني سنين لم يترك شبراَ من حدود العراق لم يقاتل فيه, ومازال يتذكر كل معركة خاضها وكل ضابط قاتل تحت إمرته ...تذكرّها جميعا..واحدة ...واحده.. ....إيهٍ

 يا معارك "بن جوين "..إيهٍ يا معارك " الفاو"..إيهٍٍ يا معارك "نهر جاسم"..

صكّ على أسنانه وهو يردّد : "(نهر جاسم)", فهناك فقد الكثير

 من الأصدقاء الذين قضوا في الكمين الأسود لهذا النهر الجاسم ,حيث ظلت أجساد الشهداء تطوف ببطء على سطح الماء مثل أوراق الخريف التي يجرفها التيار بهدوء......

تذكر معارك السلاح الأبيض حين يشتبك الجنود ويتداخلون

فلا يمكن استخدام الرصاص في ذلك الزّحام حين يتقاتل الأعداء والأصدقاء على نفس المتر.

و لسوء حظه أن معركته الأولى كانت بالسلاح الأبيض , زفر بمرارة و عاد يمسح البدن الأسود للبندقية وهو يحاول  تناسي الماضي والموت والموتى , لكن عبارة من مذيع الأخبار التي كان يستمع إليها من راديو صغير بجانبه جعلته ينتبه !,حين قال المذيع:"وبهذا قد بلغ عدد قتلى القوات الأمريكية بعد خمسة سنوات من احتلال العراق إلى أكثر من أربعة آلاف جندي ", عند تلك العبارة التفت

 إلى الراديو لثانية وعاد كي يكمل تنظيف البندقية وهو يتمتم : أربعة آلاف !؟  هزّ رأسه بازدراء قائلاً :" في معركة  تحرير الفاو وحدها مات منا أكثر من خمسين ألفاً في اقل من ثلاثة أيام!".

ثمّ أكمل تنظيف سلاحه ومسح يده التي صارت متآلفة مع زيت السلاح ومعدنه ولبس ملابس ثقيلة وتأمل وجهه المتغضّّن وشعره الأشيب في مرآة صغيرة مثبته على الجدار ,

ثُم اخذ سلاحه ومشى نحو نقطة الحراسة كي يُستبدل بزميله الذي يقف هناك منذ ثلاث ساعات . كان البرد قارصا والصحراء مفتوحة إلى نهاية المدى , زر معطفه العسكري وجلس في نقطة الحراسة مراقبا من فتحتها رمال الصحراء وأضواء قرية بعيدة تتلألأ

على الطرف الآخر من الحدود ,

 آه كم هو رائع الجلوس في الصحراء لفترة من الزمن ,

 لابد أن يقضي كل إنسان وقتا ما في الصحراء كي تصبح روحه أصفى, أعاد تشغيل مذياعه الصغير ( المذياع هو الرفيق الدائم للحراس , حيث يؤدون أكثر المهن إشعاراً بالملل وهم في انتظار شيء ربما لن يأتيََََ أبدا) . نظر سالم إلى السماء متأملا النجوم

في هذا اليوم البارد الصافي و قرّر مع نفسه أن يجمع عدد الساعات التي قضّاها واقفا في نقاط الحراسة ! ظل يعد ويضرب ويجمع حتى كاد يصل اخيرا  إلى نتيجة  لو لا أن عينه الخبيرة التقطت حركه مشبوهة , فقبض بصورة لا إرادية على سلاحه ,كانت حركه لمخلوق واحد فقط أو هكذا بدت , اخذ المصباح و فتح أمان البندقية وسحب الترباس كي يلقم بيت النار رصاصة مستعدة للانطلاق والاختراق

ثُم سار بحذر واحتراف وإصبعه يلامس الزناد برقّّّة , كان ينقل خطواته بحذر محاولا ألاّّّّ يثير أيّ صوت ,  فحتى الأنفاس ربما تكون مسموعة في هذا السكون الممتد بلا نهاية .... لم يكن الهدف يبعد أكثر من مائتي متر ,ربما هو حيوان وربما هو شيء آخر لكن

على الإنسان إعطاء فرصة لحدسه فهو يصدُق أحيانا كثيرة ,

هذا ما تعلمه من سنين حياته الطويلة التي قضاها بين الرصاص ,وقد أنقذه حدسه كثيراً,ظل يسير وهو منحنٍ ومتحفز وكلما تقرب أكثر اتضحت معالم ذلك الشيء أكثر , كان شخصا يسير حانيا ظهره , حتى كأنه يزحف ! محاولا تجاوز النقطة الحدودية باتجاه أضواء تلك المنازل البعيدة في الطرف الآخر , اقترب سالم منه أكثر وصاح بصوت قوي وحازم : قفْ!!

 أشعل الضوء ووجهه على وجه ذلك المخلوق وبعدها دار بالضوء حول المكان كي يتأكد من عدم وجود أشخاص آخرين,

وجه البندقية نحوه بحذر شديد و الضوء يعمي بصر ذلك الشخص, تفاجأ سالم من أن المتسلل صبي لا يتجاوز عمره الثمانية عشرة سنة! كان ذو وجه صبيانيّ أسمر مؤطر بلحية شعرها أشبه بزغب ينتشر في أماكن متفرقة من وجهه , ويلبس ثوبا  متسخا  يبدو

 أنّ لونه كان أبيضَ , وهو يرتجف من البرد والرّّّعب , نزلت دموع الصبي وكان  تعبير وجهه لا يعكس سوى الحزن والخوف, تحرك قلب سالم من مكانه ,رأى نفسه في معركته الأولى !, فتّشه بسرعة وسأله : من أنت وماذا كنت تريد أن تفعل , ولا تكذب !, فأجاب الصبي والدموع تخنقه:"أرادوا أن ُيزنّروني بحزام ملغوم فهربت"!! .

في تلك اللحظة أنزل سالم سلاحه وهزّ رأسه بملل وسأله مرة أخرى: منذ متى و أنت هنا؟

- أنا  هنا منذ حوالي أسبوع , كنت أظن باني سأقوم بأشياء أخرى!

- لقد خدعوك أيها الصبي, (فكّر سالم مع نفسه وتخيل مصير هذا الصبي الأرعن , لو ظل هنا , أو لو  قبُض عليه , لن يرحموه مطلقاً  )

كانت عيون ذلك الصبي مليئة بالتوسّل, نظر سالم  إليه مطوّلا وتأكد من انّّه فتى بريء لعبت برأسه أفكار لم يحسبها جيدا ,

- أطلقني يا أيها الجندي , أعدك باني لن أعود ,

نظر سالم مرة أخرى وخلع معطفه وأعطاه للصبي وقال: الطريق بعيده فكن حذراً  و لا تعد مرة أخرى , تركه سالم وعاد لنقطه التفتيش , وفوجئ بزميله الذي سأله أين كنت ؟

- كنت أتحقق من حركه مريبة.

- وماذا وجدت؟

- لا شيء إنها حمامه طارت ليلا وظلت الطريق.

(23) تعليقات

قمر النجف يضيئ سماوات نيويورك

 

 

 

 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
 
 
ملاحظة: أحداث هذه القصة واقعية
جرت  بين عامي 2003/2004
                                                                            

                                            *1*

              

هالة عملاقة من الغبار  بفعل سرفات الدبابات بضجيجها المهول و المندفعة  بخط مستقيم نحو النجف .السماء مزروعة بسرب من المروحيات  والمنازل المتناثرة  مثل جزر صغيرة في البحر  تعلن أن المدينة ليست ببعيدة  وهي بانتظار معركة صغيرة أخرى...

 

                                          *2*

المعسكر الميداني الأمريكي يبنا على عجل و مروحيات تهبط وأخرى تصعد مثيرةً غباراً مزعجاً يتغلغل إلى العيون والجميع منشغل عدى الضابط الطبيب "مارك إدوارد "الذي كان يضع حاسوبه النقال في حجره وهو يكتب مذكراته اليومية ,مارك الرجل النيويوركي الثلاثيني بشعره الأشقر القصير ومنكبية العريضين وقامته المديدة وعيونه الزرق الحادة , وإذا استعنا بمقولة: إن كل إنسان يشبه حيوان  ما, فمارك كان يشبه الصقر .

كتب في مذكراته : لا يمكن تصور الحرب إلا إذا عشناها ورأينا ضحاياها فلا شيء أقبح منها فهي تجمع الألم والقسوة والموت في خليط عجيب  والناس والجنود يصبحون قساة فجأة !.  حين وصل إلى تلك النقطة أحس بكف تعصر زنده بلا أبالية وصوت صديقة الطبيب الاسود "توم "الذي كان يلبس قفازات طبية طالبا منه الاستعداد لأن المروحيات جلبت بعض الجرحى المدنين والعسكريين العراقيين . زفر بنزق و أغلق حاسوبه على عجل.

 

 

 

 

                                            *3*

كان الأطباء ينتظرون فتح أبواب المروحيات الثلاثة كي يحددوا أولويات العلاج  والتداخل الجراحي . نقلوا كل الجرحى وحددوا الأولويات وكان من ضمن أهم الأولويات فتاة عشرينية أصيبت بنزف داخلي وجروح في البطن  . لم ينج احد من عائلتها كما اخبرني الجنود  (هذا ما قالته الممرضة وهي تساعد في رفع زينب إلى طاولة العمليات  ) . دخل مارك وهو يضع  بهدوء الكمامة على فمه منتظرا أن يكمل طبيب التخدير مهمته , متشاغلا بقراءة تقرير أولي عن حالة زينب ..تقدم نحوها وهي في حالة تخدير كاملة ..سقطت الأوراق من يده حين نظر إليها! شعر بدوار خفيف ونبضات سريعة ....شعر بذلك الشعور الذي كان يقرأ عنه في الكتب ويراه في الأفلام التاريخية والذي يحتاج المرور به إلى معجزة في زمن توقفت فيه المعجزات ...شعر بان روحه تطابقت مع تلك الإنسانة فهو لطالما تخيل بان أرواح الناس تنطلق مستقبلة أرواح الآخرين ولها اشكال هندسية اما أن تتطابق مع بعضها بنسبة اولا تتطابق أصلا ولكن من الأسطورة أن تتطابق بصورة كاملة  و هذا ما حصل اليوم ! . رفع مارك الأوراق بارتباك وهو يركز على هدف واحد فقط : يجب أن تعيش هذه الإنسانة التي تملك وجه قديسة  مهما كلف الأمر ,ظل لأربع ساعات متواصلة واقفا على قدميه من اجل إتمام العملية  بعدها نُقلت إلى خيمة أخرى وهو يشعر بتعب كبير بسبب المحاولات المتكررة في تركيز انتباهه الذي يتشتت باتجاه تلك المرأة في كل لحظة.

 

 

 

 

                                         *4*

كان ممددا على الفراش واضعاَ سماعات الرأس وهو يستمع لموسيقى هادئة  باحثا عن إجابات للحالة التي يمر بها, لم يستوعب بعد الشعور الذي يشعر به وظل في انتظار أن يتلاشى فهو رجل مجرب وحكيم ويعرف بان الرجال بعض الأحيان يستسلمون لأوهام لا تدوم طويلا  لهذا فأن كل الحكماء ينتظرون فترة طويلة كي يتخذوا قراراتهم, إن كان لديهم متسع من الوقت.تذكر "سالي" التي كان يضن بأنها كانت حبه الحقيقي الوحيد وعرف بأن الشعور الذي شعره اليوم يجعل سالي عبارة عن وهم..مرت ثلاثة أيام وزينب في غيبوبة لكن مؤشراتها الحيوية لم تثر قلق مارك أبدا, كان يقرأ تقريرا عن حالتها وهو يتطلع بكل نقاء الرجل حين يحب نحو زينب النائمة والمزروعة بالأنابيب وقد أعاد  وجهها الأسمر  الصافي  ,برغم شحوبه, صورة ساحرة للشرق وغموضه وتمنى لو إنها تفتح عينييها كي يرى روحها . لاحظ الجميع اهتمامه بها ولم يكن ذلك يضايقه أبدا , في اليوم الرابع حظرت الممرضة إلى خيمة مارك كي تخبره بان زينب تستيقظ  , تحرك على عجل نحو خيمة المستشفى وقلبه ينبض بسرعة , كانت تجلس والألم واضح عليها اقترب منها مارك وطلب المترجم كي يسألها بعض الأسئلة ولكنها فاجأته بأنها ليست بحاجة إلى ذلك فهي مدرسة لغة انكليزية أصلا , أفرحه ذلك جدا , وهو ينظر في عينيها  الواسعتين وفي كل ثانية تمر يتأكد بان شعوره كان حقيقيا  , هي كامرأة   وبرغم كل الألم شعرت بان مارك كان ينظر إليها بشكل مختلف , شكل يذكرها بطفولة الرجال الذي يصابون بشيء غريب حين يحبون ويشعرون بان الطرف الآخر قد يبادلهم الشعور , فهم عندها يعيشون في سلام داخلي و يشعرون بأن السماء قد عاملتهم بكرم شديد وانه حان الوقت كي يشكروها , فيفكرون بطريقة مغايرة  تماما فمن يفكر بان يهاجر يفكر مرة أخرى بالاستقرار , ومن كان قد نسي فكرة الارتباط نجده يستعيدها وبكل إصرار  ومن كان يفكر بالإقلاع عن الخمر فهذا وقته ,يعني كل قرار مؤجل سيتم البت فيه  , ولكن هناك الكثير من يخلط بين الحب وبين الرغبة بأن يحب , وحين يسأل الرجل نفسه  هل أحب تلك المرأة هل هي مناسبة لي ؟ حينها يتوجب عليه أن يعرف بأنه لا يحبها .  لأن كل أمرآة  نحبها وتحبنا هي مناسبة لنا. ظل مارك يتردد على زينب لقضاء كل فترات استراحاته معها

سألها عن كل شيء ووعدها بان يرسل من يخبر أخوها الذي لم يكن يسكن معهم في نفس المنزل الذي طحنه صاروخ اخطأ هدفه .  كان معجبا برباطة جأشها حين علمت بأنها فقدت كل عائلتها في القصف…بكت بصمت ليومين حاول مارك  ان يكون بجانبها ذلك الوقت . في اليوم التالي اخبروها بان أخيها قد جاء كي يزورها

فقد وجد اسمها في قوائم الجرحى الذين تعالجهم القوات الأمريكية , كان لقاءً محزننا فقد بكوا كثيرا لفقد أولئك الأحباء , أراد أخوها أن يعرف متى يمكن أن تخرج من المستشفى , فلم يكن من مارك إلا أن يخبره بان أمامها أسبوعان كي يتم التأكد بان كل شيء على ما يرام  وهو يعرف بأن أسبوع واحد يكفي , أرعبه أن لا يرى زينب بعد أسبوعين فقط! لم يكن يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف , كانت كل يوم تتغلغل في مساماته أكثر  تدخل في تلا فيف دامغة وتسكن هناك  ,حتى جاءت تلك الليلة التي كان يجلس فيها مع زينب وهي تحدثه عن الإسلام  والتي فجاءته بسؤال خارج نطاق النقاش وقالت بلغة انكليزية بلهجة شرق أوسطية ووجها يحمل ملامح بعض الجدية: ماذا تريد مني يا مارك؟ أنا لست غبية و اشعر بأنك لا تعاملني كمريضة فقط, نظر مارك في عينيها مباشرة وقال بتردد وهو يشيح بنظره بعيدا وعنده رغبة داخلية بالبكاء : يا زينب هناك الكثير من الأشياء في حياتي لم أجد لها اجابة  ولكن الشيء الذي أنا متأكد  منه هو أني لا أريد أن أفقدك ,اعترف لها بشعوره منذ أول يوم رآها فيه , وبعد أن أكمل تمنى لها ليلة سعيدة وخرج من الخيمة بدون ان ينتظر سماع  عبارة واحدة منها. لم يبق سوى ثلاثة أيام كي تخرج زينب وهو مستعد لخسارة أي شيء عداها فهو لن يتحمل خسارتها بلا شك , في تلك اللحظة خطر في باله الاستعانة بأحد المترجمين كي يعرف الطريقة التي يمكن أن يتصرف بها , هل يحاول مثلا إيجاد عمل لها معهم ؟ كلا ربما تترك العمل ولن تعود أبدا , هل يأخذ عنوانها ؟ كلا  أنها فكرة غبية هل سيزورها مثلا ! لم يبقى أمامه غير أن يفكر بالارتباط بها وهذا قرار صعب  برغم انه فكر به غريزيا كخيار أول كي تكون قريبة منه الى الابد ,  لكنه فكر بان ذلك  ربما هو صعبٌ عليها أكثر مما هو صعب عليه , تناقش مع المترجم الذي استغرب كثيرا من إعجاب مارك بامرأة مثل زينب تختلف عنه في كل شيء! , لكنه وصل معه إلى نتيجة واحدة . في الطرف الآخر كانت زينب تشعر بنفس ذلك النبض وان كان بمقدار اقل من مارك لكنها تعرف بأنه يحبها وان فيض ذلك الحب بدأ يبلل أرضها وهي تعلم بأن  نتيجة ما تفكر به صعبة وربما لن يتقبلها احد لكنها ليست مستحيلة.

 

                                             

                                         *5*

انه اليوم الأخير لزينب بعد أن استعادت عافيتها  وقد قضى  مارك  ليلته ساهرا مع نفسه  محاولا الوصول إلى نتيجة ,وفي ساعات الفجر الأخيرة وصل إلى قرار كان مستعدا أن يواجه الكثيرين من اجله , لبس ملابسه العسكرية وهندم نفسه  ونظر طويلا في المرآة وآثار السهر واضحة على وجهه الحازم  وتقدم بخطى ثابتة نحو زينب التي كانت تحضّر أغراضها وأدويتها استعدادا لترك المستشفى العسكري متوقعة حضوره كي يودعها وأن يقول لها أي شيء عدا ما قاله لها في تلك الساعة , كانت واقفة تتحدث مع الممرضة التي صارت صديقتها حين جاء مارك فتركت الممرضة المكان مستأذنة ,حينئذ نظر مارك لدقيقة في وجه زينب وقال بدون اي مقدمات: زينب هل تقبلين بأن تتزوجينني؟

شحبت زينب وأسكتتها المفاجئة ولكنها تداركت الموقف وردت: لا يمكن نحن نختلف في الكثير من الاشياء وهي تحاول التهرب بوضع بعض الأغراض في كيس بلاستيكي(لم تكمل جملتها حين قاطعها) أريد أن أكون مسلما , لقد قرأت كثيرا عن الإسلام وستعلمينني أنت أكثر  ,سنكون سويةً دوما وهذا صار حلمي الوحيد منذ رأيتك. حاول ان يجد طريقة يطمئنها بها فقال وكأنه يحاول أن يستدرك:بعد شهرين فقط ستنتهي مدة خدمتي كجندي وأعود طبيبا مدنيا في إحدى مستشفيات نيويورك و نظر إلى وجهها برجاء وأمل أقرب إلى التوسل , التفت زينب نحوه وقررت أن تثق  بصدق مشاعره لأنها احست بانه اصدق رجل في تلك اللحظة برغم انها كانت في صدد اتخاذ قرار حول رجل لا تعرف عنه الكثير جاء  مع جيش تسبب بكثير من الالم لوطنها ولأبناء جلدتها من مكان بعيد قصيّ تراه في الأفلام فقط  لكنه في النهاية أنسان متيم بحبها,  , ولأنها كانت تعرف بأنه يحبها فعلا  نظرت أليه وقررت ان تخوض التجربة حتى النهاية  وقالت بتشكيك الانثى حين تود اختبار الرجل: أن كنت واثقا من حقيقة مشاعرك اطلبني من أخي الذي سيأتي اليوم . عارض الأخ  بشدة وهو لم يتصور أبدا أن يعرض عليه هذا الأمر وهو محاط  بضباط بعيون زرق ووجوه عسكرية صارمة محتارة في التعامل مع هذه الوض النادر بصحبة مترجم يجد صعوبة في أقناعه بهذه المصاهرة المحرجة,في وسط كل ذلك طلب زينب الانفراد بأخيها 
 لساعة  بينما كان مارك متوترا ينتظر بقلق .انتهت تلك الساعة  بقول اخيهالها بحزن : لم يتبقى لكِ الكثير من الأحباء هنا يا زينب وأشعر بأن هذا الرجل يحبك فعلا واعتقد بانك ستعيشين سعيدة معه, سأوافق و أنا أعرف بان الكثيرين سيلومنني  لكني أريد لكِ  مستقبلا أفضل في بلد ربما ستكونين اكثر سعادة فيه, أذهبي وافعلي ما كتبه لك القدر  . شعرت هي و أخوها  بالارتياح حين ردد مارك الشهادتين أمام الإمام المسلم المرافق للفرقة  وبحثوا عن اسم جديد له .

 

 

                                          ***6***

الطائرة تحط في مطار نيويورك وزينب تحاول استيعاب كل معالم المطار في بلد كل شيء فيه  من الحجم الكبير . كان هناك بجوارها رجل يحمل كل سعادة العالم ويتمنى أن يصبها في قلبها, نظر نحوها وهو يبتسم ونادها :زينب ! نعم يا محمد ( ردت وهي تلتفت إليه بعفوية )

قال: أمريكا أخذت الجيوش كي تحتل بلدك وخاضت معارك كبيرة وأنت ألان تدوسين نيويورك وتحتلينها بالحب لا بالسلاح ! أجابته بابتسامة عريضة : حين نصل إلى البيت سوف أخبرك عن احد الغزاة وهو "جنكيز خان" الذي هرب  راكضا من بغداد إلى  سوريا يشكو حب  بغداد إلى أختها دمشق وبكى بين يديها وأعلن إسلامه هناك.

(31) تعليقات

الاغتيال

 


 

كانت عيناه تلمعان وهو يتسلم سلاحه الجديد, فقد انضم إلى هذه المجموعة للتو, كان ذلك إغراء ً شديداً لصبي لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد ,إغراء الصلابة التي يبعثها ذلك المعدن الأسودالمحمّل بالقوة التي يهبها لحامله .لم يتأخر عدنان في وضعه في خاصرته مقلدا من هم اكبر منه و محاولا تقمص تصرفهم حين يحصرون المسدس بين الخصر والحزام , مرفقا ذلك بابتسامة عفوية. فقد حقق حلمه الذي كان يولد كلما مروا أمامه مسرعين بسياراتهم الحديثة ووجوههم المقنعة .كان فتى يحمل في روحه شبق المغامرة المخلوطة بالرّعونة  و ادعاء الرجولة والانقياد إلى تلك الرغبة الجامحة وإظهار الولاء المطلق لأولئك الرجال الذين رحّبوا به بعد أن راقبوه لشهر كامل كي يزجوا به كدماء جديدة بينهم ." إيه كيف حالك يا عدنان؟"- سأله قائد الخلية الذي يحمل وجهه الكثير من القسوة التي حاول إخفائها بابتسامة غاب عنها شعاع الطمأنينة الذي كان يفقد خيطا منه مع كل ضحية من ضحاياه حتى تلاشى تماما" أنا  بخير" - أجابه عدنان بصوت حاول أن يجعله خشنا وقد شدّ على حنجرته محاولا إثبات أمرما لهذا المسؤول ,أراد ربما أن يثبت له بأنه ليس اقل كفاءةأوشجاعة من كل المحيطين به ممّن هم اكبر منه سنا .كانت هذه التصرفات مكشوفة لمثل هؤلاء الأشخاص الذين يلعبون مع الموت ويطعمونه الأبرياء كل يوم ، و في نفس الوقت كانوا يعرفون بأن عدنان سيفعل أي شيء من اجل أن يثبت لهم بأنه كفؤ حتى  يقبلوه ويعاملوه كما يتعاملون فيما بينهم, نظر ذلك الشخص باتجاه عدنان و الذي كان يمتلك لحية خفيفة ورأسا يشبه رؤوس الهررة وهو يجلس خلف منضدة  قديمة وتكلم قائلا :"تعال غدا إلى مكان مناسب كي تتمرن على استعمال سلاحك ولا تنس ما أخبرناك به من أن أي كلام يدور بيننا سيبقى سراً و أيشخص يحاول التخلي عنا سيكون مصيره معروفا . قال كلمته الأخيرة وهو ينظر بتركيز وتهديد في عيني عدنان الذي هزته بعنف  نبرة الكلام والنظرة و يبدو انّه ندم لوهلة. "نعم لقد فهمت" - أجاب عدنان  متمنّيا  أن يسُمح له بالذهاب ,فقد كان حضور ذلك الشخص طاغيا ويطحن أية شخصية ليست قوية بما فيه الكفاية لمواجهة تلك الأمواج الرّوحية المعقّدة تعقيدا وحشيّا والقادمة من صدره الواسع الحيوانيّ، لقد  سمحت له الجماعة بالمغادرة بعد أن وضعوا في جيبه مبلغامن النقود يكفي لشراء رصيد لتعبئة هاتفه المحمول ولتناول عشاء جيد .كان الفتى وقتها  قد قرر أن يخبر حبيبته التي تصغره بأشهر قليلة ,أنّه صار جزءا من أناس أقوياء يخافهم الجميع وانه الآن يمتلك سلاحاَ, وطبعا  سيكذب قليلا  ويبالغ كثيرا  ببعض الأشياء,  لعلّه قد يخبرها أيضا بأنهم توسلوا إليه كي يقبل أن يكون جزءً من مجموعتهم  فهم قد سمعوا عن شجاعته وجرأته  .

 تناول عشاءه ببطء  في المطعم القريب من منزلهم وهو يتحسّس مسدّسه كلّ دقيقه متمنّيا أن يقف وسط الشارع ويصرخ :"يا أيها الجبناء أنا صرت قويا واستطيع قتلكم  متى أريد، فعاملوني باحترام  و إلا...ثمّ طرد هذه الأفكار من رأسه  وعاد إلى منزله حيث كان زوج والدته غارقا في نوبة  من نوبات السكر العميقة التي تنتهي دوما بشتم والدته وضربها ...

و لحظة دخول عدنان  كان ذلك الرجل البدين في أوج  حفلة عربدته وبمجرد أن انتبه لوجود الفتى  وجّه  مدفع شتائمه باتّجاهه . ولقد كانت هذه هي اللّحظة التي كان ينتظرها عدنان ! فلم يتأخر في إخراج مسدّسه الجديد الذي كان لطلائه قدرة عجيبة على امتصاص الضّوء .

 لقد كان شعور عدنان شعور شخص يطارد فريسته منذ زمن طويل والآن حضي بها  فقد كان يتحمل الشتائم دوما ويدخل معه في مشادّات ومسك بالأيدي ويظهر له كرهه بشتى  أنواع التّعبير عن الرفض و الاختلاف ,ثمّ وجّه مسدسه وابتسامة غضب تلوح في وجهه الفتيّ ولكنّها اختفت حين أدار وجهه نحو والدته التي كان شعرها متناثرا على وجهها تجاعيد وجهها الأبيض المتالّم من صفعه قويّه تلقتها من زوجها . و لم ينتظر ابنها  أن تحكي له أيّ شيء  فهجم  مباشرة  وأمّه تصرخ صرخات هستيريّة متوسّلة إيّاه أن يهدّئ من روعه ،ولكنّه كان في عالم آخر ودخل في نوبة غضب. فقد كان عدنان من النوع الذي يفقد سيطرته على نفسه حين يغضب .

 ولم يتأخر كثيرا حتّى صفع وجه زوج والدته بجانب المسدّس ففقد ذلك الثمل سيطرته وتمدّد على الأرض مرعوبا ،خائرا كالثور ، متمتما بشتائم وعبارات مبهمة ممّا جعل عدنان ينهال عليه ضربا في هذه المرة بكعب المسدّس بحركة تعلّمها من إحدى أفلام المغامرات والعنف التي كان يدمن على مشاهدتها , و انتهى المشهد بوجه يغطيه الدم وعويل أمه .ثمّ ترك عدنان المنزل وهو يهدّد زوج والدته بأنه في المرة القادمة تكون عقوبته من فوهة المسدس مباشرة لا كعبه ....مر أسبوع كامل وقد كان يتلقى التوجيهات والتمارين على السلاح و كان يشعر بأنه أقوى  من الآخرين وقد تمرّس به أكثر فأكثر .. ولم يمرّ زمن طويل حتى تلقىّ  اتصالا من قائد المجموعة  يأمره فيها بالحضور سريعا إلى بداية الشارع حيث كان ينتظره بسيارة يركبها اثنان من مرافقيه لم يرهما من قبل. تفحصا عدنان بدقة قبل أن يصعد و ذهبا سويّا إلى منزل قريب من منزله وجلسوا في غرفة إحدى المنازل  قبل أن يتحدث  الرّجل ذو  رأس الهرّ عن الولاء مهدّدا إيّاهم بانّ كل من يحاول إيصال معلومات للجهات المعادية إنسان خائن، والخائن له عقوبة واحدة يعرفها الجميع .

خاف عدنان وغادر الدم شفتيه ووجهه ظانّاً بان الكلام موجه نحوه. فراجع نفسه سريعا وتساءل فيما إذا كان قد تحدث أو ذكر شيئا ما يخصّ ما يفعله معهم ولكنّه لم يكن يتذكر أي شيء من هذا القبيل ! و في نفس اللحظة التي توصّل فيها إلى تلك النّتيجة اخرج مسؤوله صورة لشخص أربعيني  عرفه عدنان مباشرة. فقد كان والد أحد أصدقائه في المدرسة  قبل مغادرتها . ثمّ التفت إلى مسؤوله وقال : "أنا اعرف ذلك الشخص "

, أجابه المسؤول ,إنّه خائن فنحن نظن بأنه وشى بنا لقوات الأمن ويجب أن ينال عقابه وأنت من سنفذ فيه العقاب , لا تخف فهو هدف سهل فهو يخرج كل يوم  بنفس الوقت  , ستركب دراجة نارية وستكون عند ناصية الشارع  منتظرا أن يفتح باب منزله خارجا بالسيارة  وتلبس قناعك واحذر أن يعرفك احد  وحين تقترب منه كن بجانبه وأطلق اكبر عدد من الطلقات عند الرأس والصدر وغادر بأقصى سرعة متوجها إلى مكان سيحدده لك احدهم  يوم غد صباحا  حين يسلمك الدراجة النارية التي جلبناها من مكان آخر  , أنا اعرف بأنك تجيد قيادة الدراجات النارية لهذا اخترتك.كان الرّجلان الآخران يراقبان فقط ولم ينطقا ولو  بكلمه واحدة .و أوصلاه إلى نفس المكان الذي أحذ منه. وعاد عدنان مشتت الانتباه والتركيز لا يعرف كيف يرفض أو ما يقول ولكنّه قد اختار طريقه فهو يعرف بأنهم سيطلبون منه ذلك يوما ما وكان كل اعتقاده بأنه سيكون معهم فقط كي يقوم بجولات في السيارة او يشتبك مع العدوّ بطريقة رومانسية . وهكذا حين يجرح ستحبه حبيبته أكثر وتنظر إليه كرجل وكذلك فان زوج أمّه سيخشاه حين يعلم بانتمائه لتلك المجاميع .وقد تمتم بينه وبين نفسه

" لم يعد هناك وقت للتراجع  سوف اثبت لهم باني شجاع ولن أخشى تصفيه احد".لم يستطع الّنوم بسهولة و بعمق فكان يصحو كل ساعة أو اقلّ من ذلك وقد كان  يتأرجح بين الحلم واليقظة فلم يتذكّر أيّ حلم من أحلامه سوى ما بقي منه من انطباعمزعج .لقد كان يبحث عن دلالة رمزيه علّها ترشده فيما إذا كان سينجح أم لا .دقّ هاتفه النقال عند الساعة السابعة  إلا الربع ,وقد  كان اتصالا متوقعا ومتفقا عليه مسبقا ....فارتدى ملابسه وحاول أن تكون من النّوع الشّائع عند الناس  عبر الباب متجاهلا سؤال أمه التي سألته بلهجة يائسة عن سبب خروجه المبكر برغم أنها كانت تحسّ بان هناك شيئا ما تغيّر في عدنان، شيء سيئ يمر به لأّوّل مرة. لقد كان المسدّس الذي يحمله دلالة مؤملة لها على ما انتبهت إليه...ركب السيارة مع احد أعضاء المجموعة بدون حتى أن يتبادل معه السلام  ثمّ أوصله إلى مكان منزو حيث كانت الدراجة تنتظره مع عضو آخر  اكبر منه سنا وأكثر تجربه  معطيا إياه تعليماته الأخيرة : لا ترتبك اضرب على الرأس والصدر  , غادر بسرعة , انسحب إذا رأيت بان الوقت غير ملائم   وأخيرا احذر من الهدف فهو  ضابط  . خذ هذا القناع واتجه نحو الطريق السريع وانتظر عند محطة الوقود كي تسلم الدراجة وتعود وستكون مكافأتك كبيرة ايّها البطل  ونحن سنكون قريبين منك لإسنادك  والآن انطلق .ركب  الدراجة على مهل ،وكان الوقت يمر بسرعة  غريبة ثمّ وصل إلى المكان ، ولكنّه التفت ولم يجد سيارة الإسناد , فلم يفكر طويلا. لقد لاحظ بان باب المنزل قد فتح وخرج منه شخص التفت يمينا ويسارا قبل أن يعود و يخرج سيارة  صالون بيضاء من الباب مثل جبل جليد يصعد نحو السطح شيئا فشيئا  . كان عدنان ينظر إلى الهدف من زاوية ميتة يصعب على الضحية رؤيتها , فركب دراجته وانزل قناعه الأسود وانطلق بها بعد أن تركها تعمل تحسبا لأي طارئ .

استطاع عدنان اللحاق بالهدف عند المنعطف . وقد كانت الشوارع شبه خالية لان الوقت كان مبكرا . فأدار مقبض البنزين بقسوة وهو يشدّ  على أسنانه مركزا على الهدف فقط وفي نفس اللحظة مد يده إلى المسدس المخبأ  داخل سترته القطنية السميكة . فاقترب كثيرا مسددا مسدسه نحو الرأس ولكنه فوجئ بان السائق غاص في مقعده مديرا عجلة القيادة باتجاه الدراجة النارية التي انقلبت بعد ضربة عنيفة من جانب السيارة  جعلته يتدحرج هو والدراجة التي كسرت رجله وشلت حركته ...

أصيب الفتى بالّرعب وهو يحاول أن يهرب وعيناه تتنقلان باحثتين عن سيارة الإسناد التي لم يظهر لها اثر .

 نظر إلى الأعلى كي يجد ضحيته قد أصبحت جلاده ووجهت مسدسا بلون الفولاذ نحو صدره وإصبعها يتحرك بحزم كي يضغط على الزناد.

 مر زمن طويل و كأنه عام وكان ذلك  كافيا بان يراجع نفسه للمرة الأخيرة.

 ها هو, شريط حياته يمرّ أمامه فارغا ليس فيه سوى وجه أمّه

 والفتاة الّتي يحبها..

 

(10) تعليقات

عناق

 

 

منذ سنين و أنا أتهرب منه, اليوم سوف أواجهه  لا بد أن اكسر الحاجز ...لن أخاف  , بعض الأحيان الهروب أقسى من المواجهة والاختباء اشد ذلا من الهزيمة, سأذهب  وليكن ما يكون , فكرت بكل هذا وأنا أزر قميصي المكوي بعناية , بحثت عن ساعتي  وأنا اردد: لن أخاف  سأذهب, مسحت نظاراتي الطبية وتأكدت من أوراق الهوية والنقود وهاتفي النقال  ونظرت نظرة أخيرة إلى انعكاس وجهي في المرآة  وخرجت ,  فتحت مزلاج الباب ...ترددت لحظة  ولكني عبرت العتبة بإصرار, مشيت في الشارع  ويدي تحيي شباب الحي الواقفين عند الأركان  ومفترقات الشوارع  والمحاصرين في مناطقهم بين العنف والهدوء الذي يسبقه..اشتريت علبه سجائر من  الرجل العجوز الذي ينصحني في كل مرة بان اترك التدخين والذي يهوى إسداء النصائح ,تركته ينصحني ومشيت وأنا أحاول الابتسام ..ليس هذا وقتك يا أيها العجوز ..أشعلت سيجارة وأخذت نفسا وكأني اشهق استعدادا للغوص , تاكسي !! توقفت السيارة أمامي بحزم وسائقها الشاب  ينظر ألي وهو مبتسم . لم أضيع الوقت بالسلام  و أطلقت عبارتي  في وجهه :إلى الأعظمية , لم يجب نظر إلي بنفس الابتسامة  وحرك سيارته بحثا عن زبون آخر ! حسنا بداية غير مشجعة . أما الثاني فقد أجاب بجديه أكثر : آسف عندي عائلة ! لم انجح بإقناع احدهم بالذهاب إلى هناك ولكن في النهاية احدهم  اقترح أن يوصلني إلى الشارع الرئيس القريب من مبتغاي  وستكون المهمة أسهل من هناك , على حد قولة, . كان الجو رائعا والشوارع مزدحمة , وصلت وصعدت مرة أخرى  إلى الاعظمية  ..سيارة الأجرة تخترق الدروب الافعوانية المليئة بالكتل الإسمنتية  والتي يحرسها رجال مسلحون بعيون مدججة بالشك , أيه..إنها الدروب نفسها التي  مررت عليها كثيرا حين كانت مدرستي هنا , حين كنت فتىً غضا  , لم أمر من هنا منذ أعوام, تغيرت الأشياء كثيرا  وآثار الرصاص والشعارات المقيتة المشطوبة  صارت و كأنها تشبه التجاعيد التي تملئ وجوه العجائز. بدأت الأيام ترجع مثل شريط مصور و بدأت أعود تلميذا في إعدادية الأعظمية ..هنا كنت انزل من الباص , هنا كنت التقي أصدقائي , على هذا المقهى كنا نجلس , من أطلال هذا المطعم الصغير كنا نشتري طعامنا البسيط  , هنا دق قلبي  حين مرت صبية بشعر اسود طويل كالأرجوحة وعينين كحيلتين ولكني اليوم لم  آتي إلى هنا إلا كي أواجه الخوف , الخوف من كل شيء و  من أي شيء , جعلت للخوف دلالة رمزية هي تلك الشوارع التي قطعتها إلى هنا ..الشوارع التي تثير أسماؤها الرعب حين أقف عليها  و حين اقطعها وأعود منها سالما ..حينها فقط أكون قد انتصرت, اليوم جئت كي الآمس أعمدة شارع عشرين , اليوم جئت كي احتفل بالمولد الذي يقام هنا في كل عام و توقف منذ سنين بسبب ما يجري,  ولكن اليوم ..الشوارع تمتلئ  لأول مرة منذ زمن طويل , الشباب يبتسمون بفرح مندهش مثل اندهاش سقوط الماء البارد على الرأس!, نزلت وقررت المشي , لم يسألني احد من أين أنت؟  كانت قلوبهم تستقبل الجميع  لم اعد أخاف , لم اعد انتظر أن اعدم  في احد الشوارع الضيقة بعد تحقيق سريع , هؤلاء هم الناس الطيبون الذين اعرفهم ! العاب نارية  بسيطة تطلق من أيدي الصبية  ودوي ازدحام الكتل البشرية التي كانت كلماتها تطير  يشعرني وكأني استمع لموسيقى, مشيت في وسط الزحام نحو مرقد الإمام أبي حنيفة حيث الاحتفال , كان الناس يبتسمون  ابتسامه من القلب ولكنهم لم يكونوا يبتسمون فرحا بسبب المولد فقط وإنما يبتسمون لأنهم انتصروا,  فقد كانت هذه الشوارع قبل زمن ليس بطويل شوارع أشباح والنفايات تملؤها ورجال ملثمون بعيون شريرة  يقفون عند المفاوز والمفترقات ,. أتطلع إلى المراهقات بمشيتهن  الخجولة  وقلوبهن التي ستمتلئ يوما بالحب وهن  يحاولن أن يجعلن أعمارهن تبدو اكبر ...إنها الحياة تعود  إلى هنا...الشموع و ألآس والحناء تملئ الشوارع وأصوت المناقب النبوية  القادمة من مكبرات الصوت تحيطنا بجو روحاني  ...كم كنت يائسا منك يا عراق!  كنت غارقا في الفرح الذي سيأتي والحزن الذي مضى  إذ سمعت من يناديني بصوت أجش! استدرت بوجل ..نظر شاب عملاق ,يبدو انه من سكان الحي, نظر  في عيوني مباشرة  وكأنه يريد أن يخترقها ..تقدم نحوي.... احتضنني ورفعني  عن الأرض  وضمني إلى صدره !!..وهمس انا خالد هل تذكرتني يا نبيل؟..وأجهش بالبكاء. 

 

 

(27) تعليقات

حين تكلم الاموات

 

مازلت أدور مثل المغزل في فراشي , جربت كل أوضاع النوم , أضع الوسادة على راسي ,ادفنه بين الأغطية , أغطي عيني بالمنشفة , لكن لا فائدة , ذلك المشهد يطاردني, يدخل علي من كل المنافذ كأنه نار مشتعلة في رأسي ويمر مثل شريط أمام عينيِّ المغمضتين. منذ ثلاث ساعات وأنا أصارع النوم ولكن بلا فائدة ,لا استطيع منع نفسي من التفكير به, كانت صورة العظام التي تنتشر قريبا مما تبقى من جسده الذي لم يتبقّ منه سوى جمجمة وعظام الضلوع المغطاة ببعض الخرق ,هي الأكثر ألما , لم اقدر على المقاومة أكثر فجلست على حافة السرير مركزا عينيّ على لهب الفانوس الذي صار رفيقا لليل بعد أن ترك التيار الكهربائي رفقته منذ زمن ,خاطبت نفسي مؤنبا إيّاها: كان من المفروض ألاّ انظر إلى تلك الصورة التي دعاني لمشاهدتها جاري الذي لا اعرف من أين يحصل على تلك الأشياء! , أرعبني منظره مرميا في أحد الشوارع حيث بقي حتى لم يبق من جسده سوى عظام. السؤال الذي ظل يطاردني ويحاصرني هو : أين ذهب الناس؟ بقيت اردد هذا السؤال مع نفسي بصوت مرتفع غاضب , حضنت راسي بين كفي ّ للحظات قبل أن استلقي مرة أخرى مفكرا باللاشيء لوهلة قبل أن ألاحظ تذبذب ضوء الفانوس الذي يستقر على الأرض عند زاوية الجدار, ولكن الريح في الخارج ساكنة ! تحركت نحو الفانوس كي أتأكد من أن فيه من الوقود ما يكفي. استغربت وأنا اجلس القرفصاء معيدا إياه إلى مكانه حين سمعت صوتا صدر من كل مكان في الغرفة ! صوت محسوس أكثر مما هو مسموع, قال: لا عطل بفانوسك إنها تموجات روحي. كان صوته يعكس ثقة رجل يعرف كل شيء. لم ارتعب ولكني كنت أحاول التأكد باني فعلا قد سمعت الصوت. أنصتُ مرة أخرى وأنا اسأل بتوجس وعيوني مفتوحة على أقصاها وأذناي تحاول سمع أي حركة : من ؟. لم اسمع سوى نبضات قلبي التي أخذت بالتسارع . حاولت شغل نفسي وأقنعها أن ذلك كان من بقايا النعاس وأحلام النوم  الذي أتى ومسني وذهب , ولكن الصوت عاد مرة أخرى سائلا بإصرار: هل أنت حزين اليوم ؟ . فكرت بان افتح باب الغرفة واركض هاربا ولكني حاولت أن أكون أكثر جرأة وأجيبه وأنا غير مصدق ,

- نعم أنا حزين ولكن ما أدراك ومن أنت وماذا تريد؟, سألته بارتباك حاولت جاهدا أن أخفيه.

- أنا اعرف الكثير من الأشياء لان الأرواح الهائمة ترى وتسمع وتراقب

 و تشعر بمن يفكر فيها .

- ولكني لم أفكر بك ولا أعرفك.

- لا تعرفني نعم ولكنك فكرت بي طويلا .

- حسنا ومن أنت ؟

- أنا من رأيت بقاياه في الصورة اليوم.

صدمت حين قال عبارته الأخيرة ! بقيت أعيد تفاصيل تلك الصورة المفزعة محاولا إيجاد رابط بين صوته و عظامه وحظر أمامي السؤال الذي كان يحيرني وكأنه جاء فقط كي يجيب عنه وسألته: لماذا بقيت كل هذا الزمن هناك حتى صرت عظاما مع انك كنت في إحدى شوارع المدينة وليس

 في مكان منعزل؟ وكذلك آمل  أن  تحكي لي قصتك .

صمت لزمن طويل حتى ظننت بأنه قد ذهب واني كنت أتخيل ما دار من حوار

 سمعت همهمة ما قبل الكلام و بعدها استرسل قائلا:

 

- كنت عائدا مع الآخرين في سيارة تحمل الكثير من الناس من طريق طويل , طويل جدا , أوقفونا , تطلعوا في أوراقنا دققوا في سحنتنا ولهجتنا , أخذوني مع آخرين

أدخلونا إلى الأزقة , كانت هناك نساء و كان هناك أطفال ينظرون إلينا من خلف الأبواب , الأيدي مربوطة والأعين معصوبة, , حاكموني على أشياء لم افعلها , قرروا إعدامي لان غيري عدوّهم , إطلاقة في مؤخرة الرأس , رفست ساقّي مثل ديك مذوبح , شتموني وابتعدت سياراتهم  كي يعدموا الآخرين .بعد أن حذروا الناس من دفني  بكت علي بعض النسوة ,و شعرت برغبة بالنوم , شعرت بالحرية لان الموت ولادة جديدة , جلست روحي

على الرصيف القريب تخاف أن تبتعد عن جسدي , صرت اسمع الكثير من الهمس وارى عبر الجدران ,حواسي صارت أقوى ! لحظات وجاءت أرواح أخرى تطمئنني بان كل شيء سيكون على ما يرام وأنهم ماتوا قبلي و لكنهم حسدوني لأنهم قتلوني سريعا , ظلت روحي تهيم عند المكان , كل ليلة أتعذب من الحزن و حين أعود أجد جسدي في مكانه, صرت احلق مع بقيه الأرواح مستقبلا الأرواح الجديدة , سماء بغداد تعجّ بنا هل تعلم ذلك؟ ,

- بماذا يفكر الرّجل قبل الرّصاصة؟ (سألته بطفولة)

- إذا كان متزوّجا يفكّر بزوجته وأطفاله وإن كان أعزب  فلا اعرف بماذا سيفكر لأني  متزوج.

- حسنا ولماذا أتيت إليّ ؟

- لأنه أسعدني أن أجد من يحزن من اجلي.

- هل ستأتي إليّ دائما ؟

- ربما سأستقبلك أنا يوما .

- ماذا؟ هل سأقتل؟

- وداعا هناك خمسة أرواح يجيب أن استقبلها أنا اسمع عويلها.

 

تركني وعاد اللهب صافيا ولكن روحي منذ ذلك اليوم ترتعش.

. 

(21) تعليقات

الملائكة يجلسون على الارصفة ايضا.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 
 

 

   إنه نيسان بصباحاته التي تبعث على الحبّ وشمسه الحنون  التي  تعبث بوجهي    وشعري مثل امّ   ناشرةً رماحاَ من الأشعة الصفراء و جاعلة دقائق الغبار واضحة  وهي تسبح ببطء , كان هذا في غرفتي التي تقع عند الطابق العلوي لمنزلنا  الواسع القديم الذي يحتاج إلى ترميم في الكثير من زواياه و المطلّ على الشارع الرئيس . كنت استمتع بدفئها و أنا اجلس قرب الشرفة التي تواجه الكرسيّ الذي اجلس عليه وأنا أتأمل ركبتي الملفوفة بعد أن طحنتها رصاصة في إحدى ساحات بغداد المليئة بالرصاص قبل أسابيع , كنت ألفها بعناية خوفا من التهاب الجرح وأنا أتخيل نفسي أعرج بمشيتي

 إذا ما شفيت وتركت العكازين.... المني ذلك كثيرا ...أخرجت علبة لفائفي المصنوعة من تبغ رخيص كي استمتع بأنفاس التبغ القوي الحار الذي

سيفسد رئتي يوما....أشعلتها وسحبت نفسا عميقا دخل إلى كل خلايا جسدي النحيل تطلعت إلى الشارع الذي يقع أمام الشرفة حيث السيارات تروح وتجيء و أنا أحاول توقع عمل كل سائق يمر, من اجل قتل الوقت الذي صار يعذبني بطئه وأنا اجلس وحيدا لا أقوم بشيء سوى التدخين وتناول الأدوية المرّة والتحسّر على عملي الذي باشرت فيه للتوّ وخسرته سريعا ... مرّت سيارة يركب فيها أربعة أشخاص بعيون قلقة..أظن بأنهم من المليشيات, مرت سيارة أخرى يقودها رجل عجوز بنظارات سميكة يعود تصميمها إلى الثمانينات..."ربما كان مديرا لمدرسة قبل أن يتقاعد فقد كان وجهه صارما", مرت سيارة أخرى ولكني تركت النظر إلى سائقها فقد جذب انتباهي شيء آخر ! انتبهت فجأة إلى جسد ضئيل يتكئ على جدار احد المنازل المطلة على الشارع واضعا أمامه قطعة مربّعة من الخشب بطول متر وعرض متر تقريبا ,مرفوعة عن الأرض بصندوق فواكه اسود اللون مصنوع من اللدائن وقد وضع على قطعة الخشب هذه أكياس شفافة بحجم الكف محشوة بالمكسرات .وكذلك كانت هناك أشياء أخرى غير واضحة المعالم من زاوية نظري . صدمتني رؤية تلك الطفلة التي تلبس معطفا قديما احمر يتماهى مع لون الشعر الطويل بعض الشيء و الذي يأخذ لون الحنّاء , كان هذا الجسد يحمل دفترا أو كتابا وينكس رأسه كل لحظة لكتابه شيء  وللنظر إلى الشارع مرة أخرى , كان من الواضح بأنه يكتب درسا , شعرت بألمين واحد في ركبتي وواحد في قلبي وأنا اردد مع نفسي

كم هي ملعونة الحرب...عصرت ذاكرتي باحثا عن صلة لهذا الملاك التلميذ

بأي شخص يذكرني ولكني عجزت ولكن ربما هو أو هي من العائلات التي

تركت منازلها وأرضها هربا من العنف والقتل ؟ ربما !! أشعلت لفافة تبغ

أخرى و نظري لا يزيغ عن ذلك المخلوق وقد رأيت مجموعة من أفراد الشرطة وهم يتجهون نحوه ويشترون بعض تلك المكسرات - ربما كي يكسّروا القلق والتوتر في ساعات دوريتهم المملّة الخطرة-....لم اعد أرى شيئا فقد أوقف أولئك الشرطة سيارة يقودها شخص ما وظلوا

يتحاورون معه ولم اعد أرى ذلك الطفل , بقيت أفكر بألم وأنا استغرب من نفسي فقد رأيت أناسا يقتلون أمامي ولكن لم احزن مثل حزني هذا على ذلك الطفل الذي يفترش الرصيف , قاطع تفكيري  صوت والدتي العجوز الحنون الحزين وهي تناديني مذكرة إياي بموعد تناول الدواء ...توكأت على عكازيّ المعدنيين الذين أصدرا طقطقة تذكرني بالعجز وبدأت انزل ماشيا بهدوء حذر خوفا من الألم الذي سيهاجمني بغير مجاملة إذا أخطأت أو سهوت

 في خطواتي ...وصلت إلى درابزين السلم المعدني الذي يحتاج إلى إعادة طلاء و توكأت عليه ممسكا بيدي الأخرى عكازيّ وبدأت انزل بحذر وأنا استند على ساقي السليمة ,وصلت حتى منتصف السلّم و رفعت رجلي من اجل خطوة أخرى وهنا شعرت بان ذراعا خفيّه دفعتني أو رفعتني بقوة نحو اللا مكان !! فقدت توازني وارتفع جسمي في الهواء وأنا امسك بيد واحدة بمعدن الدرابزين ولكني لم استطع أن امسكها أكثر لأني اضعف من أن أواجه تلك القوة فأفلتها منتظرا الألم القادم وأنا أحاول التفكير في نفس الوقت بما حصل ولكن الإجابة جاءتني سريعا مع صوت تحطم زجاج وصوت عملاق لانفجار هائل ! تذكرت أن الصوت يتأخر دوما عند الانفجار ويسبقه العصف! سقطت على درجات السلم الحادة المتثلمة وتدحرجت إلى الأرض وقد سبقني زجاج الشباك الذي يواجه الدرج وصراخ أمي المبحوح . كنت أرى الدم وهو ينزف من لفافة الجرح وأحس بألم وخدر في كل جسدي, شعرت بفزع شديد وأنا أحاول أن ابحث عن عكازيّ فقد تذكرت ملاك الرصيف! لم استطع النهوض ويدي تمسح على الأرض بيأس باحثا عنه.. بكيت بألم وصمت و أنا أتخيل الملاك يترك الرصيف محترقا نحو السماء .

 


(47) تعليقات

بساتين

 

 

كنت أجر خطواتي و أنا اشعر بان وجهي يشتعل من الحمى المترافقة مع حساسية القصبات الهوائية التي تتهيج مع أي نسيم لعطر أو دخان لفافة تبغ أو حتى بخور..آه من أمراض البرد كم هي مزعجة وبالأخص هذه المرة حيث كان المرض شديدا. الليل يقترب من الانتصاف وأنا أضع جسمي المحموم ورأسي الذي يدور على فراشي الوثير وصوت الريح المصحوبة بمطر غزير تعصف خارجا و زخات الماء تضرب زجاج النافذة بحركة موجيّة متناغمة مع مد الريح وجزرها,كنت اشعر بفقدان التوازن حتى وأنا ممدد. بقيت على هذا الحال لساعة كاملة فمرة اشعر وكأني أقع من السرير إلى الأرض ومرة اشعر باني اهبط تحته ,لم اعد احتمل تلك الخيالات التي ترعبني فتناولت حبوبا مهدئة نصحني الطبيب أن اخذ واحده منها عند الضرورة علها تساعد على أن يكون صدري أكثر عقلانية و أقل حساسيّة و أن يستقر راسي ولكني كنت وكأني أريد أن أعاقب ذلك الشعور المملّ بعدم قدرتي على النوم أو على القيام بشيء آخر غيره فأخذت قرصين ..بعد ربع ساعة ازداد دوار راسي ولكن هذه المرة أصبحت أرى الأشياء تتحرك وجسمي يتحرك وكأني

في الفضاء أطير...أطير ..صار جسمي خفيف الوزن ويسبح في الفراغ مثل فلينه في نهر أو مثل حبّة لقاح يحرّكها الهواء.أزحت الغطاء عنّي وتوجّهت نحو النافذة وأنا أتأرجح, فقد سمعت شيئا غريبا!, أصوات حصى صغيرة تضرب شباك الغرفة! ,كنت أظنّها في البداية بعض البرد المتساقط والمترافق مع زخّات المطر ولكنّه كان صوتا منفردا لحصاة واحدة كل مرّة !,وصلت

 إلى النافذة بصعوبة وبعد أن صدمت الكرسي الذي كان في الطريق ,وصلت أخيرا و قرّبت وجهي من الزّجاج حتى التصق  به , حدّقت جيّدا بتركيز فرأيت شكلا قاتما يقف أمام باب المنزل وترافق تحديقي له مع وصول حصى صغيرة إلى زجاجة النافذة أصابت الزجاج فجفلت بصورة غريزية و لم أسيطر على توازني فسقطت فقد كنت أطوف ولم تكن ساقاي تستقران على الأرض وكذلك لأني تخيلت بان هذه الحصاة ستصيبني ! وقفت بصعوبة وأنا اتكئ على الأثاث محاولا أن أقف على رجليّ مرة أخرى كي أعرف من هذا الذي لا يدق الباب كي يناديني ويرمي بعض الحصى بدلا عن ذلك؟ نظرت مرة أخرى بعد أن استندت على الزجاج ووجدت ذلك الشيء يشير إلي بالنزول! زدت من ارتفاع فتيلة الفانوس الذي أضعه على منضدة قريبة والذي استعمله عادة حين ينقطع التيار الكهربائي وكذلك نكتفي به بدل تشغيل المولدات التي تحتاج إلى عناية ونقود ,ولكن من ذلك الشخص ؟ تخليت عن حذري الذي اكتسبته من مئات القصص التي اسمعها وأعيشها ووضعت على ظهري عباءة كانت لجدي , كان قماشها سميكا ومصنوعا من الصوف ومبطنا من الداخل بفرو ناعم بطراز بغدادي مميّز , تدثرت بها ولم أضع شيئا على رأسي ,نزلت بصعوبة وأنا أتوكأ على درابزين السلّم والمنزل كله يدور أمامي وظلامه المبدد بخجل بفعل فانوس واحد وضع في إحدى الزوايا القريبة من السلم يجعلني أدوخ  أكثر  , وصلت إلى الباب وفتحته بصعوبة ومعاناة فقد كانت  فتحة القفل تدور أمام عيني مثل دولاب . فتحت الباب بهدوء فواجهت شكلاً قاتماً لرجل طويل ضخم, وجهه بلا ملامح ولا ينعكس منه الضوء برغم أني قربت منه الفانوس و لكن وكأن جسده كفراغ ٍ اسود! .كانت ملابسه غريبة لم اعرف تفاصيلها فقد كان كل شيء فيه قاتم , شعرت بالرعب ولكني كنت منشغلا بسؤال نفسي عن ذلك المخلوق الذي لم يضيع الوقت وقال لي مباشرة بصوت أجش كأنه قادم من عمق التاريخ: أنها تريدك.

.

- ولكن من هي ؟ أخرجت تلك الكلمات بصعوبة وكأن شفتيّ لا تطاوعاني على الكلام!

- تعال معي وستعرف ,رد علي الرجل , بنفاذ صبر و سحبني

من يدي وأنا فاقد للمقاومة و مستند على يده العملاقة سائرًا بدون

 أن استطيع عمل شيء أو حتى الاعتراض, كان همي منحصرا في كيفيه الحفاظ على نفسي واقفا كي لا أقع على إلا رض المبلّلة بعد أن سحب ذلك المخلوق يده وتركني امشي خلفه وحيدا وكأني مسحور , كان الماء يغسل وجهي ويملأ العباءة بالماء و برشقات المطر التي أكسبتها الريح قوة

 في اندفاعها تصفع وجهي بلا رحمة ..لم استطع مواصلة الحفاظ على خطواتي فقد عادت الأشياء تدور من حولي والماء يبلل جسمي , صار الكون كله يدور أمامي فاستسلمت وتمددت على الأرض وأغمضت عيني بلذة ,

لا أعرف كم مرّ من الوقت ولكني وجدت نفسي في سرير دافئ فيه فراش وثير وضوء خافت ينير غرفة مطوقة بزخرفة عربية دقيقة مليئة بأثاث غريب لم أر مثله إلا في المسلسلات والأفلام التاريخية! كان السرير جلّه من خشب مصبوغ بلون القهوة ومصنوع بحنكة و مزخرف بزخرفة إسلامية وموضوع عليه وسائد بقماش لامع ابيض مقلّم بخطوط زرقاء وفي طرف كل وسادة خيوط فضيّة تمتدّ بطول شبر تقريبا تنتهي بخصلة ذهبية كثيفة, لم أر جمالا كجمال هذه الوسائد ونعومتها! كانت الغرفة مضاءة بمصابيح تشبه تلك التي تعمل بالزيت وكانت تلك المصابيح المصنوعة من النحاس تتدلى من السقف بواسطة سلاسل رفيعة, أمّا الأرض فكانت مفروشة بفرشة رائعة تشبه تلك الفرش الفارسية الثمينة بنقوشها التي تثير الدهشة . كان يتوسط تلك الغرفة الكبيرة منضدة دائرية بنفس لون باقي السرير و كان يستقر على تلك المنضدة إبريق كبير من الفضة وبجانبه ثلاثة كؤوس من نفس معدن الإبريق يتخلل هذا كله صوت لتصادم أشياء معدنية لم استطع تمييزها, كان هذا الصوت يتكرر بانتظام , مسحت الغرفة بنظري سريعا حتى وصلت إلى نهايتها فرئيت ضوءاً قويا بعض الشيء استغربت لعدم انتباهي له ! , كنت ما أزال أعيش ذلك الدوار المزعج ولكني ركزت و دققت جيدا فترآى لي وكأني أرى امرأة ! نعم امرأة تمشط شعرها أمام مرآة وظهر هذه المرأة باتجاهي.

 لم أكن أرى التفاصيل بدقة. تأكدت بأني لست في منزلي أو في أي منزل آخر اعرفه ! ولكن أين أنا يا ترى؟ قررت استكشاف المكان , رفعت الغطاء الأبيض المصنوع من القطن والذي كان مميزا ووضعت رجلي على الأرض

 و فوجئت باكتشافي الملابس التي ارتدي ! فقد كنت البس ثوبا من قماش ناعم جدا كان ثوبا رجاليا مطرزا من الأمام تطريزا رائعا بخيوط ذهبية سميكة تستقر ببراعة على قماش الثوب الرمادي وكانت أكمام الثوب العريضة مطرزة كذلك , كان كل شيء هادئا عدى أصوات الرّعد وأصوات سقوط المطر المتواصلة , كنت في تلك اللحظات قد تحسنت قليلا , مشيت بهدوء نحو تلك المرأة التي كانت تمشّط شعرا طويلا يصل حتى أردافها …وصلت منتصف المسافة حين باغتني صوت تلك المرأة سائلا بدون أن تدير رأسها أو تتوقف عن تمشيط شعرها.

- المرأة: هل مازلت تشعر بالدوار ؟

كان صوتها غريبا لم اسمع بمثل طبقته من قبل, صوتا أنثويا ناعما ولكنه مليء بالثقة ويصل إلى مسامعي على شكل موجات تتأخر الواحدة

عن الأخرى بفاصل زمنيّ ثابت حتى خُيل لي بانّ ما يصلني منها هو حروف تدخل بالتتابع إلى أذني كي تتكون بعد ذلك ككلمة , كانت تستعمل مشطا عاجيا تدفعه في شعرها نازلة به نحو نهاية شعرها الطويل الذي كان يلمع وكأنه مبلول بالزيت ,كان المشط ينزلق وعرفت حينها سبب تلك الأصوات المعدنية التي سألت نفسي عنها حين استيقظت فقد كانت أساورها الذهبية تملا الغرفة بالرنين حين تحرّك يدها ممشطةً ًشعرها! , وضعت المشط على المنضدة التي أمامها ووقفت فغطىّ الشعر ظهرها, انحنت أمام المرآة وهي تعدل شيئا ما

 في وجهها و تتحدث إليّ وتقول : أحبّ أن أمشّط شعري بيدي ولا استدعي الوصيفات اشعر بالراحة حين ينزلق المشط بسلاسة فذاك يشعرني بانّ كل شيء على ما يرام , كانت تتحدث العربية الفصحى بتلقائية ! أما أنا فقد تسمرت وسط الغرفة فقد اختلطت علي الأمور!

فتحت تلك المرأة باب الغرفة الخشبيّ الكبير المزخرف بالمعادن . وأمرتني بان اتبعها, سرت في دهليز تنيره مصابيح مصنوعة بنفس الطريقة التي صنعت منها مصابيح الغرفة الأولى. بقيت أتأمل نقوش السقف وزخرفته كانت النقوش رائعة , ولم اشعر إلا وأنا ادخل إلى قاعة أكبر و إضاءتها أفضل من إضاءة الغرفة التي وجدت نفسي فيها أول الأمر وكان يبرز من احد جدران الغرفة موقد ينير جزءا منها ويطقطق فيه الحطب, ما أروع حرارة نار الموقد حين يكون الجو في الخارج مخيفاً !, جلست تلك المرأة على أريكة تقابل النار التي تشع دفئا, مشيت نحوها وطلبت مني بإيمائه تليق بملكة

 أن اجلس على الكرسي الذي يقابلها . أنا ألان أراها جيدا فهي تجلس تحت ثلاثة مصابيح متجاورة وكأنها تتقصد أن تجعلني أراها بشكل أوضح ,كانت تلبس ثوبا بلون السماء بأكمام واسعة ونقوش مطرزة بخيوط ذهبية وفضية . أطرافه ترفرف وكأن هناك نسيما يداعبه ولكني لا اشعر بأي تيار هواء ! كانت أطراف شعرها ترفرف أيضا , كان شكلها ضبابيا بعض الشيء ولكنه يوحي بأنها امرأة تجاوزت الخامسة والعشرين بقليل, كان بياض بشرتها خرافيا وأصابني بالذهول !, وجهها بيضوي يحمل الكثير من الحزن , تملك عينين واسعتين سوادهما وبياضهما متباينان بشكل صارخ , رسم الكحل عليهما أصابع فنان فكأن الكحل الذي يغطي جفونها مسحوب مثل جناح عصفور يريد ملامسة الصدغ , لم أر من قبل امرأة تتكحل بهذه الطريقة الرائعة, اقتربت منها أكثر وتأملت يديها المحملتين بالأسوار الذهبية المصاغة ببراعة , وأظافرها التي تطول قليلا جاعلة من يدها قطعة من الخيال , كانت تضع خلخالا من الذهب المطعم بالفظة على ساقها, مجملا قدمها الصغيرة المرسومة والتي تشع بياضا , أصابتني رعشة فأنا لم اسمع ولم أر امرأة تحمل كل هذا الحسن وكذلك لم اسمع بمكان أو أر مكانا يشبه هذا المكان!كنت أريد أن اسألها بوقاحة عن سبب جلبي إلى هنا وكذلك عن اسمها ولكن من الصعب أن يكون الرجل فضا مع امرأة كهذه ,ابتسمت مظهرة أسنانا بيضاء مقطوعة بخط مستقيم , يحتويهن فم صغير بشفاه وردية مكتنزة , كانت وكأنها تقرا أفكاري حين كنت أفكر بأنه ربما سيفتقدني أهلي وأردفت قائلة : لا تخف لن يقلق عليك أو يشعر بغيابك احد.

ولكن من أنت وما هذا المكان الغريب وماذا تريدين مني ؟ (سألتها بصبر نافذ)بعد أن أكملت سؤالي حضرت خادمة تلبس ملابس من طراز قديم أيضا وقدمت لي شرابا حلو المذاق لخليط من الفاكهة وكان لذيذا فعلا , انسحبت تلك الخادمة بإشارة من يد تلك المرأة التي لم اعرف اسمها إلى حد تلك اللحظة. كنت اشرب العصير وأنا أحدق فيها منتظرا إجابتها

و خصل شعرها وأطراف ثوباها مازالت تطوف في الهواء و ترفرف ببطء

أجابت وهي تركز عيونها الساحرة في عيوني : عندي أسماء كثيرة وقبل أن تذهب سوف أخبرك بأعزها على قلبي ولكن ألان سمني بساتين, أما سبب إحضارك إلى هنا فهو أني في بعض الأحيان اشعر بالضجر والحزن واحتاج إلى أنيس ولا تظن بأن كل شخص استأنس به ولكن ربما لأني أعرفك .(هنا أنا استغربت فأنا لا أتذكر باني تعرفت إلى امرأة بهذا الجمال(

_ سألتها بتوجس؟ : هل أنت جنية ؟

ضحكت بصوتها الذي سيتعصي علي وصف رقته وعذوبته وقالت :كلا أنا لست من الجن ولست من البشر ولا تلح كثيرا في سؤلك هذا فستعرف لا حقا من أنا. بقيت أتأمل الغرفة ولاحظت وجود المرأة التي قدمت لي العصير وهي تقف بصمت في إحدى زوايا الغرفة وبعد ذلك التفت إلى مضيفتي ,سألتها:

_ كيف تقضين وقتك هنا؟

_ قالت :عندي الكثير من الأشياء التي أقوم بها , أشياء لا يمكن أن تفهمها ولكني في بعض أيام السنة أكون كما تراني ألان وعندي هيئات أخرى ,

 لم افهم ما تقصده ولكني كنت أتأمل وجهها

كان وجهها الجميل حزينا وصوتها العجيب حزينا وكانت عيناها الواسعتان حزينتين أيضا , كنت أفكر بأن اسألها عن سبب حزنها ولكنها كانت تقرأ أفكاري دوما!

فقالت : اعرف بأنك تفتش عن سبب حزني وانك للان لا تعرف أين أنت وما الذي جاء بك . التفت إلي ونظرت مباشرة في العيون مرة أخرى وقالت: هناك أشياء ستعرفها ألان وأشياء أخرى ستعرفها على مهل... ولكن نعم انه الحزن

فكلما زاد عدد الحزانى في هذه المدينة ازداد حزني , فشراييني أنهارها وشعري ليلها ووجهي سماؤها ورئتاي حدائقها و ذراعاي مآذنها,.

 

حين كنت اسمع كلامها ووصفها نزلت دمعة من تلكم العينين الرائعتين ولكنها ظلت تسترسل في كلامها فقاطعتها وقلت ما هذه الدموع هل تذكرت شيئا فأبكاك؟

_ هي : لا ولكن مات ألان عشرة من أبنائي... عندي الكثير من الأبناء وكانت دموعي في بعض الأيام تجري لنهارات ! ( أصابني الذهول فكل شيء غريب في هذه المرأة متى تزوجت متى أنجبت كل هذا العدد؟!)

عدلت من جلستها ومدت يمينها نحو أبريق من الفضة وملأت لي قدحا مذهبا بزخارف أنيقة,

خذ اشرب,

كان هذه المرة شربا حلوا له طعم العسل ولكنه ليس عسلا و كان لذيذا

ولم اعرف ما هو ولم اسألها,

بعد أن أكملت شرابي قالت أتعرف لماذا أحضرتك أنت بالذات؟

سألتها : لماذا؟

هي: لأنك تحب مدينتك وتحب الناس واخترت أن تبقى فيها ومعهم برغم الحزن وبرغم الموت وبرغم أن هناك أماكن جميلة خارج أسوارها تنتظرك وتفتح لك ذراعيها وكنت ترى مراكب الحلم الجميل في نهر الرحيل تمر بك وتتركك بعد أن تتعب من ندائك وهي تلوح لك ولكنك لم تجبها ولم تركب....أنا اعرف بان أصدقاءك ركبوا هذا المركب فصرت وحيدا.

أنا : ولكن لست وحدي من يحبها ! هناك ربما من يحبها أكثر مني وهناك من قدم روحه من اجلها!

هي : نعم وأنا اعرف بأنك مستعد أن تقدمها أيضا , ولكن روحك كانت تشع بالحب دوما ومن اجل هذا وغيره أحببت أن أتحدث إليك قليلا وابعد حزني . تحدثنا في كل شيء ولكن ما أثار استغرابي هو أنّها كانت تعرف الكثير من الأشياء وتعرف التاريخ يوما بيوم ! لا اعرف كم بقيت معها وكم تحدثنا ولكن الوقت كان يمر معها بسرعة وبعد أن أنزلت عيناها الواسعتان دمعتين أخريين وقفت بساتين وقالت: ألان ستعود إلى مكانك ولكن قبلها سأخبرك من أنا ولكنك لن تسمعني الآن , ستسمعني بعد أن تستيقظ , انحنت نحوي وكان عطرها الهادئ قد انحنى قبلها وهمست في أذني شيئا لم اسمعه ولكني شعرت بتحرك شفاهها فقط , ابتعدت عني خطوة

وبهذا فهمت بأن اللقاء قد انتهى, مدت يدها العطرة إلى عيوني فعاد الدوار والتحليق وجاء إلي نفس الرجل القاتم و امسكني من يدي ولم اشعر إلا وأنا أقف عند باب منزلي وبيدي الفانوس والسماء تمطر بغزارة فدخلت مرة أخرى وكان الباب مفتوحا كما تركته فقفلت راجعا وصعدت إلى غرفتي بصعوبة ,رميت العباءة وتدثرت ونمت ...لم انم بهذا العمق من قبل ,كان نوما صافيا مثل البلور..بقيت نائما حتى وقت متأخر من الصباح و زقزقة العصافير تعلن ولادة يوم صافٍ جديد وأشعة الشمس تدخل عبر زجاج النافذة وتستقر على وجهي وأنا أحاول استذكار ما جرى الليلة الماضية حين رأيت العباءة الصوفية مرميّة على الأرض وبدأت أتذكر بصعوبة كل التفاصيل ولم أكن اعرف إن كان ما مرّ بي حلما أم حقيقة؟ بقيت أتذكر حتى وصلت إلى وعد تلك المرأة لي بأنها ستخبرني عن اسمها الحقيقي ولكن بعد أن استيقظ سأعرف من هي وهذا ما وعدتني هي به ...ركزت بشدة وأنا أحاول أن اسمع شيئا قد يكون مخزونا في زوايا أذني وفي تلك اللحظة بالذات صرت اسمع تلاميذ المدرسة القريبة وهم يرددون نشيدا يبدأ باسم بدا وكأنه الوفاء بوعد تلك المرأة التي أخبرتني باني سأعرف اسمها حين استيقظ ...كانوا يرددون ذلك النشيد بأعلى أصواتهم والذي يبدأ ب...بغداد.

  

(24) تعليقات

أشــــــياء ...لايقتلها الرصاص.

انه تشرين الثاني الذي بدأ يبشرنا وكأنه يقول: افرحوا يا أيها البسطاء  الصيف قد بدأ يلملم بقاياه كي يرحل عنكم !   أيه أيها الصيف كم عذبتنا ؟ لن نقلق كثيرا بعد اليوم إن غاب عنّا التيار الكهربائي ...كنت اردّد هذه العبارة وأنا أتوجه إلى المرآب العام القريب من منزلي ,لم أكن أريد أن اصعد سيارة أجرة لأني كنت اشعر برغبة جامحة بان أكون بين الناس, أن اشعر بازدحام الأجساد… كنت عطشا لطاقتهم الروحية التي ستروي مسامات جلدي التي تعودت على الوحدة  بعد أن صرت أتجنب كل شيء مزدحم خوفا

 من كافة أنواع الخطر التي تترصد الجموع  .

انه التفاؤل وكأني أرى الناس ما بعد الطوفان وهم يتّشحون بابتسامة حذرة ,حتى طريقة سيرهم صارت أكثر وثوقا وأجسادهم أكثر استقامة  بعد أن كنت أتخيلهم وهم يمشون بأنحناء كعادة البشر حين يشعرون بخطر كامن لا يعرفون مصدره.....أراهم وكأنهم خارجين من ملجإ غابوا فيه وخرجوا الآن كي يحسبوا خسائرهم بحذر خوفا من تجدّد الخطر . صعدت إلى الباص الذي كان متوجّها إلى مبتغاي كانت السيارة عبارة عن حافلة تستوعب أكثر من عشرين راكبا  وكنت أوّل من صعد إليها وجلست في مكاني المفضّل قرب النافذة, صعد بعدها رجل ستيني، والذي كما يبدو أنّ قد توقف عنده الزمن

 في مرحلة من مراحل رجولته! فقد كان شعره الأبيض مصفّفا

على طريقة أبطال أفلام السّتينات ويلبس ملابس رسمية بهت لونها  ونظارات بإطار سبعيني بلاستيكي اسود اللون  تغطي جزءا  كبيرا من أعلى وجهه وكذلك يلبس ساعة معدنيّة كبيرة الحجم بتصميم قديم ولكنها كما يبدو أنّها مازالت تعمل بكفاءة حتى اليوم , الشيء الوحيد الذي كان يؤكد أنه ينتمي إلى هذا الزمن هو حذاؤه لأنه من الصعب المحافظة على الحذاء لفترة طويلة مع الاستعمال ....بدأ الناس بالتوافد , كان هناك أناس من كل الأصناف والأعمار , راقبتهم بشغف ... كان اليوم هو يوم الجمعة ورغم ذلك فان الشارع كان  مزدحما. كان الطّريق مليئا بالكتل الإسمنتيّة التي تحدّد الشارع الرئيس وتمنع عنه الشوارع الفرعيّة ..كان الشارع مزروعا بعدد لا نهائي من رجال يلبسون ملابس الحرب وعيونهم متحفّزة, توقفنا عند الإشارة الضّوئية حيث الكثير من رجال الجيش. بقيت مركّزا على أحدهم , كان يلبس ملابس عسكرية  أنيقة  نظرت إليه طويلا عبر الزجاج ...كان رجلا في الثلاثينات وهو يلبس نظارات شمسية على الطراز الأمريكي وخوذة مغلفة بقماش مرقّّط وسلاحه يتحوي على مخّزنين مربوطين بشريط لاصق بصورة متعاكسة وهذا يدل على انه خاض معارك وقدّر قيمة الرصاص ويعرف بأنه  قد يواجه وقتا لا وقت فيه كي يخرج مخزنا آخر من الجعبة التي يحملها على صدره ..نظرت أكثر إلى حذائه العسكريّ الأصفر برقبته الطّويلة وتأمّلت تجهيزاته العسكريّة وتبادر إلى ذهني فجأة صورة ذلك الجنديّ الذي التقيت به قبل الحرب في مكان تجمّع الحافلات الرئيسيّ حيث يسافر الناس إلى بقية أجزاء العراق والذي طلب  منيّ بعض النقود كي يلتحق بالفرقة التي ينتمي إليها, كانت ملابسه تشبه ملابس الجنود !   أردت أن انهره  ولكني تذكرت بان راتبه لا يتجاوز سعر أربع علب سجائر مستوردة  فندمت على مجرّد تفكري بان أؤذيه بكلمة فأعطيته نصف ما أحمل ورحل  وكنت اشعر بالحزن  سائلا نفسي : كيف سيواجه هذا الإنسان المنكسر جنود العالم الأوّل؟....تحرّكت السّيّارة تشقّ دربها وسط الزّحام  وأنا  اقرأ بعض شعارات ممسوحة بطريقة لا مبالية  كتبت على تلك الجدران ,كان معظمها يمجّد بعض المليشيات ويلعن الأخرى ومنها من يتوعّد المتعاونين والخونة  و كلها كانت تحمل طابعا دينيا  أو تحاول ذلك . كانت  كتابات متناقضة ولكن يجمعها شيء واحد هوأنّها لا تتوعّد الأمريكان بسوء!  مررنا بمناطق كانت محرّمة حتى وقت قريب كانت تلك المناطق مزدحمة بالعمارات التي شوّهت وجهها مئات النقرات

 و الفتحات الصّغيرة المحاطة بهالة سوداء بسبب تلك الرّصاصات التي تنطلق من الرّشاشات الثقيلة...كان منظرها قبيحا ويعصر القلب ولكنّي سرعان ما فرحت حين رأيت سكانها يكنسون الزّجاج والبقايا وهم يبتسمون بتفاؤل برغم كل الخسارة ,تذكرت لبنان ,....وصلنا أخيرا إلى موقف الحافلات الرّئيس والذي كان مزدحما بصورة تثير الاستغراب, تمشّيت إلى هدفي ..إلى شارع المتنبّي حيث تتنفس الثقافة هناك , كان باعة الكتب يبتسمون وخلفهم تتكوّم الأنقاض التي أهداها لهم آخر انتحاريّ مرّ من هنا....كانت هناك مسرحيّة تعرض قريبا من الأكوام, مسرحيّة تصف الخراب وتتوعّد بالانبعاث مرّة أخرى كان هناك مئات المشاهدين من  المارّة . دخلت وسط

 ذلك الجمع وشعرت بهم لم اعد اشعر بالوحدة أو الغربة  ! كان الجميع يراقب بشغف ويصفقون تصفيقا مدويّا عند كلّ كلمة تعجبهم   غمرتني السّعادة وألهبني التفاؤل كثيرا  وأنا اخترق الناس المتكدسين ,شعرت بالتواصل مرة أخرى آه كم هو قبيح أن نعيش وحيدين دون أن نشعر بأناس آخرين, أناس لا نعرفهم وهم يقفون بجانبنا يلامسوننا بلا قصد نشعر بأنّ أرواحا جديدة تلامس أرواحنا...لم اشتر شيئا لأني جئت اليوم كي أرى الناس فقط ,  كانت هناك تلال من الكتب المستعملة على شكل أكوام وهي تباع بأسعار زهيدة. كان الناس هناك يتلمسون طريقهم بشجاعة بعد أن عاد الأمان إلى هذه السّوق , يمشي الناس وكأنهم يحتفلون احتفالية الربيع ما بعد شتاء قاسٍ ...تناولت بعض الطّعام من مطعم  شعبيّ نظيف يقدّم طعاما عراقيا شعبيا في وسط السوق ...كنت  أتناول طعامي  بتلذّذ وأنا أتأمّل مكان شظية اخترقت بابه الرئيسي , تركت السوق وتوجهت عائدا إلى المنزل وأنا احمل معي الفرح والتفاؤل بالمستقبل ...عدت مرة أخرى إلى المرآب الرئيسي صاعدا  حافلة أخرى كي تقلني إلى منزلي ,جلس إلى جواري شاب تنعكس على وجهه الجديّة والمثابرة والعمق ..قرّرت استكشافه...كان يحمل بيده مستلزمات دراسيّة تدلّ على انه سيكون مهندسا يوما ما..يلبس ساعة رقميّة وهذا يشعرني بأنه لا يهتم كثيرا بالأناقة...شعره مصفف دون عناية كبيرة وعيناه تنظران بتركيز إلى اللاشيء....كانت لحيته قد بدأت توّا بالاخضرار، بوجهه ملامح ناعمة ..رنّ هاتفه النقال فأجاب بكلمات خالية من المجاملة ...تركته وأدرت راسي باتجاه الشارع  , كان صوت المحرّك تلك الحافلة يتصاعد  منبئا بحدوث عطل فيه والأبخرة تتصاعد منه. اخذ السائق مكاناً على جانب الطّريق وطلب منا النزول بعد أن أعاد لنا نصف ما دفعناه له , وقفنا

 في الشارع بانتظار أن تمرّ سيّارة أخرى كي تقلنا ...كان الشارع مزدحما ولكن فجأة توقف سيل السيارات كي تظهر محلّه سيارة مدرّعة من كلّ الأنواع تطلق صفّارات مزعجة..دقّقت النظر فتبيّن

 أنّ هناك شخصا مهمّا يمرّ من هنا ..كان رجال الحماية يخرجون رشّاشاتهم من كل الفتحات وأناملهم على الزّناد ينتظرون لحظة مرّوا بها كثيرا ....لحظة سيضغطون بها على ذلك النتوء المعدنيّ الصغير الذي يدعى الزناد ...كنت وبقية الركاب الغير محظوظين نقف على رصيف الشارع الرئيسي وخلفنا مباشرة هناك تقاطع  ففوجئنا بسيّارتين من تلك السيارات الحربية تقف أمامنا مباشرة  قاطعة ذلك الشارع ومغلقة التقاطع وعيون راكبي تلك السيارات تنظر إلينا بشكّ ...هنا عرفت من خلال خبرتي البسيطة بأنّ  هؤلاء الّرجال مستهدفون  وإذا استثيروا فقد يحرقون الأرض . فتزحزحت قليلا  ولم أكمل بعد خطوتي الثالثة حتى سمعت صوت ارتطام  شيء ما بالأرض! بعد ثانية سمعت صرخة ألم فالتفت بشكل لا إرادي كي أرى ذلك الشابّ الذي كان بجواري في الحافلة والذي كان يقف خلفي مباشرة في ذلك الشارع   وقد سقط على الأرض وبقعة دم تغطي صدره... نظر في عيني وكانت عيناه الحازمتين تسيل منهما نظرة توسّل وهو يصيح يا إخوتي لا تتركوني !! صرخ صرخته حين رأى  الجميع ينسحب بغريزية عن المكان بعد أن ظنّ الجميع بان أولئك الرجال المدرّعين هم  من أصابوه ولكن  حين صاح  احدهم :قناص !! عرفنا القصّة كلّها  .ركضت إليه دون

 أن أخاف

 من رصاصة أخرى وقد سبقني شابّ آخر حملناه بعيدا وأزيز الرّصاص مارّ من فوقنا  عرفنا بأنهم عرفوا مكان إطلاق النارفأخذته سيارة الشرطة الى المستشفى وانا عدت الى المنزل ببقعة دم تغطي ذراعي وكتفي أتحرك بين عدسات ناظور  ذلك القناص المتمرس في زاوية ما والذي أبعدتني عن رصاصته خطوة خطوتها باتجاه ما..... بقيت فرحا  طوال  اليوم بالأمل  برغم الرصاصة التي أخطأتني.


(38) تعليقات

مكتوب حب

 

هذا المكتوب كتبته لامرأة نصفها إنسانة ونصفها الآخر  جنية وقد سحرتني يوما ما.

 

 

نعم إنها أنت !المرأة التي من اجلها تطلى السموات بالأزرق والحقول بالأخضر والتي تنشر الخير والمحبة مثل إلهة يونانية أسطورية ,اكتب إليك يا أيتها المرأة الوحيدة في البحر اسميك هكذا لأنك الحورية الوحيدة هناك و لأن كل من قبلك ومن بعدك ما هن إلا محض أساطير! )يا وردة الورود وقمر الأندلس يا بستان زهر في شيراز بل يا قمر شيراز!! هل تعرفين شيراز؟ أكيد أنت تعرفيها ولكني أسألك قائلا:هل تعرفين بأنها  من أجمل مد ن العالم؟ و أنت كذلك أجمل سكان هذا العالم والعوالم الأخرى ! و لكنك قد تقولين:ولكن هناك من هي  أجمل مني! و أنا سوف أجيبك:

يا سيدتي حتى لو فرضنا ذلك فأنت  عندك شي أجمل من كل شيء  آخر يمتلكه الآخرون أتعرفين ما هو؟ نعم إنها روحك المحلّقة في ملكوت المحبّة والإخلاص  ومازالت هذه الرّوح هي الأجمل منذ أن ولدتِ يا أيتها الشفافة كالبلور وصاحبة القلب الأبيض كالفضة. ولكني أريد أن أسالك:هل ستنتهي صداقتنا وحبنا يوما؟ لن اترك تجيبين دعيني أنا أجيب حسب تصوري أنا: صداقتنا وحبنا قويّان كالفولاذ أتعرفين لماذا ؟ لأنك حكيمة مثل السّفن الفينيقية  التي تقطع دروب البحر برزانة و بحكمتك  هذه ستجعلين المحبة والصداقة المتبادلتين بيننا أبديتان. وألان اتركي كل شيء واخبريني هل مازلت تنامين بين الورود ليلا؟ وتستلقين على الغيوم وقت القيلولة؟  لأنه وحسبما يقول صديقي العائد من الجنّة توا بعد أن تشاجر مع أحد القديسين فطردوه...قال وهو يقسم بأغلظ الإيمان بأنه رآك هناك في الجنّة على شكل ملاك! قال هذا بعد أن رأى صورتك على شاشة الحاسوب  حين كان يفتّش فيه بفضول , حينها بقيت في حيرة لأني مرة أراك حوريّة ومرّة زهرة ومرّة امرأة تسير خلفها كل الأشجار والبساتين ومرة يقسم لي صديقي بأنه رآك في السماء ! فمن أنت ؟ سأتقبّل منك كل الإجابات عدى أن تقولي لي بأنك من البشر!!. عزيزتي ...أنت يا أيتها المرأة  النقية كحبّة المطر,  بعد كل هذه المقدّمة  أردت أن  أخبرك باني سمعت شيئا غريبا  وعجيبا! نعم فقد حدثتني العصافير عنك يوم أمس حين كنت جالسا في حديقة الدار حين كنت اقلّب ملفات الصور التي نقلتها من حاسوبي القديم إلى الجديد .كان الجو لطيفا وكانت العصافير قربي ولم أكن اعرف أنّها كانت تتلصص عليّ بعيونها الصغيرة إذ أني لم اشعر إلا بمجموعة منها وقد حطت على كتفي وعلى راسي وعيونها  تتطلع إلى شاشة الحاسوب المحمول الجديد الذي اشتريته !.كنت اظنّ في البداية أنهنّ جئن كي يباركن لي ولكني فوجئت بأنهن سألنني عنك عندما كانت إحدى صورك تظهر على الشاشة!. أول من سألني هو العصفور القائد الذي كان يقف على كتفي الأيمن وكانت رقبته ممدودة باتجاه الشاشة وهو يسألني باستغراب انبهاري فاتحا منقاريه قائلا:من أين تعرف هذه الأميرة؟ التفت إليه وأجبته بنفس النّبرة:ومن أين تعرفها أنت؟ نزل العصفور من على كتفي وحط على أزرار الحاسوب وهو يركز أكثر على صورتك  وبعد أن أ شبعها تمحيصا  وتدقيقا صعد إلى ركن الشاشة ...سعل سعلتين وكأنه كان يريد أن يحكي قصة وأدار رأسه الصغير بعيدا عنّي وأعاده باتجاهي مرة أخرى وقال: في الحقيقة وفي حياتي الماضية حين كنت إنسانا( لم أتفاجأ لأنه اخبرني سابقا بذلك فقد كان هذا العصفور صديقي  وصار كذلك حين أنقذته من بين فكي هرّ ), كنت حارسا لقصرها في بابل (كان يتكلم وفي صوته نبرة من الفخر) وكانت هي أميرتنا ...(قاطعته هنا وأنا لا اشعر بالاستغراب لأني كنت اعرف سلفا بأنك أميرة!)قلت له :احكي لي عن كل شيء يا أيها العصفور والحارس! .عدّل ريش جناحه بمنقاره بفخر واستعراض و نزلت باقي العصافير إلى المنضدة بعد أن نهرتها فقد أزعجتني أظافرها..صمت قليلا ونظر إلى الأرض ورفع رأسه باتجاهي وقال:كنت حارسا على باب قصرها وواحدا من الحراس الذين يخرجون معها دوما حيثما تذهب ...كانت طيبة مع الناس ولكنها حين تغضب فلا احد يقف أمامها !! كنا نهرب (هنا ضحك العصفور بطريقته العصفورية) أما بعد أن تهدأ فكانت تعود كما هي أميرتنا التي تحب كل الناس وتساعدهم ..كانت أثيرة عند الملك وكانت من بناته المفضلات ولم يكن يرفض لها طلبا أبدا, بعض الأحيان تكون قاسية كالنعاس ولكنها تبقى طيبة , كانت عجولة حين تريد شيئا- .... قاطعته مرة أخرى- وسألته:يا عصفور اخبرني عن الأمراء هل كانوا يتوددون إليها؟ ابتسم ابتسامة ذات معنى وكأنه يقول هل أنت أعمى أم تفكيرك محدود؟ أجابني بعدها :نعم بالتأكيد وكان هناك الكثيرون منهم يحبونها   وكانوا يمرّغون جباههم من اجلها ولكن الأميرة لم تكن تسلم نفسها  لأي كان و حسب ظني لم تجد من تعتقد بأنه كفؤ لها منهم  ,تركته يسترسل في الكلام عنك واخبرني عن صديقاتك الأميرات حيث قال بان الأميرة كانت تمتلك الكثير من الصديقات وكنّ يزرنها كي يسألنها عن رأيها في كل شيء كانت أميرة بكل ما تحمل هذه ا الكلمة من معنى .سألته مرّة أخرى : ماذا كانت تفعل حين تكون وحيدة ؟ قال :كانت تحب تربية الطيور الملوّنة والزهور النادرة وكان بستان القصر مليئا بها. هنا استدركت أنا وكأني تذكرت أمرا ملحّا وسألته:ولكن هل كنت أنت معجبا بها؟ زفر بحزن وقال :أنا حارسها يا نبيل كنت أحبّها كسيّدة لي ولم أفكّر يوما بان أتبادل الحب معها ولكني متّ بسببها ومن اجلها!( هنا أنا فتحت عينيِّ على أقصاهما مستغربا!) نعم لا تتعجب قالها العصفور بعد أن رأى في عينيّ عشرات علامات الاستفهام والاندهاش فقرر أن يخبرني قائلا: مرّة حين كانت تتمشى في غابات نينوى حيث كانت في زيارة مع أبيها الملك لقصر احد ملوك أشور الذي دعاهم للتمتع بالجوّ و الطبيعة وللنقاش مع الملك في أمور السياسة ...كنا نتمشى في هذه الغابات التي كانت قريبة من الحدود الشمالية لبلاد مابين النهرين.... كنا أربعة حرّاس بالإضافة إلى وصيفتين, كنا نسير في درب ضيّق في احد التلال حيث كانت الأميرة تبحث عن الزهور الغريبة وتشم بعض الهواء الجبلي... كنت أنا أسير دوما قبلها كي اصدّ الخطر عنها إن كان هناك مكروه يترصدها ,  وفجأة سمعت صوتا مريبا  قادما من نهاية الطريق فرأيت عددا من جنود "عيلام" وكان  يبدو أنهم جنود استطلاع متسللين وقد عرفوا بأنها بنت احد الملوك أو الأعيان و ربما كانوا يراقبونا من الأعلى و رأوا الوصيفات والحرس,. كنت أرى الشرّ الأسود في عيونهم...طلبت مّمن تبقى من الجنود الانسحاب بأقصى سرعة كي أبقى أنا  هنا و أشاغلهم. ركضت الأميرة ومعها الوصيفات والحرس القليل  ولكنها التفت إلي  وصاحت تعالى يا أيها الحارس  سنهرب  ! ولكن جنود الأعداء كانوا قريبين و القصر بعيد! .. بكت وهي تعلم ما سيحلّ. أما أنا فقد فكّرت للحظات واتخذت قرارا لم اندم عليه حتى هذه اللحظة...ركض جنود عيلام باتجاهنا بشعرهم الأشعث وبنيتهم القوية, كان عددهم  حوالي فصيل أو أكثر  لكن الطريق كان ضيقاً فأمسكته عليهم...قاتلتهم, كان جسدي القوي ورمحي الطويل  ودرعي السميك يسد عليهم الطريق ,قاتلت كما لم أقاتل من قبل و بقيت أقاتلهمحتى تأكدت بان الأميرةصارت بخير.ولكني تعبت  كانوا كثيرون وكنت وحيدا وشعرت بان واجبي قد انتهى كجنديّ وفيٍِّ أوفى بقسمه حين اقسم  أمام الملك والآلهة بأنه سيحمي الأميرة بروحه... إيه يا نبيل (قالها وهو يزفر بألم) كان هناك الكثير من الرّماح وكان لابد أن استكين....زرعوا رماحهم بحقد في صدري وأفخاذي  بعد أن شعروا باني فوّت عليهم الفرصة...هربت الأميرة وصارت بعيدة ...عاد إلي الجنود- جنودنا- بعد زمن ليس طويل ولكنه كافٍ لان أموت و يهرب جنود عيلام... جاء جنودنا بصحبة الأميرة وجنود آشور ورفعوا جسدي المليء بالثقوب كانت روحي تطوف حول جسدي المسجىّ ويداي ما تزالان تمسكان برمحي  ودرعي  وعيوني مفتوحة ووجهي ما يزال محتفظا بصرامته.. رأيت الأميرة تبكيني بحرقة  فعرفت بان من متّ من أجلها تستحقّ ما حلّ بي فلم اندم لأني فديتها ولو عاد الزّمن فسأفعل ما فعلته مرة أخرى ,تخيل يا نبيل بان الأميرة قررت أن تبقى معي حتى ادفن في آشور تحت  ناظريها !...  حاول الحرس أن يسحبوا الرمح والدرع من يدي كي يدفنوني ولكنهم فشلوا فقد بقيت ممسكا بهما حتى وأنا ميّت! بكتني الأميرة مثل نبع وأمرتهم بان أدفن كما أنا كرجل مات بشجاعة.... رحلت أميرتي  مع حزنها  إلى بابل ومن يومها لم أر الأميرة ولكني استطيع أن أميّزها من بين كل الناس !هذه عيونها العميقة والسرية مثل النار و الغابات ..هذا وجهها هذا جسدها الممتلئ بالخصب والأنوثة  هذا شعرها الناعم هذه خدودها  هذه كلها...(صوت انفجار صاروخ كاتيوشا) قفز العصفور ومن معه وطاروا بعيدا  وبقيت و حيدا و قررت أن اترك المكان قبل أن يسقط الصاروخ الثاني فأغلقت الحاسوب وحملته  راكضا  إلى الداخل وأنا أفكر بما قاله حارسك و شهيدك وعصفوري..........

 

(31) تعليقات

زقاق الموت

 
 
 

انه صباح بارد آخر من أيام شباط وبدر الرجل الثلاثيني  

يستمتع بمراقبة البخار المندفع من أنفاسه الحارّة وهو يقف على ناصية الشارع بانتظار الحافلة التي سوف تقله إلى عمله في الشركة الحكومية التي يعمل فيها.لم يكن قد مرّ وقت طويل منذ أن عمل في هذه الشركة ومع هذا فقد تعرّف على الكثير من الموظّفين هناك ,ربما لانّ وجهه الصّبياني البشوش ببشرته المحمرّة وجسمه السّمين ونظاراته الطبية السميكة أضافت إليه نوعا من اللطف!؟ أو ربما بسبب الانطباع الذي يتركه عند الآخرين بمجرد النظر إليه وهو انطباع يعطيهم شعورا واحدا..وهو انّ هذا الرجل مسالم أكثرمن

حمامة!
كان متفائلا دوما و يحبّ أن يغنّي مع نفسه حين يكون وحيدا وهو يتلمّس بإبهامه الشّامة التي تلتصق بجانب أرنبة انفه اليسرى وكأنها حبّة فطر صغيرة والتي لطالما تمنى أن يستيقظ صباحا كي يجدها مختفية , كم سببت له هذه الشامة السوداء من معاناة! كان الأطفال في المدرسة يرونها شيئا غريبا ويسمعوه بسببها الكثير من الكلمات التي كانت تحرجه.
هاهي الحافلة تقف أمامه مباشرة قاطعة أغنيته التي كان يدندن بها ,يصعد وابتسامة طفولية لا تفارق وجهه وهو يسلم على كلّ من في الحافلة

 من زملاء وزميلات .اخذ مكانه المفّضل قرب النافذة وهو يمسح الزجاج

 من الضّباب الذي كساه بسب البرد و أنفاس الركّاب.... كانت السيارة تسير بتأنٍٍّ وخليط من أصوات الناس المثرثرين يملأ جّوها, لم يكن يفكر بشيء كان ينظر بتجرّد إلى الشوارع المغلقة بكتل إسمنتية قبيحة حاول بعض الناس

أو الفنانين تجميلها فرسموا عليها أشجارا وحمائم بيضاء ولكنهم لم ينجحوا في جعلها أكثر ألفة فقد ظّلت كالحة رغم الألوان.كان بدر يراقب فقط . مرّت فتاة جميلة تمشي بغنج ودلال مع شابّ يبدو انه خطيبها أو حبيبها لم يكن يعرف ولم يرد أن يعرف العلاقة التي تربطهما , لأن ذلك لن يغير شيئا

 من ألمه ,فهو لم يحبّ من قبل أو بصورة أدق لم تعره أي امرأة اهتماما, ربما بسبب شكله أو شخصيته ! ولكنه بدأ يشعر بالوحدة في السنوات الأخيرة ويتمنى أن يجد امرأة تنتظره في المنزل  وتسمعه كلاما حنونا,

لم يفكّر كثيرا فهو رجل بسيط أقصى همومه هو العودة بسلام إلى المنزل فمسحمها بنظرة لا مبالية متذكرا طلب أمّه اللّجوج في البحث له عن عروس , و عاد و شغل نفسه بالكلام مع أحد زملائه القريبين. مر الوقت فوجد بدر نفسه يتأمل الجسر الذي تعبره السيارة ببطء، الجسر الذي يفصل الضفتين الأختين لبغداد. ولكن يجب أن تعرفوا بانّ الأخوات لا يعشن دوما

 في وئام ففي بعض الأحيان يتشاجرن ويتشاتمن ويقتلن أبناء بعضهن البعض ! بعد عبور الجسر بدقائق ,توقفت السيارة ومعها صوت السائق وهو يشتم ويسب. فتوقف بدر ومدّ رقبته المكتنزة إلى الأمام كي يرى عددا

 من المدرّعات الأمريكية تسد الشارع بعناد يبدو انه سيطول !نظر السائق إلى الشوارع الفرعيّة القريبة منه و أغمض  عينا ورفع رأسه إلى سقف السيارة وكأنه يفكر بشيء أو يحاول أن يتذكّر شيئا, عاد ينظر إلى الشارع وصاح بعد لحظات ...اطمئنوا سنصل بلا تأخير , سندخل عبر طرق فرعية مختصرة , لم يوافقه الرأي بعض الركاب من الموظفين لأنهم يعرفون

 ما يمكن أن يفاجئهم في الشوارع والأزقة الخلفية ,أما بدر فكان محايدا ويكره الجدال بطبيعة شخصيته الخجولة .بعد جدل بين الموظفين والسائق الذي كان يصّر بانّ المكان آمن وانه من غير المبّرر الخوف إلى هذا الحدّ وأنهم- أي الموظفون- إذا كانوا يخافون إلى هذا الحدّ فمن الأفضل لهم البقاء في منازلهم. وافق الموظّفون على مضض و دخلت الحافلة إلى الأزقة التي كلما تقدم فيها السائق أكثر تصبح مريبة أكثر, حيث أكوام النفايات تملأ الأركان وهذا يدلّ على أنّ الخدمة البلدية تخاف الوصول إلى هناك وهذه إشارة سيئة كذلك كان هناك عدد كبير من المنازل المهجورة ربما هي لأناس مهجّرين! ولكنّ الشيء المقلق أكثر هو ذلك الجوّ المشحون الّذي بدا يضغط على صدر بدر فقد صار يشعر بذبذبات أرواح أناس قساة كانوا هنا وملؤوا جدران الحي بها فبدا يلتفت و هو يدعو في نفسه بان يمرّ هذا الصباح بسلام...توقفت السيارة فجأة في منتصف إحدى الشوارع الفرعية ,عرف السبب سريعا حين سمع السائق وهو يشتم الكتل الإسمنتية التي تغلق الشوارع !غير مبدل السرعة حتى يعود أدراجه إلى الخلف بسرعة فقد أحس هو الآخر بالخطر ..ولكن كان الأوان قد فات فقد أغلقت سيارتان الطريق عليه! نزل مسلحون باتجاه الحافلة ,توقّف الزّمن عند بدر وتخيل نفسه جالسا أمام شاشة التلفازو هو يقرأ خبرا صغيرا بشريط الأخبار الذي يمر سريعا مثل قطار ....".اختطاف حافلة تقل موظفين في بغداد على أيدي مسلحين مجهولين".فتح أحد المسلحين الباب وهو يحمل بيده مسدسا وعيناه تشعان بعدد ضحاياه, صرخ بصوت عالٍ :انزلوا,بكت الموظفات برعب, شتمهنّ وسحب أول شخص أمامه فنزل الجميع وأمرهم بالوقوف باتجاه الجدار فوقفوا ...كان في البيت المقابل طفلة صغيرة تنظر إليهم هي وسيّدة عجوز عيونها مغرورقة دمعا فهي تعرف ما سيحصل بعد قليل لكنها

لا تستطيع عمل شيء....أول سؤال سألوه للجميع كان عن طائفتهم وبعدها اخذوا هوياتهم التّعريفية حتى وصل الدور لبدر الذي كان قد اصفر وجهه ويبست شفتاه ورغب رغبه غير عادية بسيجارة...كانت قدماه لا تحملانه وهو يتخيل أمه ومصيره...
من أين أنت؟ سأله الرجل الملثّم بأسلوب بوليسي
لم يستطع بدر أن يتكلم !تلعثمو شعر بانّ الكلمات لا تستطيع الخروج!

شعر بشعور الأخرس ...بكى بانهيار وهو يصيح: أنا لم افعل شيئا أرجوك....
اترك هذه الألاعيب وأجاب بسرعة (ردّ عليه الرجل المسلّح).
فجأة توقّّف الملثّم عن الكلام حدّق طويلا بوجه بدر مدّ يده إلى وجهه وتلمس شامته
اتسعت عيناه وابتسمتا...(العيون لسان آخر ) وقال بدر: مازلت كما كنت تبكي دوما ...ضحك بوحشيّه جعلت بدر لا يعلم ما يفعل هل يبكي أم يضحك ؟ وضع يده على كتف بدر وقال له: أنا كنت معك ذات يوم في المدرسة..
التفت الرجل الملثم و أمر المسلحين بالانسحاب واخذ كل الرجال لإكمال التحقيق..تركوا النساء ينتحبن....ظل بدر وحيدا في الشارع مع زميلاته مذهولا وهو يراقب السيارات تبتعد وفيها زملاؤه. ولكن ظلت تلك النظرة التي رمقه بها أحد زملائه قبل أن يصعد تحمل معانٍ كثيرة مؤلمة لبدر..مدّ يده إلى شامته وقرّر بان يستأصلها حين يعود مهما كان الثمن.

 

(16) تعليقات

الحب...لايسمع الغارات.

                           

                     

 

 

 هل يتراجع الحبّ عند الأوقات الصعبة ؟هل تغوص المشاعر إلى الأعماق مثلما يغوص الدّم في لحظات الرّعب والخوف إلى داخل الجسد تاركا الشفاه يابسة ؟ هل ينسى الناس الحبّ في أوقات الحروب؟    

أنا شخصيا لم أكن اعرف إجابات لهذه الأسئلة  ولم  أفكر بها حتى ذلك اليوم.......

دعوني  أحكِ لكم قصّة مع الحب في زمن الحرب...

 أصوات الإنفجارات  بعيدة وهواء الفجر الربيعي البارد يدغدغ وجهي وأنا أسند مرفقي على الحافة الحديدية لسيارة النقل المتوسطة التي استأ جرناها لنقل أشيائنا الضرورية هربا من القصف العنيف الذي صار يصفع وجه  بغداد. كانت السيارة تتأرجح بعد أن دخلنا إلى طريق زراعي  وعر مما اضطرني في النهاية إلى رفع مرفقي وعدم التوكإ على السيارة المرتجة ,كنت أتأمل الزرع الكثيف بفضول

ابن المدينة  حين لاح لي منزل كبير شبه مكتمل البناء منزوٍ بين بساتين الحمضيات والنخيل , كان تقريبا في وسط الزرع ,وصلت السيارة حيث كان إخوتي بانتظارنا أنزلنا الأغراض على مهل وهم يسألوني عن الوضع في بغداد وهل هناك شيء جديد؟ أدخلنا الأغراض إلى  المنزل الذي لم أكن اعلم أن فيه عائلة أخرى جاءت قبل قليل تمددت في الغرفة غير الكاملة  البناء حيث الطابوق مازال عاريا وأسلاك الوصلات الكهربائية مازالت واضحة  وقسم منها غير مثبت أصلا  بالإضافة إلى أكياس الرمل والإسمنت المرصوفة في حيّز قرب فتحة الدرج, كان المنزل يستقر في مكان هادئ بعيد عن الشارع. نمت قليلا وأنا أفكر بهذه الحرب ,كم كانت تؤلمني أصوات القنابل على بغداد!, نمت بحزن  ,لم استيقظ إلا بعد حوالي ساعة وبعد أن شربت الشاي

 مع والدي الذي يحبّه بعد القيلولة. نزلت كي استكشف المكان و أجلس وحيدا

 فقد شعرت بالرغبة في الوحدة. نزلت وقد نسيت أصلا بان هناك عائلة أخرى تشاطرنا المكان,نزلت وأنا في عالم آخر .كنت أفكر بكل أولئك الرجال الذين هناك ....نزلت الدرج وأنا  أنظف نظارتي الطبية حين رأيتها, أعدت لبس نظاراتي بهدوء.  كانت  تلبس بنطالا ًسماوي اللون وقميصا بنصف أكمام  بلون الرّمان كان وجهها  محددا بملامح واضحة كأنها مرسومة!  ولكن ما جذب نظري  هو بياض وجهها الشديد  وسواد شعرها  الذي كانت تربطه ,كانت تحمل تناقضا لونيا عنيفا ولكنه

 في نفس الوقت متآلفا, كانت تحمل في ملامح وجهها  ذلك الألق الذي ينعكس

 على وجوه الناس الذين ينتمون إلى الطبقة المخملية  وعندها تذكرت مقولة لرجل حكيم يقول فيها:{ إن  الناس الذين يطيلون المكوث في مكان ما , يأخذون شكل ذلك المكان)  ويبدو انّ هذه الفتاة قد أطالت المكوث في مكان راق ..كانت منشغلة بترتيب بعض الأشياء فسلّمت عليها وأنا في طريقي للخروج وكان صوتي مفاجئا لها فأجفلت! شعرت ببعض تأنيب الضمير. فتوقفت واعتذرت لها وأنا ابتسم , مسحتها بنظرة فوجدت تناقضا كبيرا بينها وبين المكان الذي تقف فيه .كان المكان مغبرّا ومعدات العمل تملؤه بينما وجهها الصّبوح  الصافي وملابسها  المختارة بعناية تدل على ذلك التناقض. عرفتها بنفسي  مخبرا إياها باني نبيل جارها الجديد,فعرّفتنيهي  بدورها بنفسها  وكان اسمها ( مريم ) بقينا ننظر إلى بعضنا  لبضع ثوان  حتى دعتني اللباقة بان انسحب وأنا اعتذر مجددا ..مشيت خطواتي  وقوة خفية تدعوني لشحذ أفكاري من اجل  اختراع سبب ما  أو عذر مهما كان بسيطا كي أعود و أكلمها مرة أخرى .....لم اسمع صوت القلب , بقيت امشي وقلبي مليء بوجعين ... وجع الحرب ووجع الحب القادم  ...جلست على حافة جدول ضيّق يخترق  البستان تاركا قدميّ  تغوصان في مائه  البارد  وخيالي يسبح بعيدا ساحبا إياي إلى ساحات القتال ..كنت أتخيل الجنود وهم يقاتلون وكانت  لديّ رغبة كبيرة بان احمل السلاح معم

 وان أكون بينهم, ولكن برغم هذا الألم الذي كان يعتصرني كنت اشعر بان هناك خيطا رفيعا من الألم المحبّب  ولكني نسيت سببه ! وبعد تفكير بسيط تذكّرت سببه  إنها مريم ! عنفت نفسي .فلا وقت للحب والعواطف في هذا الزمن القبيح ولكن مع ذلك  فكّرت بها قليلا  وقرّرت أن أتجاوز ما حصل ألاّ أفكر به .عدت بعد أن بدأ النهار يغادر,عدت كي أجدها تجلس على كرسي من البلاستك  الأبيض أمام الباب وهي تتأمل الغروب وبجانبها والدتها التي كان من الواضح أنها قد ورثت منها جمالها  فنسيت

 ما وعدت به نفسي! سلمت عليهما بعجله وصعدت إلى غرفتنا كي استمع إلى أخبار ما يجري  مع والدي عن طريق صلتنا الوحيدة مع العالم "الراديو" ...كانت الأخبار سيئة وكل شيء سيئ. نزلت إلى الأسفل فقد شعرت بالاختناق ولكن الحقيقة هي أني كنت اخدع نفسي كي أرى مريم...كانت مريم تجلس في نفس المكان ولكن هذه المرة وحيدة...سلّمت عليها مرّة أخرى  ردّت عليّ بكل لطف ودعتني للجلوس(في الظروف الاستثنائية يكون الناس اقل اهتماما بقيود المجتمع) قضيت معها نصف ساعة قبل أن تأتي  والدتها و تجالسناو هي طبيبة أسنان. كنت كل يوم اجلس مع مريم  حتى صارت جزءا من تفكيري اليومي . صار بيننا موعد ولم نعد نترك الأشياء للمصادفات كنت منبهرا بكل هذا الجمال وهذه الرقة وهذاالعمق الذي تحمله. كانت تبادلني الإعجاب .  كنت اعرف هذا من نظراتها الطويلة إلى عيني. كنت كل يوم أعيش تناقض حزن الحرب وفرح الحب! بعد تفكير طويل تركت لوم نفسي و وجدت

 أنّ أصدق المشاعر هي  مشاعر الحبّ في زمن الحرب!  بقينا أنا و مريم نجلس كل يوم حتى قرر والدي العودة إلى منزلنا بعد أن ملّ  من المكوث هو والعائلة في هذا المكان الخالي من أية خدمات  ..في ليلتنا الأخيرة  أمسكت يدها  و أخبرتها بأننا سنرحل يوم غد باكرا وربما حتى قبل أن تستيقظ هي.  رأيت وجهها الجميل يحزن . كان وجهها حتى في حزنه جميلا !واعدنا بعضنا ببعض الوعود...وقبل  ان اذهب  قلت لمريم: مريم هناك الكثير من الأمور   التي لا أعرفها وغير المتأكد منها ولكن اليوم قد عرفت وتأكدت بان الحب مثل الله...... نجده في كل مكان وفي.... كل زمان !!.

 

 

 

(29) تعليقات

حورية على الخليج

                       

 

 

                    

 

 

                                      1

فكرت أن ألبي دعوة عمي الذي يسكن البصرة,  لقضاء بعض الوقت عنده في منزله القريب من البحر.....حيث لا سيد هناك سواه.

           

                                    2

إنها البصرة ,وجوه الناس لا تختلف كثير اعن وجوه سكان بغداد عدا إنهم لا يمتلكون تلك النظرة المتحفزة المتوقعة لكل شيء وأي شيء,تلك النظرة التي تقول لك:أنا لا أثق بك. لم أجد نظرة التساؤل عند سائقي السيارات حين يقفون في التقاطعات والإشارات الضوئية وعيونهم تمسح جيرانهم من السائقين الآخرين وفيها سؤال واحد:هل أنت من أولئك الذين يفجرون أنفسهم؟

                                    3     

يسكن عمي قريبا من والميناء مما جعل من البحر صديقي الذي لا أريد أن اذهب إليه إلا إذا كنا وحيدين أنا وهو.. حيث لا شيء سوى صوتي وصوته............

                                    4

أصوات الموج وهي تضرب الكتل الإسمنتية التي تحمي الشاطئ من التآكل مازالت محفورة في ذاكرتي, كان يوما لا يشبه الأيام بل من الأدق أن أقول كان فجرا لا يشبه أي فجر, - هل هو وقت غريب ؟ - نعم أنا شخصيا اعتقد ذلك ولكني ومنذ أن كنت صغيرا كنت أتمنى أن اجلس أمام البحر فجرا, وألان تحقق الحلم! كنت اعتلي السياج المقابل للبحر و أتطلع إلى هذا الماء أللانهائي الممتد حتى الأفق وأنا أدخن سيجارتي الثانية غائصا في أعماق ذاتي.كانت هناك نسمة من الهواء البارد الحنون جعلتني استمتع بهذا الفجر الصيفي الرائع كنت في فجر  كل يوم  ومنذ أسبوع آتي مستمعا إلى تسجيلات عود حزينة على العود  كنت أملئ بها ذاكرة هاتفي

النقال  ,كنت أتأمل السماء  وأنغام العود                                  تتآلف  مع روحي  وكأنها تتحد  و تتواشج  مع الكون فأنا لم اعد استمتع بالأغاني الفرحة .خلال تلك الأيام كنت اسمع صوتاً لحركة في ماء البحر ولكني كنت اعزوها لأسماك تحب الفجر مثلي, لم أجهد نفسي كثيرا ولكن الصوت صار اليوم أقوى فدققت أكثر ورأيت شيئا ما يظهر وكأنه خيال من البحر ولكنه كان  خيالا قاتما ولكن ربما هم غواصون عسكريون؟!  كان هذا الخيال يكبر متقدما إلى الشاطئ قادما من البحر, ركزت نظري مستغلا ً بصيص ضوء الفجر فميزت إنساناً يمشي ببطء ولكن بثقة.كان ذلك الإنسان يتقدم وفي كل خطوة أتيقن أكثر بأنها امرأة!!... تقربت إلي أكثر كان شعرها مسدلا على كتفيها, وقفت ليس ببعيد عني وسلمت بصوت لم اسمع برقته من قبل, صوت جعلني أذوب مثل الملح في الماء , كانت أنثى بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى! رددت عليها السلام بتردد واستغراب وأنا أرى قطرات الماء المنزلقة من شعرها وجسدها  تسيل إلى الأرض وتفكيري شبه متوقف لأنه لا احد يخرج من البحر بهذه الصورة  وبالإضافة إلى كل هذا فهي امرأة و من النادر إن ترى أحدا يخرج في مثل هذا الوقت ! تقدمت نحوي أكثر ورأيت وجهها وكان مفاجأة ! لن أصفه لأن كل وصف وأي وصف هو إيهانه , مدت يدها إلي وكأنها تدعوني إليها, كانت تلبس ملابس لم أرى تصميما يشبه تصميمها كانت تلبس ثوبا طويلا اسود اللون قماشه لامع يكشف عن صدر عاجي , عريض من الأسفل وطويل حتى أنها كانت تسحبه خلفها. كان الثوب مصمما كي يكون متلائما مع كل جزء من أجزاء جسمها الجميل  إما شعرها فكان طويلا مبللا  تقطر منه قطرات ماء صديقي البحر أما عيناها فعميقتان مثله وتحمل لونا محيرا لم أميزه في  مثل هذا الوقت المشوش من اليوم ولكن هذا الاطمئنان الغريب الذي يفيض من وجهها الجميل وعيناها الساحرتان جعلني امشي معها. سحبتني مثل رجل أعمى لم أفكر من أين هي أو ماذا تريد.......كانت تسحبني من يدي و تلتفت إلي مبتسمة...نظرت إلى الأسفل نحو الرمل فلم أجد سوى أثار أقدامي ! لم تكن تمشي على رجليها ! ظلت تسحبني نحو البحر ولكن الغريب أني لم أخف و تركت كل الحذر الذي نتصف به هناك في مدن الموت, كانت يدها ناعمة إلى درجة أني لم أكن اشعر باني امسك سوى الهواء. وصلنا إلى البحر ودخلت هي قبلي إلا أني توقفت حين مس الماء رجلي وكأني صحوت, فتوقفت واستدارت نحوي وابتسمت من كل قلبها ورأيت في عينيها كلمة واحدة: لا تخف! مدت يدها إلي مرة أخرى بإصرار فمشيت نحوها بدون وعي....أعطيتها كفي ودخلنا إلى البحر, وصل الماء حتى صدري ومازالت هي تشجعني بابتسامتها الإلهية....غطى الماء فمي فأغلقتُ شفاهي بقوة بصورة غريزية.حبست أنفاسي قبل أن يغطي الماء انفي وغصنا سوية .كانت هي أمامي ممسكة بكفي الأيمن, استدارت نحوي  وشعرها يطير ببطء  في الماء وثوبها يرفرف مع حركات الأمواج الداخلية وطلبت مني إن أتنفس ! ترددت قليلا ولكني كنت فاقدا للإرادة, تلكأت, ارتبكت , خفت ولكني في النهاية تنفست بعمق. شعرت حينها بما تشعر به الأسماك! شعرت وكأني أتنفس هواءً كثيفاً ولكنه بارد , ابتسمت كي اطرد خوف المفاجأة  عني فابتسمت هي أيضا حينها تركت الحورية يدي وطلبت مني أن اتبعها, تحركت في الماء بحرية وانأ انظر إلى جسمي غير مصدق , أخذتني حوريتي في جولة في بساتين المرجان و أرتني الأسماك البحرية الملونة و  حطام السفن الغارقة  وحتى القنابل الغير المنفلقة للحروب التي مرت  , رأيت عالم ما تحت الأعماق ....  سحبتني مرة أخرى من يدي إلى مغارة مظلمة أخافني ظلامها  مثلما  لم يخفني شيء من قبل ولكنها مسحت على رأسي بيدها الساحرة  فزال كل الخوف.... ظلت تسبح ممسكتاً بيدي في متاهات لها بداية وليس لها نهاية حتى رأيت من البعيد ضوءً خافتا من مكان خفي فتوقفت حوريتي ونظرت إلي مبتسمة ابتسامة عريضة. كان هناك حاجز ضبابي بين المغارة وبين ذلك  الضوء , اندفعنا خلاله فدخلنا إلى عالم أخر, عالم هوائي مرة أخرى!! كان هناك عالم ثان عالم لم أر مثله . لامست قدميها الأرض هذه المرة....تمشينا سويا نحو عالمها البحري أخذتني نحو مغارة مضيئة مليئة بأثاث مصنوع من البحر من صخوره من أصدافه من إعشابه من مرجانه الملون من كل ما في البحر من ألوان وأحجار...كان هناك ضوء خافت ينتشر في الغرفة و أصداف رائعة الجمال تزين جدرانها  وفي وسط  الغرفة يوجد سرير وكراسي مصنوعة من مرجان بني اللون .كانت غرفة بحرية بكل معنى الكلمة.أجلستني على السرير المصنوع من إعشاب البحر الطرية

 وجلست هي معي . استجمعت شجاعتي وسألتها , من أنت؟ ابتسمت و نظرت إلي نظرة أنثوية وفتحت فمها الصغير كي تُسمعني ذلك الصوت المتموج الأنثوي وقالت:من أين لك كل هذا الحزن؟ أنا اعرف كل البحارة الحزانى وارى من البعيد أحزان الناس على اليابسة ولكن حزنك جمع إحزانهم كلهم .

نظرت إليها وانأ ما أزال تحت تأثير صوتها البحري وقلت لها: أنا يا حوريتي احمل حزن وطن.....نظرت ألي بحنان وألم وهي تحرك رأسها وأكملت قائلة : منذ أيام وانأ اسمع صوت موسيقاك الحزينة مع الفجر ...حين أكون مستلقية على سريري كي أستريح من جولاتي الليلية فنحن لا نخرج نهارا..فكل شرور البحر تأتي نهارا.

منذ متى وأنت هنا يا رجل الحزن؟ ( سألتني بطفولة ).

- أنا هنا منذ أسبوع , وأنت؟

ابتسمت لسؤالي  وأجابتني وهي تتأمل عيوني وتمد يدها الشمعية الصافية  إلى شعرها كي ترتبه فتظهر أقراطها اللؤلئية الخرافية الجمال مثل وجهها. قالت: أنا هنا منذ زمن لا اذكره, نحن حوريات البحر لا نحسب الزمن كثيرا  ...هنا أنا صعقت فأنا لم اسألها من هي فقد سحرني جمالها و أوقف تفكيري شدة الموقف!! فسألتها: من أنت وماذا تريدين مني؟

-   (هي):أنا من حوريات البحر ....نحن نعيش هنا منذ زمن بعيد, ابعد مما تتصور ولكنكم تضنون بأننا موجودون في الحكايات فقط. نحن نعيش بسعادة في عالمنا البحري لدينا مدننا التي لا تستطيعون الوصول إليها ولدينا عالمنا الذي لا تستطيعون  إفساده .

-    أنا :   ولكنك لم تجيبي عن سؤالي ماذا تريدين مني؟

-  هي: الحوريات يعشقن الرجال الحزانى...لان الحزن يطهر القلوب وعالمنا لا يدخله إلا طاهر القلب.

-   أنا :   وما المطلوب مني؟

-    هي   : أبق معي وعش في مدننا السعيدة وكن واحدا منا.

كانت  تعبث بشعري بيدها وعيونها في عيوني .....لم استطع المقاومة كانت كلمة " سأبقى" تريد أن تخرج من فمي بالقوة,

ولكني فجأة  تذكرت كل الناس الأحباء الذين فوق وقررت أن لا أعيش سعيدا لوحدي ....يا أهلي حزني معكم وفرحي لكم...رددتها مع نفسي .

مددت يدي إلى يدها السماوية وأنزلتها عن رأسي فرأيت الحزن في عينيها يصعد مثل المد...سألتني بعينيها هل هناك احد في القلب؟

فأخبرتها بوضوح:أن فتحتي قلبي فلن تجدي غير أهلي, فنظرت ألي بيأس  و أمسكتني من يدي مرة أخرى  وصعدت بي إلى السطح حيث وجدت عمي يبحث عني منذ ثلاثة أيام .

 

 

  

 

                    

 

 

(44) تعليقات

نحيب النخيل


قبل مدة عرضت قناة العربية تقريرا عن المهاجرين العرب ,كان احد ضيوفه شابا سوريا حكا فيه كيف إن حرس السواحل اليونانيين, القوا القبض عليه هو ومجموعة أخرى من المهاجرين
 العرب على سواحل المتوسط, وكيف إن أولئك الحرس أوثقوا أيديهم... ورموهم إلى البحر الواحد تلو الأخر.... وكيف نجا هو من الموت!....ولكن وبما إن الموت وأخوه البؤس و ابن عمه سوء الحظ زبائن قدامى للعراقيين, فقد كان أول من رمي في البحر شاب عراقي اسمه محمود العراقي, يكمل الشاب السوري وهو يتحدث بألم وحرقة: كان محمود عراقيا بطلا ظل يصارع الموج الهائل لنصف ساعة وهو مكتوف الأيدي و يشتم اليونانيين وأنا اذكر جيدا آخر ما قاله هذا العراقي وهو يصرخ و يشهق محاورا إيانا نحن الباقون بانتظار الدور فقد قال:
الله اكبر ....أنا أخوكم..... محمود العراقي ..........العراقي .... ....قولوا لأمي بان لا تنتظرني....الله أكب...
ثم غاص.... إلى.... الأبد.
هنا انتهى كلام الشاب السوري / الشاهد الحي وينتهي كلام محمود العراقي......و يبدأ
كلامي... أنا نبيل, كي اروي لكم قصة محمود وكأني معه!!

                                         الحلم
بعد أن أغلقت التلفزيون كان هناك شعور واحد يسير مع دمي ويدخل إلى قلبي ومنه إلى شراييني و إلى كل شعيرة من شعيراتي الدموية ! انه شعور الغضب ألانهائي, شعور يجعلني اسمع صهيلا من داخل صدري لعشرات الخيول, صهيل غاضب وكأن هذه المهور تدق بحوافرها الأمامية على جدران صدري الداخلية تطالبني بالانتقام والثأر.... تدق وهي تقف على ساقيها الخلفيتين وتحمحم وتصهل وعيونها تشتعل من الغضب وشعرها يطير من عنف حركاتها ! ولكن ماعساي ان افعل ؟ تركتها تدق وتصهل وانا اموت من الحزن من اجل محمود.....نمت حزينا ومنكسرا وآه من انكسار الرجال .......لم انم كنت اتأرجح بين الصحو وبين النوم...كنت و كأني أرى وجه محمود تلفه ظلمة الأعماق و تدور حوله اسماك قبيحة وهي تتذوق لحم وجهه الذي لوحته شمس العراق وتبله نسيم العراق وملحته دموع أمه التي كان تقبله قبلاتها الأخيرة المخلوطة بالدمع. كانت الكوابيس تطاردني متلبسه وجوه اسماك متوحشة باسنان كبيرة قاطعة وهي تنهش محمود من كل مكان , ركضت إليها محاولا طردها وأنا اصرخ: محمود !! استيقظت لحظتها والعرق يبلل قميصي ,ووجهي متشنج ويدي تقبض على الشر شف بقوة, جلست ببطء على حافة السرير و وضعت راسي بين كفوفي . مددت يدي إلى سيجارتي الأخيرة ويدي الأخرى تمسح العرق والعبرة تخنقني فحسدت النساء لأنهن يستطعن البكاء ... وتخيلت محمود وهو يتخذ قراره بالسفر......


                                          القرار
لن أعيش في هذا الجحيم أكثر!! قال محمود هذا الكلام وهو يمسح قطرات العرق التي تنز من جبهته , محدقا بالصور التي أرسلها صديقه نوري من السويد حدق طويلا بتلك الصورة حيث كان نوري جالسا مع صديقته السويدية الحسناء وهو يلبس ملابس انيقة وتبدوا عليه علامات الراحة النفسية.
كان الفصل صيفا ودرجات الحرارة تذيب حتى الحجر والتيارالكهربائي لا يتذكرهم الا ساعتين في اليوم والمولد المنزلي عاطل والهاتف النقال لأخوه مغلق وهو يكاد يموت من القلق .....
وضع يديه تحت رأسه وتمدد على بلاط ارض غرفته مباشرة كي يستفاد من برودته, تأمل سقف الغرفة وهو ينقل بصره بين ريش المروحة الصامته وصورة والده المتوفي منذ زمن. كان يحسب سنين عمرة التي مضت مشتته بين الحروب والامل الذي تلاشى بغد افضل ...
وهو يسمع أمه تحمد الله مرارا وتكرار لعودة ابنها الاصغر سالما وبينما كان هو يفكر بصديقه نوري تبين أن أخوه كان قد حصل على سعر جيد لهاتفه فباعه تاركا محمود ضائعا في تصوراته!...... تنفس محمود الصعداء , كان يشعر بالملل اليومي بعد ان اغلقت الشركة التي يعمل فيها ابوابها بعد ان وجدت ان العراق فيه الكثير من الفرص للربح ولكنها ايضا وجدت فيه فرصا اكثر للموت, فلملمت أغراضها وسرحت عمالها تاركه محمود وحيدا.

السفر
باع محمود كل ما يمتلك من اشياء وكل ما تملكه امه من مصوغات ذهبية كي يسافر بعد ان فشلت والدته في إقناعه بترك فكرة الرحيل لانه اقنعها بان العراق صارمقبرة كبيرة! فهو يعود الى المنزل قبل حلول الظلام وحين يخرج نهارا ويصعد الى احدى سيارات التنقل العام فان القلق لا يتركه لو للحظة واحدة خوفا من ان يكون الراكب الذي بجانبة مفخخ!! مر في خاطره قصة صديقه اسامة الذي كان يقرا القرآن في رمضان بصوت خفيض في احدى سيارات النقل العام فصرخت المرأة التي في جانبه برعب : انتحاري!! وعرف الناس متأخرين انه سوء تفاهم فخرج اسامة بشفه ممزقة وهالة زرقاء تحت العين!! .
استعد محمود للسفر بعد الاتفاق مع مهرب شرح له خريطة السفرة وكيف انه سيوصله الى السويد سالما كما اوصل صديقه نوري. شد رحاله وهو ينظر الى البنايات التي في طريقه وكانه يشعر بان هذه المرة هي المرة الاخيرة التي يرها, كان يتالم مع كل متر تقطعه السيارة مبتعده عن منزلة متذكرا حرارة بكاء والدته وصوت نشيجها وهي تقول : ها انا ذا اهديك للآخرين ! اتعرفون معاناة الام وكم تدفع ثمنا من حياتها ومن صحتها ومن راحتها ومن تفكيرها من اجل تربية ابن واحد؟ ولكن ربما في لحظة ما ...لحظة صغيرة ينتهي كل شئ وكانها لم تلده وكانه لم ويولد ! رصاصة صغيرة اوشضية بحجم الاصبع تقضي على سعادة ام الى الابد....... كان محمود يردد مع نفسه :وداعا بغداد لا اريد لأولادي ان يتربون في ازقتك المسكونه بالموت والقسوة سأذهب هناك الى اناس مروا بما نمر نحن به الان منذ زمن بعيد حتى صار تاريخا.... وصل محمود بعد ايام من الى احد موانئ تركيا حسب ما كان مقرارا وصعد على متن زورق سريع من احدى زوايا الميناء وهو يراجع مع نفسه كل انواع المخاطر التي قد يواجهها من يختار هذا الطريق لان لاشئ بالمجان.......



                                          الحتف
انطلق الزورق السريع المحمل بالهاربين من البؤس والحالمين بغد افضل انطلق ليلا وهو يحمل اناس يملئهم الامل والقلق كان محمود يجول بنظره بين المسافرين الجالسين في المكان الضيق في هذا المركب منتبها لكل شيئ , كان يجلس أمامه رجل يبدو عليه انه من الشام كان ضائعا لا ينظر في عيون احد ...بجانبه شاب من سوريا حسب ما اخبره بعد أن تبادل معه إطراف الحديث, وبعد مشط الغرفة تاكد ان معظم المهاجرين هم من العرب .
كان الكثير منهم يتضرع كي ينجيه الله من هذه المحنة, بينما كان محمود يتمنى ان يعرف جواب لسؤال واحد يلح عليه من اول متر قطعة خارجا من منزله في بغداد حتى هذه اللحظة:هل ساصل؟ كان الزورق قد قطع مسافة لاباس بها والفجر يخطو خطواته الاولى حين خرجت عليهم اضواء ساطعة وكأن النهار!! ضوء اختصر الفجر الى ظهيرة مباشرة!! كان هناك صوت معدني خارج من مكبرات الصوت المثبته على مركب خفر السواحل تطالبهم بالاستلام والا اطلقوا النار... كانت انكليزية المتكلم ركيكة توقف صاحب المركب لانه كان يعرف مسبقا جدية هذا التهديد . أصعدوهم إلى ظهر الطراد بخشونة, سحبوهم كلهم وربطوا المركب السريع الى الى الطراد البحري العسكري وربطوا ايدهم بصورة آليه وكأنهم يقومون بهذا العمل للمرة الالف! سحبوا محمود مباشرة حتى بدون ان يحققوا معه! فتشوه فقط طمعا بالنقود التي ربما يحملها معه...حين سحبوه نحو السياج الحديدي لمركب الدورية لم يكن يصدق انهم يريدون ان يرموه في البحر وهو موثوق الايدي ! رموه بعد ان رفعه شرطيان واحد من كتفيه والاخر من رجليه رموه الى البحر وخلال المسافة الممتدة بين ايديهم الغليظة وبين الماء فكر كثيرا وندم اكثر! ...كان يود ان يموت هناك في ارض العراق حتى ولو قتله مسلحون ,على الأقل سيكون هناك امل بان ينتقم له شخص ما ..ولكن المسألة اعمق من ذلك ... ربما هناك الكثيرون لا يريدون ان يعيشوا داخل الوطن ولكن لا يوجد احد يريد ان يموت خارجه! لم يكن يصدق حتى سمع طرطشة الماء وشعربالبلل !ظل يحاول البقاء عائما بتحريك رجليه بجنون كان كلما تعب تذكر والدته التي لم تكن تطمأن الا اذا اتصل بها مخبرا اياها انه بخير فيزداد عنادا, كان اثناء كل هذا يحاول ان يتخيل كيف سيكون شكل امه حين تنقطع اخباره !, تصورها وهي تبكي وهي تذهب الى العرافات اللائي سيسمعنها ما تريد ,ولكن بعد مرور نصف ساعة فأن المقاومة بدأت تتلاشى وبدأ محمود يضعف ولكنه قرر ان لا يمون بدون ان يشتمهم وبدون ان يخبر امه بان لا تنتنظره فصرخ صرخته الاخيره : الله اكبر أنا محمود اخبروا أمي بان لا تنتظرني! ... الله اكب ونزل إلى الأعماق وتنفس ملئ رأتيه من ماء البحر وغاص الى ...... نزل هناك ولم يحاول ابدا ان يصعد, انتحر بدون ان يحاول حبس أنفاسه إلى أقصى حد وهو مايزال في نفس المكان, ويقول البحارة ان هناك نخلة تظهر أحيانا في نفس المكان عند الفجر وتختفي عند مجيء شمس الصباح والاغرب انهم يسمعون منها صوت نحيب !!!

(22) تعليقات

ربيع...ليس أخضر.

كثيرون قد ماتوا,كثيرون قد نسوا,ولكني لم أنس ولم أمت ومازال غصن العذاب يزهر في قلبي)

(بابلو نيرودا)

                                      (1)

                                                           

اندفعي أيتها السيارة ...أذهبي بنا بعيدا إلى ابعد ما تستطيعين, لا تتوقفي هنا أو هناك فربما أموت أنا أو تحترقين أنتِ! احملينا إلى البعيد  بين البساتين بعيدا عن نطاق هموم الصواريخ والقنابل  فأنا لا أريد أن أتهشم مثل نوافذ غرفتي! هل أنتِ خائفة مثل كل هؤلاء الناس المحتشدين كالفراغ في هذا الشارع؟

 كانت السيارة المحملة بأغراضنا الأساسية تسير في شارع ترابي لمنطقة زراعية هرب الناس إليها من بغداد حيث تركنا القصف مشتعلاً هناك والسماء تتحول ليلا إلى مكان لعرض ألعاب نارية أثر القنابل الإنفلاقية لمدافع مقاومة الطائرات التي تُطلق بيأس تجاه تلك الطائرات ذات السمعة الأسطورية, حدث هذا بعد أن تركنا منزلنا بأسرع ما يمكن بعد أن حصل ما حصل و اليوم تنتابني رغبة قوية بان أرويه لكم  فربما هذا يشعرني بالراحة........

 انه ربيع عام 2003والجوكان ما يزال محتفظا ببعض برودته.....كنت أجري اتصالا هاتفيا مع أحد أصدقائي  كي أطمئن عليه فهو يسكن قريبا من دائرة عسكرية مهمة...لم تكن الاتصالات الهاتفية قد قصفت جميعها فقد قصفوا مناطق محددة فقط...كنا نسمع طوال الصباح أصوات إنفجارات بعيدة وفي تلك الدقيقة سمعت صوت طائرات أمريكية مقاتلة تحوم بلا هوادة....كنت أشعر بالخوف المخلوط بخيط رفيع من الاطمئنان فقد قال المتحدث العسكري الأمريكي أنهم لن يقصفوا المدنيين! ,ولكن فجأة سمعت صوتا قادما من كل الجهات ,صوت يعطيك شعورا باللاشيء !شعور أوقف تفكيري بالمعنى الحرفي..بقيت ممسكا السماعة بجمود سامعا صوت صديقي وهو يتحدث  و كلما اقترب الصوت تجمدت أكثر... كان صوت الصاروخ  وهو يقترب  رهيبا.. اقترب أكثر  وانفجر  وتحطم زجاج النوافذ بعنف مختلطا بصراخ النسوة وبكاء الأطفال الذي بدأ بنفس لحظة الانفجار تركت سماعة الهاتف وركضت نحو الشارع كي أرى من هو سيئ الحظ الذي استهدفه هذا القصف؟ كانت سحب دخان كبيرة تغطي المنطقة. وضعت يدي على مقبض الباب  الخارجي ومع أول صوت معدني لاحتكاك لسانه الحديدي مع فوهة الباب جاء الصوت الثاني للصاروخ الآخر!-هذه المرة كنت محتفظا بوعيي وتفكير أثناء سماعي الصوت المخيف وهو يجدد زيارته للمرة الثانية- أغمضت عيني بقوة وشنجت وجهي وتحدب جسمي بصورة لا إرادية وصرت مثل شخص وضِع في غرفة مظلمة ينتظر ضربة مؤلمة من مكان ما في هذه الغرفة ولا يعرف متى ومن أي اتجاه ستكون! دوى صوت الصاروخ الأخر على مبعدة حوالي أربعمئة متر!كان العصف شديدا إلى درجة مفزعة!! ركضت إلى الشارع كي أرى ما حصل لأنه لا بد إني اعرف عددا من الذين قد ماتوا ! كانت الأبواب تفتح ليخرج منها الناس وعلى وجوههم نحت الخوف بأظافره أبشع الملامح  ! كان الكثيرون يركضون باتجاه مركز الكارثة .....ركضت معهم بدون تفكير!  كان جاري يسألني بغباء عن الشيء المضروب  برغم انه يعلم أني لا اعرف شيئا ! ـــ الناس تتصرف بغرابة لا توصف في مثل هذه المواقف ــــ كنت أتسائل ما الذي قصفته هذه الطائرات كي ينتج كل هذا الدخان؟ بعد وقت قصير وصلت وقبلي كان قد تجمع بعض الأشخاص ,كان منظرا مروعا !.....فقد كان كل شيء يحترق بعنف ! لن أتكلم عن

الجثث المحترقة و الأشلاء فقد كان منظرها بشعا للغاية,  المهم أني عرفت مصدر هذا الدخان, فقد تبين انه  بسبب إصابة شاحنات نقل النفط الأسود التي كانت تستخدم لنقل هذا النفط كي يتم وضعه في سواقي من اجل حرقه لاحقا لغرض التشويش على أنظمة الطائرات الأمريكية,  كان دخانا عظيما لشاحنتين كان سائقاها يتناولان فطورهم عند أحد المطاعم  ولكن ما أرعبني هو أن أخي قد خرج كي يشتري زيت محرك لسيارته المتواضعة من إحدى المحلات القريبة من مكان سقوط الصواريخ!أصبت برعب مفاجىء وسألت نفسي بسرعة :أين ابحث عنه أولا بين الأحياء أم بين الأموات؟ طردت فكرة الموتى من رأسي بسرعة وأدرت رأسي إلى الناس (الأحياء) المتجمهرة أبحث برعب وأمل.. انظر بين الوجوه... تركتهم وركضت نحو المحلات كي اسألهم عنه  شققت طريقي بصعوبة بين الناس وأنا أتجنب النظر إلى الجثث المنقولة فربما أراه بينها!!

دفعت الشخص الأخير وصرت خارج الازدحام   مسحت الشارع بنظرة مرتبكة  ولكني ميزت من بعيد شخصا يمشي مثلما يمشي أخي ولكنه سرعان ما دخل إلى شارع فرعي مما زاد من ارتباكي  ولكني لم أفكر طويلا ركضت إلى الأمل وأخي و ركضت بكل سرعتي , فكرت في كل شيء وكل الاحتمالات......اقتربت أكثر ووصلت إلى الشارع الفرعي  ودخلته بكل لهفة وقلق وكأني سأستلم نتيجة امتحان مصيري ! وأخيرا وصلت وأنا الهث صحت بكل صوتي باسمه ,التفت إلي ولكن لم يكن هو! شعرت بخيبة أمل مفجعة ... قاطع هذه الخيبة صوت منبه سيارة كان يقودها..... أخي !! يبدوا أنها سيارة ابن عمي الجديدة التي كانت بحاجة إلى تصليح والتي اخذ أخي على عاتقه  القيام به!

منذ تلك اللحظة قرر والدي أن نترك المكان و نبتعد إلى أقصى ما يمكن ......

                                

 

                                         (2)

 بعد كل هذا الموت المفاجئ جلست في حديقة الدار بمواجهة البئر الذي حفرناه للطوارئ , متذكرا ساعات حفره المرهقة والجرح الذي تركه المعول ...سنتركه ألآن بلا فائدة  وهو أصلا بلا فائدة فهو ملوث. بعد هذا التوتر كنت اشعر بحاجة ملحة إلى سيجارة ولكني تذكرت أني تركت هذه العادة منذ شهرين! لا باس فلأدخن فربما نموت  قريبا من يعلم؟!أخذت سيجارة من علبة أخي وأنا أحاول أن أتخيل الراحة التي تنتظرني ....  سحبت النفس الأول  والثاني بسرعة  وشعرت بخدر يهاجمني من رأسي و قدمي في نفس الوقت, كان شعورا لذيذا تمنيت أن يستمر ولكن جسمي تعرف إلى النيكوتين مرة أخرى فزال الخدر....ـــ عرفت ألان لماذا يلجأ الناس إلى المخدرات! ـــ.

 

                                            (3)

سيري يا سيارتنا الغالية فلم يتبق الكثير من الطريق أمامنا......

كان صديق والدي بانتظارنا حيث كان يمتلك مزرعة كبيرة يتوسطها  بيت مبني بصوره غير مكتملة لقد كانت عائلتي محظوظة لأنها وجدت هذا المكان ,فقد بقي الكثير من الناس نائمين في العراء. أنزلنا الأغراض وتركتهم يرتبونها شعرت باني بحاجة لان أكون وحيدا  تركت الجميع في المنزل تمشيت ببطء وقفت على الشارع الرئيسي  المحاط بالبساتين الخضراء حيث الأشجار العملاقة تصنع مضلة على الشارع ....  مر رتل لسيارات عسكرية كانت تحمل الرجال  الذين نظروا ألي نظرات  لم افهم لغتها ...كانت سياراتهم مصبوغة حديثا وكانت خضراء بشكل لافت!كان كل شيء حولي اخضر ربما لأنه الربيع ! ولكن هل الربيع دائما أخضر .؟

 

 


الخريف
(45) تعليقات

الحدود

 

                                             الحدود

                                              ( إلى بكاء وليد الذي لم ينقطع منذ رحيله!)

الحدود تفترس أصدقائي الواحد تلو الآخر.... ينسحبون واحدا واحد...يتصلون بي قبل اليوم الموعود بيومين كي ألتقيهم وأقبلهم مودعا وواعدا إياهم بأني لن أنقطع عن مراسلتهم,  يبكون دوما  حين يتصلون بي في ليلتهم الأخيرة,  أنا لم أجرب الوداع من قبل هل هو قاسي إلى هذه الدرجة؟وليد....كان آخر من ودعته هذا العام , عرفت أن ثمة أمر مريب في صوته القادم عبر الهاتف أراد أن يقول لي شيئا  ولكنه لا يعرف كيف يبدأ..هذا هو صديقي الذي  عرفت أن وراءه أمر ما..تحدث في موضوع جانبي ولكنه ليس من النوع الذي يجيد إخفاء الأشياء كان يتحدث عن برودة الجو وكيف انه ينزعج من الأجواء الباردة والغائمة, قطع حديثة فجأة وكأنه كان يشحن نفسه  وفي تلك اللحظة بالضبط وصل إلى درجة كافية كي يخبرني!قال لي بدون مقدمات: نبيل سوف أسافر بعد ثلاثة أيام لقد حصلت على الفيزا...كنت أتكلم معه وأنا أسير في الشارع ,وضع أحدهم يده على كتفي  حين كنت أستمع لكلام وليد..التفت فجأة فرأيت رجل كبير السن وهو يشير بعصبية بيده وبعينيه إلى الشارع وبلمحة واحدة خفضت الهاتف بدون حتى أن أخبر وليد بذلك ,لقد كان رتل طويل للجيش الأمريكي..ومن الخطر التحدث بالهاتف حينما يمرون..ربما هم يضنون أنك تريد شراً بهم أو تفجر شيئا ما ,فاتني الكثير من كلام وليد...ودعني وأغلق الهاتف......عدت إلى المنزل وأنا أشعر أنه بعد عام واحد لن يبقى عندي صديق واحد في بغداد , غرفت في  حزن عميق...تذكرت وليد  حين كنا ما نزال طلبة في الجامعة ..حين كان يحب أن يردد تلك  الأغنية  ذات الألحان الغربية  والكلمات العراقية حيث المطرب  يذكر جملة يبدو أنها قد أعجبت وليد في ذلك  الوقت ,تقول هذه الأغنية : الحلوة بغداد مولدي وعرسي وكفني.. أما اليوم  فبغداد ستكون مولدك فقط يا وليد!! أهرب بعيدا يا صديقي..فبغداد مكان غير مناسب للعيش بغداد مدينة خلقت للاشتياق  فقط..أذهب إلى المدن الباردة المليئة بالصقيع  حيث الشمس لا تشرق كل يوم, كيف ستعيش في ذلك البرد؟..أغلقت باب غرفتي وأخرجت البوم صوري وأشعلت سيجارة ..تفحصت الوجوه الفتية في الصور..رأيت العنفوان... أحصيت من بقي من أصدقائي  في بغداد..لم أجد غيري... و وليد وصديق أخر يفكر بالسفر كذلك..رأيتهم ينتشرون في الأرض  مثل ما ينتشر دخان سياجارتي في الهواء...أردت أن أصرخ بهم ..أيها الملاعين لماذا تركتموني وحيدا؟.. ولكن لا بأس ..أنا أقدر الظروف ...اهربوا  اتركوني لوحدي.. سأكون مراسلكم في بغداد  سأبلغكم بأخبارها  و أنتم ترسلون لي صوركم  من كل الأماكن وتحكون لي كيف أنكم  تسهرون حتى الصباح و تخرجون متى تشاءون ,حيث لا توجد مليشيات .. ولن يذبحكم أحد على الهوية..لن يقتلكم أحد لأنكم موظفون ,  لن تضطروا للنوم بدرجة حرارة قاتلة في  حرارة صيف بغداد حين ينقطع التيار.... لذلك فيا أعزائي دعوني أقول لكم: أبنوا حياتكم..عيشوا بسعادة بعيدا عن هنا..بعيدا عن البؤس والموت والسيارات ألمفخخة.... أما أنا... أما أنا فلن أكون سعيدا في تلك الأماكن الحلوة وأخي ينام وبجانه تضطجع الكلاشنكوف ...سوف أضل هنا..كي أتقاسم  الألم مع أهلي..لن أهرب سأموت معهم أن ماتوا وأعيش معهم أن عاشوا...أنا ألان سعيد لأجلكم..و..سعيد لأجلي.ولكني أيضا ...حزين من اجلي ..و...حزين من أجلكم!.

 

                                     

 

(45) تعليقات

قصة حب بابلية.

قصة حب بابلية

هذه القصة تدور حول الأميرة الحسناء .."نابو"..ورجل البلاط والسفير.".أنليل"..في زمن سحيق من حضارة وادي الرافدين في زمن الملك العظيم نبو خذ نصر...اي قبل حوالي 2006عام قبل الميلاد!.

 

 

كان "أنليل" عائدا للتو من سفر طويل  قادما من عيلام (إيران)..راكبا فرسه القوية المتعبة  التي مشت به منذ الفجر وخلفه حراسه البابليين الأشداء الذين يحمون الهدايا التي أرسلها ملك" عيلام"  للملك " نبو خذ نصر" ملك كل الجهات وأبن الإله" ديموزي".. كان أنكي رجل في الثلاثينيات من عمره وجهه حليق مثله مثل معظم البابليين في ذلك الزمان..كتفاه عريضتان وسواعده متناسقة مع جسده العضلي..يلبس ثوبا مزخرفا من الكتان الثمين...ويده مزينة بأساور من الفضة, صنعها له أحد حرفيي ملك عيلام..كان انليل يفكر على الدوام ببابل..وأهلها  وأسواقها.  أقترب موكبه كثيرا من البوابة الشمالية لأسوار بابل المحاطة بخندق كبير كي يحمي المملكة من أعدائها ", دخل عبر البوابة الشمالية الغربية المباركة لمدينة بابل ..بوابة  الإلهة "عشتار" إلهة الخصب والحرب والحب.. إنها البوابة الزرقاء المصنوعة من الطابوق الملون المليء برسوم الأسود الحامية التي تحمي بابل من أعدائها كانت ترتفع سبع و أربعون ذراعا..و الثيران المجنحة تقف على أبوابها بهيبة..والحرس يقفون على أبراج الأسوار وعيونهم مثل عيون الصقور ترصد كل شيء وأي شيء يحاول أن يعكر حياة سكان بابل...كان الفصل صيفا ...والجو  لم يكن حارا جدا كان" أنليل" صاحب الوجه الوسيم  و الأسنان البيضاء يمسك بعنان فرسه بثقة مطلقة ويحاول أن لا يسبق الحرس والعربات والعبيد,وكان لابد أن يبقي هذه  الهدايا تحت عينيه فهي هدايا الملك!!   كان يريد الوصول إلى المعبد القريب كي يضع هذه الهدايا ريثما يصلي ويشكر الإلهة عشتار على حمايتها له من قطاع الطرق وأعداء بابل ...وضع عطاياه من جرار الخمر التي جلبها معه من سفره الطويل على مذبح الإلهة..وصلى قائلا:

الحمد للإلهة أكثر الإلهات رهبة

والإجلال لسيدة الشعوب,لأعظم آلهة بين" آجيجي"( مجمع الآلهة في الفكر البابلي)

الحمد لعشتار أكثر الإلهات رهبة

والإجلال لسيدة الشعوب,لأعظم آلهة بين" آجيجي"

حلوة الشفتين وفي فمها الحياة

قوامها جميل وعيناها مشرقتان......عشتار قد ألبست السرور والحب...

........................

بعد  أن تلا صلاته بإخلاص ,قرر التوجه إلى المنزل كي يغتسل ويستبدل ثيابه  بثياب يجب أن تكون لائقة  بمقابلة الملك!.

يسمى المنزل هناك ببيت الأب حيث يكون الأب هو الآمر الناهي ولكن بما أن أبوه قد توفي فقد صار هو صاحب المنزل,كانت أمه و أخويه الصغيرين فقط  ومعهم مجموعة من الخدم,لم يكن أنليل متزوجا فقد شغله السفر الطويل وأمور المملكة التي لا تنتهي. حيث انه كان سفيرا للملك في الكثير من الأماكن..أستبدل فرسه المتعبة بفرس أخرى وترك كل شيء تحت حراسة الجنود في المعبد....وصل إلى منزلة  بعد أن كان يسير متأملا بشغف بابل وبناياتها  وبرجها الشامخ  والناس..كان يشتاق

 

أليها كثيرا. وصل إلى البيت وكانت والدته وأخوته بانتظاره لأنه كان قد بعث رسولا قبله كي يهيئوا له الحمام والطعام البابلي  الشهي الذي يكون عادة  مكونا من الرز ولحم الأغنام واللبن  أو السمك وخبز الحنطة أو الذرة..قبل والدته وأحتضنها وأحتضن أخوته الصغار المتلهفين لحكاياته عن الممالك البعيدة والملوك ابناء الالهه..تركهم ودخل إلى الحمام الذي هيأه له الخدم بسرعة لان الوقت يمر ويجب مقابلة الملك!

.لبس ملابسه وتناول طعامه على عجل وركض بفرسه إلى المعبد حيث كان الرجال المرهقين بانتظاره هم والهدايا.. بعد أن وصل ,أمر الرجال بالتحرك..كان يلبس ثوبا  أبيض ناصعا محددا  عند الصدر بشريط أحمر عريض مما  أضاف إلى وجهه الوسيم  وجسمه الرجولي جمالا آخر...كان يتمشى قبل القافلة بقليل وكان القصر المجاور لبرج بابل مقر الملك وحاشيته في مرمى النظر.. وكان البرج عبارة عن أربعة أفدنه على شكل شرفات معلقة على أعمدة ارتفاعها خمسة وسبعون ذراعا كان يحيط بالبرج سور به ثماني بوابات وكان أفخم هذه البوابات  هي بوابة عشتار الضخمة. في أثناء ذلك  رأى موكبا يخرج من القصر الذي بجانب البرج و خلفه يسير الكثير من  الخدم و الوصيفات.....كان  موكبه الصغير وموكب هذا أو هذه الشخصية المهمة يقتربان من بعضهما البعض في الشارع المرصوف بالحجر في هذه الأثناء توترت فرس أنليل وصارت تصهل و تحمحم وتضرب الأرض بحوافرها وترفع قدميها الأماميتين في الهواء حتى أن أنليل كاد يسقط عنها,بعد أن دقق انليل جيدا في الأرض وجد هناك أفعى تعترض طريقه  ..كان صوت الصهيل وضربات الحوافر على  الحجر قد جذبت أنظار المارة حتى أن الهودج الذي يحمله العبيد قد فتحت ستائره ونظر من في داخلة إلى مكان الحدث!!..لم يكن الموكب يبعد عن أنليل وفرسه الخائفة أكثر من عشرة أذرع حين فتحت الستارة  المزخرفة مرة أخرى و التي كما يبدو دفع حب الاستطلاع والفضول صاحبها لفتح جزأ قليل منها..وهنا كانت المفاجأة!!....لقد رأى امرأة رائعة  الجمال وجهها بلون الحنطة.أنفها دقيق شعرها طويل بعض الشيء تضع على رأسها طوق من الذهب الخالص مزين بسعف النخيل المنقوش على الطوق و مطعم بأحجار كريمة شذرية اللون, تلبس ثوبا زهري..ولكن أجمل ما فيها هو عيناها اللواتي اخترقن قلبه مثل سهم مسرع!! كانت يداها مكشوفتان حتى الكتف حيث رأى سوارا  يلتف  بأناقة على عضدها ملفوف على شكل أفعى وكان مصنوعا من الفضة..(يبدو أنها أميرة من أميرات القصر الملكي (هذا ما تبادر إلى ذهن انليل) أما الأميرة الحسناء التي هي  من كانت في داخل هذا الهودج فقد شعرت في تلك اللحظة بما شعر به أنليل وربما أكثر. فوجهه الوسيم القاسي وعضلات ساعده المفتولة ونظرته الحارقة , شغلتها,ولكن الأهم من ذلك هو السهم الذي أصاب قلبها!!  أستمر الموكب بالمسير حتى تجاوز أنليل وموكبه المتواضع..نادت الأميرة على " دالود"إحدى الوصيفات القديمات في القصر والتي كانت تسير بجانبها.. نعم يا سيدتي؟  سألت الأميرة:هل تعرفين هذا الرجل الذي كان صاعدا على الفرس النافرة؟..أجابت الخادمة بعد فترة تفكير بسيطة..نعم أنه" أنليل" سفير الملك  ولكني لم أره منذ زمن!! ...صرفتها وعادت الأميرة إلى متعة التفكير بهذا الرجل.. وضلت تكرر اسم أنليل  عدة مرات .وكأنه كلمة مقدسة..أما أنليل فلم يستطع التفكير بغير هذه الأميرة المليئة بالأنوثة والعذوبة السماوية وكأنها نسخة من الإلهة عشتار!! ذات الجسد الممشوق والعيون المشرقة. وصل أنليل  ورجالة إلى مدخل غرفة العرش حيث كان  الحرس الملكي المدججين بالأسلحة  الثقيلة والدروع السميكة يقفون على الباب..ولكن الملك كان ينتظر أنليل!!  فسمحوا له بالدخول هو والهدايا الثمينة..كانت غرفة العرش مبنية من الآجر المزجج على طريقة  بوابة عشتار والمليء بالرسوم التي تصف انتصارات الملك العظيم وفي وسط الجدار مشهد للإلهة  عشتار وهي تحمل بيدها سيفا مقوسا مرفوعا إلي مستوى الوجه وكأنها تعطي الأمر بالهجوم وتحتها يرقد أسد- حيوانها المفضل- .......سجد الجميع في حضرة الملك وتقدم أنليل أليه وقال: يا أيها الملك العزيز يا أبن الإلهة وحاكمها في الأرض..يا من دك جنوده الشجعان كل الحصون..يسعدني أن أوصل إليك هذه الهدايا البسيطة التي أرسلها  ملك عيلام..كعربون  محبة ..حينها أشار الملك العظيم نبو خذ نصر بيده دلالة على موافقته على فتح الهدايا..كان الملك يجلس على كرسي فاخر موضوع على دكه عالية بحيث أن الجميع يجلسون أدنى منه..وكان يلبس ثوبا أزرق طويل ويضع على رأسه تاجا بابليا من الذهب المرصع وفي يده يستريح صولجان الحكم ومن حوله الخدم والحاشية ..سلم انليل الهدايا  ومعها صندوق سري أكثر أهمية من كل هذه الهدايا ,وعاد مسرعا إلى المنزل وصورة تلك الأميرة لا تفارق خياله.أراد أن يعمل شيئا ما فقرر أن يسأل عنها !! أرسل خادمه المخلص كي يتحرى عن هذه الأميرة.. أنتظره لساعات  طويلة  وقد عاد بعد أن بدأ  الإله" شمش" اله الشمس  بإنزال قرصها إلى ملجأها الليلي (كما يعتقد البابليون) عاد بعد أن صار أنليل يشعر بنفاذ الصبر والنزق... وقال الخادم وهو يخاطب أنليل:

_مولاي وولي نعمتي سامحني بقلبك الكريم لأني جعلتك تنتظر.. ولكن كان من الصعب أن أعود إليك بغير أنباء أكيدة .

_ أنليل بتلهف: هل عرفت شيئا أيها الخادم الكسول؟..

_نعم يا مولاي.... أنها الأميرة "نابو" أبنه ملكنا الغالي.

_هل أنت متأكد!! ؟(شعر أنليل بالانزعاج لأنه لم  يكن يظن أنها أبنه الملك نفسه الملك الصارم" نبو خذ نصر" !!)

_نعم يا مولاي وقد كانت في قصره الشمالي البعيد ولهذا لم تكن تراها ولا تعرف عنها شيئا!. بعد أن صرف أنليل الخادم عاد إلى الاضطجاع والتفكير في خطة للوصل إلى قلب هذه الأميرة مهما كان الثمن.في تلك الأثناء كانت الأميرة" نابو" تدور في غرفتها مثل أسد محبوس في قفص! طالبتاً المشورة من خادمتها الأمينة "دالود" والتي اقترحت عليها الآتي بعد أن سألتها: يا مولاتي هل من المعقول أن يكون أنليل قد أخترق قلبك الغض برماح حبه وأحببته بسرعة صقر ينقض على حمامة!؟

_أجابت نابو:أسكتي يا دالود فأن قلبي يشتعل وكأني لم أرى رجل من قبل, أنا الآن بلا قلب فقد أخذه أنليل!

_ ضحكت الخادمة دالود ,الخادمة العجوز ورئيسة خادمات الأميرة والتي عينها الملك نفسه, وقالت وهي تضحك ضحكة خبيثة:أنا أعرف ما الذي يطفأ نار قلبك  التي تشتعل وكأنها حريق في غابة من القصب اليابس.

_حسنا يا دالو انجديني بحق الملك!

_ مولاتي..سأرسل إلى أنليل من يجلبه إليك في  مكان أمين وأنا متأكدة أنه لن يخاف وسيأتي فقد رأيت النار تشتعل في قلبه أيضا وأنا أعرف الرجل الشجعان حين  يحبون لن تمنعهم الأسوار ولا الحرس.

مرت ثلاثة أيام وأنليل لا يعرف ماذا يفعل فقد عظه الحب مثل ذئب..وحبه  للأميرة نابو تجاوز كل الحدود..ولكنها أبنه الملك وأي خطأ فانه سوف يطيح برأسك بعيدا !!

كان أنليل في يومه الرابع من الاستراحة التي أمر له بها الملك لان سفره كان طويلا وكذلك لان الهدايا قد أعجبته. في ظهيرة ذلك اليوم جاء إليه أحد الخدم وأخبره أن هناك خادمة تريد أن تكلمه ولكنها رفضت أن تخبره من تكون!! وهي تلبس جلبابا يغطي رأسها! أمره أنليل بإدخالها..

_من أنتِ (سألها أنليل)؟

_أنا خادمتك دالود  وخادمة الأميرة نابو بنت الملك العظيم.

في تلك اللحظة شعر أنليل وكأن كل الإلهة راضيه عنه وفوجئ كذلك وكأن سطل من الماء البارد قد سكب على رأسه, ولكنه تصنع عدم معرفته بشيء وطلب من دالود التوضيح.

_أخبرته دالود أن الأميرة تريد أن تراه يوم غد حين تصل الشمس إلى كبد السماء في غرفة الصلاة في المعبد القديم وأنها أي(دالود) لا تعرف أي شيء أخر.

تركته بدون أستاذان وخرجت, لم يعرف أنليل ماذا يفعل وهل يفرح أم لا ؟ ولكنه سأل نفسه: إذا لم تكن الأميرة تبادلني المحبة فلماذا أرسلت ألي؟ ولكن هل يمكن أن تكون نظراتي الحارقة قد أزعجتها؟ كلا كلا لو كنت أزعجتها لجاء ألي رجال الملك!!

مرت هذه الساعات وكأنها دهور..لبس أحلى ما عنده ووضع عطرا فواحا  وركب فرسه ومشى ببطء برغم أن في داخلة مشاعر تحثه على الركض!! وصل إلى المعبد حيث وجد" دالود" تقف عند باب المعبد وهي تلبس نفس ملابسها المتنكرة وأشارت لانليل بأن يتبعها..مشا أنليل ورائها حتى وصل إلى  غرفة المعبد الرئيسية حيث  ينتصب تمثال  كبير للإلهة عشتار ومن أمامه المذبح الذي تقدم علية الهدايا والعطايا..وجد أمامه  شخصا يلبس قفطانا  طويلا وفيه غطاء يغطي الرأس وكانت الخادمة العجوز تمشي قبله وحين وصلت همست في إذن هذا الشخص المتنكر والذي كما يبدو من تقطيع جسمه إنها أنثى..التفت أليه هذا  الشخص ورأى أنليل وجهه, لقد كانت الأميرة مثلما توقع ومثلما أخبرته الخادمة!!

_عمتي مساءا سيدتي ومولاتي!

_ عمت مساءا أنليل.

_ تفاجأ قليلا ولكنه رد  بلباقة : يشرفني أن تنطق مولاتي بأسمى المتواضع...

_حسنا أنليل..أخبرني عن نفسك..(كانت تتحدث  بثقة مصطنعة ولكنها لن تخدع أنليل الرجل المحنك!)

_ أنا أنليل يا مولاتي خادم الملك المظفر وخادمك, عدت منذ أيام من "عيلام " وتصادفنا حين نفر حصاني من أفعى ظهرت  فجأة عند الطريق فأزعجت مولاتي..وأنا أعتذر!!

_ كلا يا أنليل لا تعتذر

_ بماذا يمكن أن أخدم مولاتي؟(كان من الصعب أن تذكر له السبب الذي دفعها لدعوته إلي المعبد)

_ترددت الأميرة من هذا السؤال المفاجئ ولكنها ردت عليه بسؤال آخر: لماذا كنت تتطلع ألي يا أنليل بهذه النظرة في ذلك اليوم؟

_عرف أنليل أن الأميرة تفكر فيه مثلما فكرهو فيها وألا لما تجرأت وأحظر ته إلى هنا!! أجابها أنليل بثقة رجل مجرب: يا سيدتي كنت أتطلع إلى وجهك الكريم سائلا  الربة عشتار التي نقف اليوم بين يديها السخيتين عن سر جمالك وفتنتك!

_(ابتسمت الأميرة وقد أراحها جواب أنليل) وردت  عليه:فليبارك الاله شمش الذي أعطاك  من جمال وجهه المنير  ..

_أشكرك مولالتي ..ولكن هل تأذن لي الأميرة بأن أهديها هذا العقد الثمين الذي لم أجد من تستحق أن تشرفه بأرتدائه ؟ مد أنليل يده  إلى كيس من الجلد  كان يتدلى من حزامه  وفتحه بسرعة مخرجا  قلادة من الفضة المزينة بالنقوش والمطعم  بالحجارة الكريمة, قدمه للأميرة مع انحناءة خفيفة فقد كان رجلا مدربا على التعامل مع  الملوك ولكنه لم يكن منافقا لان ما كان في قلبه من  مشاعر أتجاه الاميرة  نابعا من قلبة..... فتحت  الأميرة عيناها على اتساعهما  إعجابا  بهدية السفير أنليل(المرأة تبقى تذوب أمام المصوغات حتى لو كانت أميرة تمتلك الكثير منها).

في ذلك الوقت قرر أنليل  بأن يصارح الأميرة بتلميح خفيف عن حبه لأنه لا يضمن أن يراها مجددا لأنها أميرة وتحركاتها  محسوبة وعيون الملك تراقب بلا كلل كل ما يدور هنا!!..سيدتي  الأميرة نابو هل يمكن أن أتحدث بصراحة (التمعن عينا" نابو" وابتسمت ابتسامة خفيفة لأنها عرفت أن أنليل رجل جريء  وسيصارحها بما يدور في خلده!)

_تكلم يا أنليل أنا أسمعك!

_أميرتي  أرجو أن تسامحيني على جرأتي(كان يعرف أن الأميرة هي امرأة أولا و أخيرا ولا بد أن لها قلب ربما يبادله المشاعر!!)  وقال: أميرتي ,حين خلق أبو الآلهة " أنكي" قلوبنا النابضة زرع فيها العشق  وحين ملأتنا آلهتنا عشتار من فيض محبتها لم تمنعنا من حبها وهي الهة!! ولهذا فهاأنا أتجرأ وأعترف في حضرتك  يا مولاتي أن قلبي منذ رآك في ذلك اليوم المبارك لم يهنأ بنوم وعيوني اللائى تكحلت بنور وجهك ..لم يبارحها الكرى ..و يدي لم تبخل أبدا بقرابين الإلهة والنذور من أجل أن تجمعني بك!! فماذا ستقولين يا مولاتي لرجل يحمل لك كل  هذه  المحبة؟

كانت  الأميرة نابو بما يظهر من وجهها متأثرة جدا بكلام أنليل المليء بالصدق كما شعرت به , حتى أنها ذابت  مع صوت أنليل وتكسرت مع تكسرات  صوته الخفيض.....

_حسنا   يا أنليل..سأقول لك ما قالته آلهتنا عشتار للبطل كلكامش (كان أنليل صامتا يراقب شفتيها وهي تنطق الكلمات  بصدق من كل روحها  وبلباقة تليق ببنت ملك):-

تعال يا كلكامش ...وكن حبيبا لي,

تعال امنحني من" ثمرتك",

(تعال)     وكن زوجا لي وأكون زوجتك,

واني سأعد لك عربة من الازورد والذهب

عجلاتها من الذهب وقرناها من البرونز.

وستكون لك شياطين العاصفة لتشد عليها بدلا من البغال الضخمة.

وستدخل بيتنا على نفحات الأرز.

وعندما تدخل البيت,

ستقبل العتبة والدكة قدميك,

وسيمثل الملوك والحكام  والأمراء بين يديك

ليقدموا لك الجزية:محاصيل الجبال والسهول.......

....

هنا سكتت الأميرة وقد أحمر وجهها لأنها شعرت بأن هذه  الكلمات التي قالتها لانليل قد قالت الكثير مما تفكر به و ربما بجرأة لا تليق ببنت ملك!!

بعدها  أطرقت الأميرة خجلا وعرف  أنليل بحنكته وتجربته بأن عليه أن يتدخل و ويوازن الموقف..... فقال: مولاتي: أنت تقارنيني بكلكامش الذي وهبه شمش جمالا فتانا و أسبغت عليه" ادد" اله الرعد قوة هائلة !!!  مولاتي ..كي أشكرك  وكي أعبر عما  يدور في قلبي...فأن فمي لا يكفي!! أشعر أني الرجل الأوفر حظا في بلاد بابل!!

تدخلت الخادمة العجوز في هذه اللحظة وهمست في إذن الأميرة  أن الوقت قد حان لمغادرة المعبد!! ..فنظرت أليه الأميرة نظرة ولهة وقالت سأراك بعد ثلاثة أيام في نفس الزمان والمكان يا انليل!! رد عليها بعجالة وهي تبتعد ..سأكون هنا يا مولاتي!!!...مر الزمن وأنليل ما زال متسمرا في مكانه غير مصدقا ما  مر به قبل ثواني!! أنها بنت الملك  العظيم.... تحبه!! ولكن هذا لا يهمه لانه أحبها هي ولم يحب  ما تملك!! ولكن إذا طلب  يدها من الملك فهل سيوافق؟..ركب أنليل حصانه وهو في  دنيا أخرى..لا يعلم ما  يخبأه له القدر!!...لم يتذوق أنليل  من الطعام الا القليل كان كل ما يشغل تفكيره  هو ما قالته له الأميرة فقد شبهته بكلكامش وحين تشبه امرأة ما في بابل  الرجل بكلكامش فهذا يعني أنه الرجل الكامل وهي تحبه!!...في اليوم التالي وبعد ليلة طويلة من السهر ذهب إلى القصر كي يعرف  ما سيقوله الملك  بعد أن قرأ ما كتبه له أنليل في تلك الرقم الطينية عن ما يظنه بنوايا ملك عيلام ..وهل أن له مبيته لمحاولة إيذاء المملكة؟ !! والكثير من الأشياء السرية الأخرى التي تركها أنليل لتقديرات الملك.... ذهب أنليل إلى  قصر الملك صباحا ميمما وجهه باتجاه الجنائن المعلقة التي ما زال يتحدث عنها الناس في كل يوم منذ سنوات وهم يسألون أنفسهم  نفس السؤال: كيف يصعد الماء إلى قممها العالية؟ وصل إلى الملك الذي كان ينتظره..لان أهم ما يمكن أن يفكر به الملك  هو حماية حدود مملكته!! كان الملك واقفا  واضعا يديه خلف ظهره لان ما أسر له به  أنليل في رقمه الطينية خطير..لأنه بهذا يشير أن  إلى أن عيلام تستعد لشن هجوم كاسح على بابل!! بابل العظيمة!!... سأله الملك : أنليل  هل أنت متأكد مما تقول؟ نعم يا مولاي فقد زرعت العيون وسهرت وأنا أتقصى الأخبار وأكثر ما أكد حدسي هو كمية الهدايا التي أرسلها لك ملكهم ,ربما لان ملك عيلام كان يفكر بأنه سيستعيدها بكل الأحوال!! حسنا يا أنليل وماذا تقترح؟ تفاجأ أنليل من سؤال الملك!! لان هذا شرف كبير حين يسال الملك شخصا ما مشورته!! ولكن ربما هذا هو سبب عظمة نبو خذ نصر لأنه كان يستشير الآخرين !! حسننا يا مولاي( أجاب أنليل): خلال بقائي هناك وإطلاعي عن كثب حول ما يدور وكيف  يفكر أولئك القوم  فأني أقترح و بعد إذن جلالتكم أن نفاجئهم قبل أن يتموا استعداداتهم فهم ألان يستقدمون الجنود من كل مكان..ولكني لست قائدا عسكريا كما تعلم جلالتكم! أحسنت أنليل  ..سنذهب إلى  كبير الكهنة كي نأخذ رأي إلهاتنا المحبوبة عشتار في فكرة مهاجمة أولئك الرعاع ...أنا تحت أمرك مولاي .(أجاب أنليل  وهو يحني رأسه).

..خلال ساعة كان موكب الملك ومن حوله الحاشية والجنود يشقون طريقهم إلى كبير الكهنة والناس على الجوانب تحيي ملكها القوي المحبوب الصارم وهو يتوجه إلى  المعبد الكبير ... أصطف الكهنة على باب المعبد  وعلى رأسهم يقف كبير الكهنة" اوتوحيكال" ..بضفائره ولحيته الطويلة وملابسة المزينة بالنقوش.... دخل الملك ومعه أنليل الذي كان سعيدا بالشرف الذي منحه له الملك والذي سيفيده كثيرا لو انه طلب يد الأميرة منه!! أخبر الملك رئيس الكهنة بما يريد وقد م نذوره وعطاياه للآلهة  عشتار..  وأخبره الكاهن أنه اليوم سيرى الإلهة عشتار في المنام كي  تعطي أو أمرها إلى الملك فيما ينوي!!بعدها عاد الملك  إلى القصر سريعا  وعاد أنليل بعد يوم طويل والأميرة وصوتها السماوي وعيونها لواسعة ولا يفارق خيالة!! في أثناء كل ذلك كادت الأميرة " نابو" تطير من السعادة حين عرفت أن والدها قد قرب أليه أنليل في الفترة القلية الماضية حتى أنه أخذه معه إلى المعبد!!

منذ الغبش ..أيقض  الخادم  سيده أنليل قائلا: مولاي  أن أحد رجال الملك يقول أن الملك يريدك  ألان في قصره ..سأل أنليل الخادم بفزع : وأين الجندي ألان؟ لقد ذهب مولاي ..حسنا هيا لي الحمام  !! أنه حاضر يا مولاي

دخل  أنليل إلى الملك وكان عنده جميع القادة العسكريين والكاهن الأكبر الذي أخبر الملك أن الالهة عشتار قد جائته في الرؤيا وباركت حملة الملك وتعهد ت بحمايته!!

أنليل ناداه الملك... نعم مولاي!!..ستشارك يا أنليل معنا في مسيرتنا المظفرة.

تفاجأ أنليل !!! ولكن يا مولاي أنا رجل سياسة!! نعم يا أنليل  ولهذا  ستكون معنا فقد يحتاج القادة العسكريين مشورتك فقد قضيت هناك وقتا ليس بقصير وتعرف الكثير عن عيلام, وربما تفيد أخوتك!!

تحت أمرك يا مولاي انحنى أنليل وهو يجيب على أمر الملك.أردف الملك قائلا :سننطلق بعد أيام يا أنليل...

 عاد أنليل  إلى منزله وهو يهيأ نفسه للقاء حبيبة القلب التي يشعر وكأنه يعرفها منذ زمن طويل!!...ذهب أنليل في موعده تماما ووجد الأميرة هذه المرة  في نفس المكان ولكنها قادته  هذه المرة إلى ممر بعيد عن عيون المصلين والكهنة الذين يعدون العدة لاحتفالات رأس السنة البابلية العظيمة  التي سيتم الاحتفال بها  بعد شهر بالتحديد....أنليل  أيها الرجل الذي لا أهوى غيره يا بركة شمش لن أستطيع أن أتحدث اليك طويل,ا خذ هذه التعويذة التي ستحميك وتعيدك سالما فأنا أعرف أنك سترافق والدي  في معركته القادمة ..فليحمك أنكي من سهام الأعداء  أنا أفكر بك كل يوم  يا انليل...قاطعها أنليل ..مولاتي أنا أفكر فيك ليل  نهار لا أنام آلا بصعوبة  طيفك يزورني كل يوم لن أستطيع أن أعيش دونك ..أنا أنليللا الرجل الذي عاش سنين مديدة  أشعر أني طفل حين أراك!! لكِ وعدي أني سأطلب يدك من والدك العظيم مها كانت النتائج   صلي من أجلنا يا حبيبتي نابو!! سأ صلي من أجلك ومن أجل بابل ومن أجلي  يا أنليل..وأهدته خاتما  ثمينا صنعته من أجله منقوش عليه صورة رمزية لكلكامش!! ...تركها أنليل بعد أن قبل يدها وجبينها و أنسحب بهدوء والحب يملئه ويفيض من قلبه و وجدانه..مرت الأيام سريعا وكان أنليل يلتقي  نابو كل ثلاثة أيام حتى صار يحسب الساعات لرؤيتها....

كانت الجيوش تتجمع بسرعة من كل أجزاء بابل  وتزحف وعلى رأسها نبو خذ نصر بعرباته الملكية ومن خلف الجيش البابلي القوي... كان أنليل قريبا دوما من الملك يشير عليه  بالأفكار السديدة .. بعد سبعة أيام من المشي  وصلوا حدود عيلام وفي الليلة السابعة  صعد  أنليل والملك ليلا على تله تطل على جيش بابل المتجحفل   وكانت النيران التي يشعلها الجنود تمتد  وكأنها إلى المالا نهاية!!..عشرات ألوف الجنود يستعدون لسحق عيلام وكأنها حشرة..أما في الطرف الثاني فقد عرف ملك عيلام أنها النهاية بالنسبة أليه لان الدول التي تحالف معها من أجل إسقاط بابل لن  تستطيع إنقاذه فقد فات الأوان  ولأنه يعرف ماذا سيحصل إن قاوم هولاء الجنود !!.

 صباحا ..جاء رسول من ملك عيلام يعلن فيه استسلامه!! دخلت الجيوش البابلية إلى عيلام  وعاد أنليل مع الملك والحرس الملك  حيث هيأ أهل بابل وكهنتها استقبال حاشدا ووزعوا الخمر وذبحوا الأضاحي احتفالا بالنصر.. وقبل أن يدخل ..الملك  من بوابة عشتار نادى على أنليل طالبا منه أن يصعد معه في العربة الملكية كي يدخلا سوية!! هذا شرف كبير لا يناله إلا من  كان  مهما جدا ومحبوبا لدى الملك!! صعد أنليل مع الملك في عربته الملكية الحربية ودخلوا عبر  بوابة عشتار بوابة النصر حيث آلاف من  سكان بابل يحتشدون لتحية الملك والجيش.. ستكون الاحتفالات  هذا اليوم حتى الصباح!!و في قمة الفرح وحين كان الملك يلوح للشعب..فكر أنليل أنه لا أحسن من هذا الوقت لمفاتحة الملك بموضوعه!! فقال: مولاي الملك  أريد أن أبوح  اليك بما يجيش في صدري!! ..رد الملك وهو  ما زال يلوح من عربته وأصوات الجماهير تكاد تصم الأذن: لا تكمل يا أنليل. فأنا أعرف بماذا نفكر منذ اليوم الأول أي منذ أن التقيت بالأميرة في المعبد!!..وغدا سأجعل منك وزيري  ومستشاري  جزاء الأخلاص الذي تحمله للملك ولبابل ..وفي يوم" آكيتو"(يوم رأس السنة البابلية) سأعلن زواجكما.. عقد الفرح لسان أنليل .. وحتى أنه لم يشكر الملك!!   وصل مع الملك إلى  الجنائن المعلقة كي  يحتفلوا مرتين مرة بالنصر ومرة  ثانية  بزواج أنليل  القريب من أبنته الحبيبة  نابو التي كانت تنظره بين ورود برج بابل!

 

 

(14) تعليقات

عائشة..نجمة الشمال.

في16/1/2007هوجمت الجامعة المستنصرية بثلاثة أنتحاريين.....مات أكثر من سبعين طالبة وطالب وجرح عشرات أخرون ..وعائشة..... كانت  واحدة من السبعين,,

 مبارك رحيلك يا عائشة..يا أيتها الطفلة الحلوة..يا أيتها الوردة..يا أيتها الصبية النقية يا من لم تدنسك الحياة ..ولم تدنسي نفسك بها. أني ألان أقول لك ومن كل قلبي.: هنيئا لك رحيلك نقية عن مقبرتنا الكبيرة..لقد أحببناك  إلى درجة أننا لم نجد شيء أكثر من الموت نتمناه لك. كانت عائشة الوردة الوحيدة بين خمسة أخوة..كانت مدللة..فهي وردتهم! كانت اصغر العائلة وكانت بمثابة أختي الصغيرة أيضا. عائلتها تسكن قريبة منا ,وأخوها الأوسط (غسان) صديقي, كنا نجلس سوية ندردش في كل شيء وكانت هي من يجلب لنا صينية الشاي..كنت أمزح معها دائما وأخبرها أن هناك شيء ما يعترض طريقها وأنها ستتعثر وتقع هي و والصينية!..وبرغم أنها تعرف أن كلامي غير صحيح إلا إنها كانت ترتبك ويحمر وجهها الصغير , فينقذها دائما أخوها غسان  ويأخذ منها الصينية فنضحك كثيرا وهي تتركنا هاربة وخلفها تركض ضفائرها! بعد سفر غسان لم اعد أراها كثيرا إلا مصادفة..كانت في كل عام تكبر وتصبح أحلى..كانت عائشة تمتلك ذلك الجمال الطاهر والخجل الحلو..كانت تسلم علي بخجل حين نلتقي في أحد تلك المصادفات في الشارع ..كنت أسألها عن أحوالها الدراسية وأن كانت بحاجة إلى مساعدتي  إلى آخره..لم أرها منذ زمن طويل ,ولكن آخر مرة رأيتها فيها  كان في صبيحة ذلك اليوم المشؤوم..استيقظت مبكرا بعد ليلة شتوية طويلة.... ذهبت إلى الفرن القريب كي اشتري خبزا حارا وفي نفس الوقت  أتمشى قليلا..كان صباحا باردا...مر الباص الذي يوصل عائشة  وزملائها وزميلاتها إلى الجامعة ..فقد كانت في مرحلتها الأولى من دراستها الجامعية..كنت أرى ضحكتها السكرية وهي تلوح لي.....رفعت يدي..لوحت لها وقلت: عائشة!! ترجم البرد..أسم عائشة إلى بخار.. ولم أعلم أن اللهيب سيترجم جسدها اليوم..... إلى رماد !..حزنت وبكيت من أجلك كثيرا يا عائشة!! يا أختي الصغرى!..لم تكبري في عيني فأنتي مازلتِ  تلك الطفلة ذات الضفائر السوداء الطويلة, ووجهك القمري وثوبك الأبيض المرصع بالورود ورموشك الأبرية.. وكفيك الصغيرتين..وأصابعك السمينة وأظافركِ المصبوغة دوما ورسغك المليء بالأساور حتى انك حينما كنتِ تتحركين فكأنما فرقة نحاسية تعزف في يديكِ!..في نهاية ذلك اليوم لم استطع النوم..كنت أراك في كل مكان!! شربت الكثير من الحبوب المهدئة ولم أعد أميز بن الحلم والحقيقة!..ولكن وكأني تحولت إلى هيولى..روح....أثير.أعيش خارج الزمن والحواس.. ..وكأني عدت بالزمن إلى ظهيرة يوم رحيلك وفي نفس المكانِ!...وقفت قرب ذاك المكان الذي تتجمع فيه السيارات التي تعيد الطلبة إلى منازلهم...وقفت قليلا..ورأيتك تأتين من بعيد.........من بعيد... رأيتك يا طفلتي..رأيتك بتنورتك السوداء المحتشمة وقميصك الأبيض  وسترتك الجلدية الأنيقة..وأنتِ تظمين حافظة أوراقك إلى صدرك وذراعاك متصالبتان عليها.. وابتسمت أنا حينها...لماذا؟ لان الأساور مازالت في معصمك! وكفك الصغيرة تعتصر منديلا ورقيا ابيض وكأنه وردة بيضاء..هل تحملين زهرة الموت ؟أما وجهكِ الطفولي ببشرته الناصعة مثل القطن ,فقد توردت وجنتاه بفعل البرد..وشعرك الفاحم لم يعد طويلا !..لم انتبه لذلك! أين ذهبت ضفائرك؟..ولكن هذا لا يهم لان شعركِ في النهاية سيحترق مثل خيوط النايلون..كنتِ تنظرين إلى الساعة المجهرية في يسراك وتحثين الخطى..هل تأخرتِ على الباص يا حلوتي؟ يا صغيرتي تأخري قليلا!..عودي إلى الجامعة! لا تتركي شظايا الحقد تمزق جسدك النقي!..ولكن من يسمعني؟ أراكِ تركضين إلى مكان التجمع وتقفين.. حاولت أن اهمس في أذنك !..أصيح في أذنك! ولكن لا فائدة فأنا خارج الزمن والحواس!...أنهم الطلبة بملابسهم البسيطة و قلوبهم الوردية وعيونهم المليئة بالأمل...... ولكن لا بد أن يكمل القدر ما بدأه ,..هاهي سيارات الحقد تراقب من بعيد..تعطي أوامرها إلى الانتحاري الأول...جاء بسيارته بهدوء..(كل العمليات الانتحارية في العراق يمكنني أن أجد تفسيرا لها حتى  تفجير الأسواق بمن فيها..ولكن كيف لهم أن يقنعوا شخصا ما بتفجير نفسه وسط الطلبة؟)..أني أراه يمد يده إلى زر التفجير..ويتمتم بعبارات الموت..ويفجر سيارته فتحدث لهيبا هائلا يتبعه صوت يفجر الأذن !! اللهب يمتد عشرات الأمتار في كل الاتجاهات!!!!كان الانفجار بعيد بعض الشيء عن عائشة..من مات مات ومن تقطعت أوصاله فقد تقطعت... وهرب ما تبقى من الطلبة بالاتجاه الآخر..ركضوا  بجنون وبلا وعي. فدفعوها..دفعوا عائشة..عائشتي ..أختي الصغيرة ..الفتاة الحلوة..وقعت على الارض وأنكشف جسدها الطاهر!!..... من أجل هذا فقط يستحقون أن تعلق جثث أولئك المجرمين على أعمدة الكهرباء! .. بعد ثواني حاصرهم انفجار أخر من نفس الجهة التي هربوا أليها!..كان تخطيطا شيطانيا!...عاد الهاربون إلى نفس المكان ..كانت عائشة حينها تبكي من الفزع  والخجل..في نفس اللحظة التي رفعت فيها عائشة يدها كي تصلح شعرها ركض الانتحاري الأخير إلى وسط الطلبة الهاربين من النارين..وفجر نفسه!!! فجرها على بعد متر واحد من عائشة...فاشتعلت معه.و.ذابت عائشة. وأحترق شعرها في نفس اللحظة.ورأيت روحها تصعد..تصعد  مع عشرات الأرواح.. وهي تلوح لي...ناديتها عااااااااااائششششششششة أين تذهبين؟؟!!( كنا نرى بعضنا فكلانا كان قد تخلص من جسده!)...نظرت ألي  وكانت تبتسم.. ورفعت  إصبعها إلى مكان ما في السماء وقالت: سأكون نجمة هناك و يوما ما, أمام الله, سأشهد..وأكون شهيدة !! تركتني وطارت إلى هناك..حيث لا يوجد ظلم..ومنذ تلك اللحظة اخترت نجمة ..كانوا يسمونها نجمة الشمال... أما ألان فأنا  أسميها.....نجمة عائشة.

 

 

(31) تعليقات

معركة المطار

أنا نبيل..... لم أشارك في هذه المعركة ولكني التقيت بعدد من الشخصيات التي شاركت فيها  وعادت منها  وكل شخصية روت لي جانبا,..ولهذا فأنا أرجو أن تسمحوا لي بأن أجمع كل هذه الشخصيات في شخصية واحدة أتقمصها... أنا كي أجمع كل هذه الجوانب........

الاستعداد للمعركة

أنا  "إسماعيل"..ضابط في الجيش العراقي

صنفي في الجيش هو: صنف الدروع في الحرس الجمهوري..استلمنا أوامر مباشرة بالتوجه إلى المطار فقد تأزمت الأمور هناك..لم تبق لنا الكثير من الدبابات بعد أن أبيد لوائنا بسبب الأوامر الصبيانية  التي أرغمتنا على التحرك من بغداد إلى كربلاء عدة مرات جيئة وذهابا وبدون غطاء جوي!! كنت أموت من الحزن كلما أصيبت دبابة من دبابات ال(T-72) فخر الصناعة السوفيتية بإمكانياتها المرعبة...كان قادتنا الشجعان ينفذون الأوامر وعيونهم محمرة من الغضب.دبابتي التي استقلها واحدة من دبابات قليلة ضلت سالمة بأعجوبة.كان الجو لطيفا برغم كل القبح فصعدت على ظهر الدبابة  وكي لا أنزلق فقد لففت يدي على مدفعها, لا أعرف لماذا شعرت في تلك اللحظة إن هذه الدبابة هي صديقتي" ربما لان عندي حنين خاص للسلاح السوفيتي فأنا أتخيلهم دوما أصدقاء لنا وحتى سلاحهم كذلك!"كان صوت محركها القوي يمنعني من سماع أي شيء –هذا أفضل- كان الناس في الشوارع ينظرون إلى رتلنا  المتواضع وأنا شخصيا تلقيت الكثير من هذه النظرات ربما لان رتبتي كانت كبيرة بعض الشيء؟وكذلك أنه من الغريب أن يجلس ضابط بهذه الرتبة على ظهر دبابة ؟ ولكني أردت أن أكون مع جنودي  فلا وقت هناك للتعالي. كانت هناك امرأة تقف في بداية الشارع وتنظر ألي نظرة أم تودع ابنها للمرة الأخيرة وحين مرت دبابتي بجانبها..رأيت دموعها تنزل ..كانت تعرف أي عدو سننازل. أثناء ذلك كله كانت الإنفجارات تدوي . مرت بجانبنا سيارة حمل صغيرة (بيك اب) مسرعة  تحمل رجال بملابس سوداء وهم يحملون قاذفات( الاربي جي).. كانوا مليشيا فدائيي صدام  .فكرت كثيرا بأهلي.. بزوجتي بأطفالي..ببنتي الكبرى كوثر ولكن لا مجال للتراجع وأنا لا أريد كذلك... وصلنا إلى المطار بعد أن واجهنا المدخل الرئيسي الذي يحرسه عدد من  فدائيي صدام,  كانت الدنيا تشتعل من حوله ولكن المعركة الحاسمة لم تكن قد بدأت, رأيت عددا كبيرا من الحرس الخاص والحرس الجمهوري وفدائيي صدام و المقاتلين العرب الذين تم تدريبهم في الكلية العسكرية.. أديت التحية للضابط المسؤول و أبلغته بالموقف شفويا..طلب مني أن ادخل سريعا, كان يتكلم وهو يتلفت..كانت البنايات بيد العراقيين  ولكن بعض المناطق المحيطة بالمطار يسيطر عليها االمارينز سيطرة تامة...كان مدرج المطار الطويل مليئا بتلال من التراب وذلك لقطع الطريق أمام أي  محاولة هبوط لأي طائرة..دخلت إلى الملجأ الذي حفر كما يبدو على عجل, أخبرني الضابط المسؤول وهو يتكلم بحدة: أن الأوامر واضحة وهي :الصمود ومحاولة تكبيد العدو أقصى خسائر ممكنة...تركته وخرجت متجها إلى بناية أخرى بعد أن مررت بما تبقى من دبابات اللواء التي حاولنا وضعها في مكان يوفر لها بعض الحماية من الضربات الجوية..كان طيران الاستطلاع يتحرك بلا هوادة وبكل الأحجام حتى الصغيرة التي تسير بدون طيار والتي تصدر أزيزا مزعجا.شعرت بجوع شديد فأنا لم آكل منذ ألامس! توجهت إلى مكان دلني عليه الضابط المسؤول حيث توزع "ألا رزاق" كما يسمونها بالمصطلح العسكري.. أكلت بعض الطعام البارد وقطعة من الخبز..كان عندي بعض الفضول حول أولئك المقاتلين العرب ..كانت جماعة منهم تجلس سوية في أحد أركان البنايات..سلمت عليهم..ردوا علي السلام بحرارة مسحت الجالسين بنظرة عابرة ولكن أكثر من جذب انتباهي ,صبي  يبدوا انه  ومن خلال سحنته أنه من اليمن ,كان ضئيل الجسم حتى إن القاذفة كانت كبيرة علية! جلست معهم وعرفوني بأنفسهم  وحسب ما أذكر: صلاح من الجزائر , ناصر من الجزائر أيضا و عبد الرحمن  من مصر, والأخير-الصبي-عبد الله من اليمن.. كان ما يثير الاستغراب هو تلك الابتسامة التي على وجوههم! كان عبد الله من اليمن يسألني بنفاذ صبر: متى تبدأ المعركة؟ ابتسمت وأجبته بسؤال: ولماذا أنت مستعجل؟ أجابني بجدية بددت ابتسامتي: أنا مستعجل من أجل الشهادة .قرأت في وجوه الأخرين تعبير يوحي بالتأييد ,كان يتكلم بلغة عربية فصيحة وهو ينظر إلي نظرة صارمة....فكرت في نفسي..كم هي ملعونة الحرب, صبي مثله أمامه الكثير كي يقوم به غير تلك المعركة الخاسرة.. من أقنعهم  بالمجيء؟ تركتهم مبتعدا لأني شعرت بالضعف  فأنا لا أحمل مثل أيمانهم وشجاعتهم! ..تمشيت إلى مقر القيادة , حيث أن هناك اجتماعا للقادة بعد حوالي عشر دقائق كما أخبرني أحد الجنود ..دخلت إلى مقر القيادة ,إن الاجتماع سريعا وكان يضم مسؤولين من المخابرات و فدائيي صدام والحرس الجمهوري والخاص والفدائيين العرب..كانت هناك خريطة للمطار والمناطق المحيطة به وعليها تأشيرات تدل على أماكن تواجد العدو. أبلغونا أنه تم اتخاذ قرار من جهات عليا بالهجوم مبكرا قبل حلول المساء لأن الأعداء يتفوقون علينا بالمعارك الليلية بما يمتلكون من معدات , أذن ستبدأ المعركة..أبلغنا الضابط المسؤول بالبقاء في مواضعنا لان القصف التمهيدي سيبدأ بعد ربع ساعة فقط والقصف سيتم من مناطق  قريبة من المطار حيث سيتم القصف بكل شيء,من الصواريخ إلى المدافع إلى الهاونات الثقيلة إلى الراجمات,أي باختصار سنقصف بكل شيء نمتلكه... بقيت جالسا في المقر المحصن ..حيث تبادلت الكلام مع أحد أصدقائي من الضباط القدامى الذي تخرج معي من نفس دورتي_ لقاء شخص تخرج معك من نفس الدورة هو لقاء له طعم خاص وكأنك تتحدث إلى شخص ولد معك من نفس الرحم وفي نفس اللحظة ! سألته: أخبرني يا عبد الجبار منذ متى وأنت هنا؟زفر زفرة طويلة وحزينة...أنا هنا منذ اليوم الأول..اتسعت عيناي و ألحقته بسؤال آخر: هل ما سمعناه صحيح؟ تلفت و بعد أن أطمئن بعدم وجود شخص قريب..أجاب هامسا: أنا لا أعرف ما سمعتموه ولكن كل ما ستقوله صحيح, ولكن أولا دعني أخبرك عن المحاولة الأولى لاحتلال المطار. بعد أن قامت القوات الأمريكية بمحاولة إنزال قاومناه بكل قوة وقدمنا الكثير من التضحيات. انسحبت هذه القوات بعد أن رفعتها الطائرات المروحية المخصصة لنقل الجنود وبعد وقت قصير فوجئنا بقصف غير عادي! حيث ضربونا بقنبلة واحدة فقط أبيدت على أثرها أكثر من نصف قوتنا!..وهنا سألته باستغراب: قنبلة واحدة؟!! أجابني نعم..قنبلة  واحدة نورها أزرق يصل إلى  السماء..وبعد ساعات حاولنا أن نخلي الجرحى والقتلى, أتعرف ماذا وجدنا؟ لقد وجدنا جنودنا بكامل ملابسهم وكأنها لم تمس وكذلك أسلحتهم ولكن بدل أن نجدهم مصابين بشظايا أو جروح ..وجدناهم متفحمين!! هل تتصور نوع القنبلة!! أنا ألآن أكلمك وأنا أعرف أنهم إذا واجهوا مقاومة عنيفة فلن يترددوا باستخدامها مرة أخرى فهم  غير مستعدين للخسارة أبدا. في هذه الأثناء دقت ساعة الصفر فقد سمعنا صفير أول قذيفة مدفع عراقية  ..لقد عرفتها .أنها قذيفة مدفع نمساوي ثقيل... عرفتها من صفيرها.. بعدها اختلطت علي الأصوات ما بين راجمة ومدفعية ثقيلة وصواريخ قصيرة المدى و  كل شيء يمكن أن يخطر على البال....

 

المعركة

انتهى القصف التمهيدي بعد حوالي ثلاثة أرباع الساعة  وأعطيت لنا الأوامر بالهجوم...ألف مقاتل سيهاجمون الجانب الشمالي من المطار ولا تفصلنا عن القوات الأمريكية سوى الأسلاك التي تحدد حدود المطار... كانت عشرات السيارات من نوع "بيك اب" وعشرات المدرعات وما تبقى من ال (T-72)  تشغل محركاتها للمرة الأخيرة.....كان الجميع يعلم أن هجومنا هو هجوم انتقامي...تجولت بين الرجال..كنت أنظر إلى عيونهم...كانت تجمع الحقد..تجمع الموت ..لم أراهم يفكرون بالمصير الذاهبين إليه..كانوا صامتين وهم يفحصون أسلحتهم للمرة الأخيرة..كان الرجال أسرى توقهم للمعركة..( لن تجد رجالا أصدق من اولئك الرجال في تلك اللحظة)... تجمعت فصائل القوات الخاصة  بقبعاتهم الحمراء المميزة وملابسهم المرقطة وكذلك تجمع الفدائيون بملابسهم السوداء وأنزلوا أقنعتهم  حتى العنق فظهرت عيونهم فقط...صاروا مرعبين أكثر..كانوا يحملون سيوفا قصيرة تحسبا لمعارك السلاح الأبيض التي يبحثون عنها...الله أكبر..الله أكبر..الله أكبر... صحنا ثلاثا ...وركضنا سوية ..نحو الموت..نحو اللاعودة..نحو التحرر من هذه الحياة...عشرات الآليات انطلقت دفعة واحدة..أمامنا مسافة ليست بعيدة..ولكنها بعيدة!! سباق مع الزمن...سباق مع فوهات المدافع التي تعمل بالليزر..سباق مع المقاتلات ..سباق مع مدافع المروحيات الفتاكة. قاد السائق دبابة ال(T-72) بأقصى سرعة  كنا نريد أن نشتبك معهم كي نلغي دور سلاح الجو الأمريكي ..ألقمت مدفع دبابتي الغالية بقذيفة ويدي لا تفارق الزناد بحثا عن هدف..كنت متوترا..أتعرفون متى ينسى الجندي الخوف؟ نعم ..عندما يطلق هو أول إطلاقة فأن الخوف سيندفع بعيدا مع