إيهٍ ..عدت رفيقاً للسلاح مرة أخرى !ردّدها مع نفسه وهو ينظّف بندقيته ويبتسم بحزن واستسلام ...عاد بالذاكرة سنين طويلة كي يرى نفسه وهو يصعد في عربات أل" إيفا " التي كانت تنقل الجنود نحو المعركة - كانت معركته الأولى - وتذكّر ملابسه الواسعة التي كانت تثير الضحك ,ووجهه الأمرد المشعّ بالخوف و كفّه القابض على السلاح بصعوبة....ثماني سنين لم يترك شبراَ من حدود العراق لم يقاتل فيه, ومازال يتذكر كل معركة خاضها وكل ضابط قاتل تحت إمرته ...تذكرّها جميعا..واحدة ...واحده.. ....إيهٍ يا معارك "بن جوين "..إيهٍ يا معارك " الفاو"..إيهٍٍ يا معارك "نهر جاسم".. صكّ على أسنانه وهو يردّد : "(نهر جاسم)", فهناك فقد الكثير من الأصدقاء الذين قضوا في الكمين الأسود لهذا النهر الجاسم ,حيث ظلت أجساد الشهداء تطوف ببطء على سطح الماء مثل أوراق الخريف التي يجرفها التيار بهدوء...... تذكر معارك السلاح الأبيض حين يشتبك الجنود ويتداخلون فلا يمكن استخدام الرصاص في ذلك الزّحام حين يتقاتل الأعداء والأصدقاء على نفس المتر. و لسوء حظه أن معركته الأولى كانت بالسلاح الأبيض , زفر بمرارة و عاد يمسح البدن الأسود للبندقية وهو يحاول تناسي الماضي والموت والموتى , لكن عبارة من مذيع الأخبار التي كان يستمع إليها من راديو صغير بجانبه جعلته ينتبه !,حين قال المذيع:"وبهذا قد بلغ عدد قتلى القوات الأمريكية بعد خمسة سنوات من احتلال العراق إلى أكثر من أربعة آلاف جندي ", عند تلك العبارة التفت إلى الراديو لثانية وعاد كي يكمل تنظيف البندقية وهو يتمتم : أربعة آلاف !؟ هزّ رأسه بازدراء قائلاً :" في معركة تحرير الفاو وحدها مات منا أكثر من خمسين ألفاً في اقل من ثلاثة أيام!". ثمّ أكمل تنظيف سلاحه ومسح يده التي صارت متآلفة مع زيت السلاح ومعدنه ولبس ملابس ثقيلة وتأمل وجهه المتغضّّن وشعره الأشيب في مرآة صغيرة مثبته على الجدار , ثُم اخذ سلاحه ومشى نحو نقطة الحراسة كي يُستبدل بزميله الذي يقف هناك منذ ثلاث ساعات . كان البرد قارصا والصحراء مفتوحة إلى نهاية المدى , زر معطفه العسكري وجلس في نقطة الحراسة مراقبا من فتحتها رمال الصحراء وأضواء قرية بعيدة تتلألأ على الطرف الآخر من الحدود , آه كم هو رائع الجلوس في الصحراء لفترة من الزمن , لابد أن يقضي كل إنسان وقتا ما في الصحراء كي تصبح روحه أصفى, أعاد تشغيل مذياعه الصغير ( المذياع هو الرفيق الدائم للحراس , حيث يؤدون أكثر المهن إشعاراً بالملل وهم في انتظار شيء ربما لن يأتيََََ أبدا) . نظر سالم إلى السماء متأملا النجوم في هذا اليوم البارد الصافي و قرّر مع نفسه أن يجمع عدد الساعات التي قضّاها واقفا في نقاط الحراسة ! ظل يعد ويضرب ويجمع حتى كاد يصل اخيرا إلى نتيجة لو لا أن عينه الخبيرة التقطت حركه مشبوهة , فقبض بصورة لا إرادية على سلاحه ,كانت حركه لمخلوق واحد فقط أو هكذا بدت , اخذ المصباح و فتح أمان البندقية وسحب الترباس كي يلقم بيت النار رصاصة مستعدة للانطلاق والاختراق ثُم سار بحذر واحتراف وإصبعه يلامس الزناد برقّّّة , كان ينقل خطواته بحذر محاولا ألاّّّّ يثير أيّ صوت , فحتى الأنفاس ربما تكون مسموعة في هذا السكون الممتد بلا نهاية .... لم يكن الهدف يبعد أكثر من مائتي متر ,ربما هو حيوان وربما هو شيء آخر لكن على الإنسان إعطاء فرصة لحدسه فهو يصدُق أحيانا كثيرة , هذا ما تعلمه من سنين حياته الطويلة التي قضاها بين الرصاص ,وقد أنقذه حدسه كثيراً,ظل يسير وهو منحنٍ ومتحفز وكلما تقرب أكثر اتضحت معالم ذلك الشيء أكثر , كان شخصا يسير حانيا ظهره , حتى كأنه يزحف ! محاولا تجاوز النقطة الحدودية باتجاه أضواء تلك المنازل البعيدة في الطرف الآخر , اقترب سالم منه أكثر وصاح بصوت قوي وحازم : قفْ!! أشعل الضوء ووجهه على وجه ذلك المخلوق وبعدها دار بالضوء حول المكان كي يتأكد من عدم وجود أشخاص آخرين, وجه البندقية نحوه بحذر شديد و الضوء يعمي بصر ذلك الشخص, تفاجأ سالم من أن المتسلل صبي لا يتجاوز عمره الثمانية عشرة سنة! كان ذو وجه صبيانيّ أسمر مؤطر بلحية شعرها أشبه بزغب ينتشر في أماكن متفرقة من وجهه , ويلبس ثوبا متسخا يبدو أنّ لونه كان أبيضَ , وهو يرتجف من البرد والرّّّعب , نزلت دموع الصبي وكان تعبير وجهه لا يعكس سوى الحزن والخوف, تحرك قلب سالم من مكانه ,رأى نفسه في معركته الأولى !, فتّشه بسرعة وسأله : من أنت وماذا كنت تريد أن تفعل , ولا تكذب !, فأجاب الصبي والدموع تخنقه:"أرادوا أن ُيزنّروني بحزام ملغوم فهربت"!! . في تلك اللحظة أنزل سالم سلاحه وهزّ رأسه بملل وسأله مرة أخرى: منذ متى و أنت هنا؟ - أنا هنا منذ حوالي أسبوع , كنت أظن باني سأقوم بأشياء أخرى! - لقد خدعوك أيها الصبي, (فكّر سالم مع نفسه وتخيل مصير هذا الصبي الأرعن , لو ظل هنا , أو لو قبُض عليه , لن يرحموه مطلقاً ) كانت عيون ذلك الصبي مليئة بالتوسّل, نظر سالم إليه مطوّلا وتأكد من انّّه فتى بريء لعبت برأسه أفكار لم يحسبها جيدا , - أطلقني يا أيها الجندي , أعدك باني لن أعود , نظر سالم مرة أخرى وخلع معطفه وأعطاه للصبي وقال: الطريق بعيده فكن حذراً و لا تعد مرة أخرى , تركه سالم وعاد لنقطه التفتيش , وفوجئ بزميله الذي سأله أين كنت ؟ - كنت أتحقق من حركه مريبة. - وماذا وجدت؟ - لا شيء إنها حمامه طارت ليلا وظلت الطريق.
*1* هالة عملاقة من الغبار بفعل سرفات الدبابات بضجيجها المهول و المندفعة بخط مستقيم نحو النجف .السماء مزروعة بسرب من المروحيات والمنازل المتناثرة مثل جزر صغيرة في البحر تعلن أن المدينة ليست ببعيدة وهي بانتظار معركة صغيرة أخرى... *2* المعسكر الميداني الأمريكي يبنا على عجل و مروحيات تهبط وأخرى تصعد مثيرةً غباراً مزعجاً يتغلغل إلى العيون والجميع منشغل عدى الضابط الطبيب "مارك إدوارد "الذي كان يضع حاسوبه النقال في حجره وهو يكتب مذكراته اليومية ,مارك الرجل النيويوركي الثلاثيني بشعره الأشقر القصير ومنكبية العريضين وقامته المديدة وعيونه الزرق الحادة , وإذا استعنا بمقولة: إن كل إنسان يشبه حيوان ما, فمارك كان يشبه الصقر . كتب في مذكراته : لا يمكن تصور الحرب إلا إذا عشناها ورأينا ضحاياها فلا شيء أقبح منها فهي تجمع الألم والقسوة والموت في خليط عجيب والناس والجنود يصبحون قساة فجأة !. حين وصل إلى تلك النقطة أحس بكف تعصر زنده بلا أبالية وصوت صديقة الطبيب الاسود "توم "الذي كان يلبس قفازات طبية طالبا منه الاستعداد لأن المروحيات جلبت بعض الجرحى المدنين والعسكريين العراقيين . زفر بنزق و أغلق حاسوبه على عجل. *3* كان الأطباء ينتظرون فتح أبواب المروحيات الثلاثة كي يحددوا أولويات العلاج والتداخل الجراحي . نقلوا كل الجرحى وحددوا الأولويات وكان من ضمن أهم الأولويات فتاة عشرينية أصيبت بنزف داخلي وجروح في البطن . لم ينج احد من عائلتها كما اخبرني الجنود (هذا ما قالته الممرضة وهي تساعد في رفع زينب إلى طاولة العمليات ) . دخل مارك وهو يضع بهدوء الكمامة على فمه منتظرا أن يكمل طبيب التخدير مهمته , متشاغلا بقراءة تقرير أولي عن حالة زينب ..تقدم نحوها وهي في حالة تخدير كاملة ..سقطت الأوراق من يده حين نظر إليها! شعر بدوار خفيف ونبضات سريعة ....شعر بذلك الشعور الذي كان يقرأ عنه في الكتب ويراه في الأفلام التاريخية والذي يحتاج المرور به إلى معجزة في زمن توقفت فيه المعجزات ...شعر بان روحه تطابقت مع تلك الإنسانة فهو لطالما تخيل بان أرواح الناس تنطلق مستقبلة أرواح الآخرين ولها اشكال هندسية اما أن تتطابق مع بعضها بنسبة اولا تتطابق أصلا ولكن من الأسطورة أن تتطابق بصورة كاملة و هذا ما حصل اليوم ! . رفع مارك الأوراق بارتباك وهو يركز على هدف واحد فقط : يجب أن تعيش هذه الإنسانة التي تملك وجه قديسة مهما كلف الأمر ,ظل لأربع ساعات متواصلة واقفا على قدميه من اجل إتمام العملية بعدها نُقلت إلى خيمة أخرى وهو يشعر بتعب كبير بسبب المحاولات المتكررة في تركيز انتباهه الذي يتشتت باتجاه تلك المرأة في كل لحظة. *4* كان ممددا على الفراش واضعاَ سماعات الرأس وهو يستمع لموسيقى هادئة باحثا عن إجابات للحالة التي يمر بها, لم يستوعب بعد الشعور الذي يشعر به وظل في انتظار أن يتلاشى فهو رجل مجرب وحكيم ويعرف بان الرجال بعض الأحيان يستسلمون لأوهام لا تدوم طويلا لهذا فأن كل الحكماء ينتظرون فترة طويلة كي يتخذوا قراراتهم, إن كان لديهم متسع من الوقت.تذكر "سالي" التي كان يضن بأنها كانت حبه الحقيقي الوحيد وعرف بأن الشعور الذي شعره اليوم يجعل سالي عبارة عن وهم..مرت ثلاثة أيام وزينب في غيبوبة لكن مؤشراتها الحيوية لم تثر قلق مارك أبدا, كان يقرأ تقريرا عن حالتها وهو يتطلع بكل نقاء الرجل حين يحب نحو زينب النائمة والمزروعة بالأنابيب وقد أعاد وجهها الأسمر الصافي ,برغم شحوبه, صورة ساحرة للشرق وغموضه وتمنى لو إنها تفتح عينييها كي يرى روحها . لاحظ الجميع اهتمامه بها ولم يكن ذلك يضايقه أبدا , في اليوم الرابع حظرت الممرضة إلى خيمة مارك كي تخبره بان زينب تستيقظ , تحرك على عجل نحو خيمة المستشفى وقلبه ينبض بسرعة , كانت تجلس والألم واضح عليها اقترب منها مارك وطلب المترجم كي يسألها بعض الأسئلة ولكنها فاجأته بأنها ليست بحاجة إلى ذلك فهي مدرسة لغة انكليزية أصلا , أفرحه ذلك جدا , وهو ينظر في عينيها الواسعتين وفي كل ثانية تمر يتأكد بان شعوره كان حقيقيا , هي كامرأة وبرغم كل الألم شعرت بان مارك كان ينظر إليها بشكل مختلف , شكل يذكرها بطفولة الرجال الذي يصابون بشيء غريب حين يحبون ويشعرون بان الطرف الآخر قد يبادلهم الشعور , فهم عندها يعيشون في سلام داخلي و يشعرون بأن السماء قد عاملتهم بكرم شديد وانه حان الوقت كي يشكروها , فيفكرون بطريقة مغايرة تماما فمن يفكر بان يهاجر يفكر مرة أخرى بالاستقرار , ومن كان قد نسي فكرة الارتباط نجده يستعيدها وبكل إصرار ومن كان يفكر بالإقلاع عن الخمر فهذا وقته ,يعني كل قرار مؤجل سيتم البت فيه , ولكن هناك الكثير من يخلط بين الحب وبين الرغبة بأن يحب , وحين يسأل الرجل نفسه هل أحب تلك المرأة هل هي مناسبة لي ؟ حينها يتوجب عليه أن يعرف بأنه لا يحبها . لأن كل أمرآة نحبها وتحبنا هي مناسبة لنا. ظل مارك يتردد على زينب لقضاء كل فترات استراحاته معها سألها عن كل شيء ووعدها بان يرسل من يخبر أخوها الذي لم يكن يسكن معهم في نفس المنزل الذي طحنه صاروخ اخطأ هدفه . كان معجبا برباطة جأشها حين علمت بأنها فقدت كل عائلتها في القصف…بكت بصمت ليومين حاول مارك ان يكون بجانبها ذلك الوقت . في اليوم التالي اخبروها بان أخيها قد جاء كي يزورها فقد وجد اسمها في قوائم الجرحى الذين تعالجهم القوات الأمريكية , كان لقاءً محزننا فقد بكوا كثيرا لفقد أولئك الأحباء , أراد أخوها أن يعرف متى يمكن أن تخرج من المستشفى , فلم يكن من مارك إلا أن يخبره بان أمامها أسبوعان كي يتم التأكد بان كل شيء على ما يرام وهو يعرف بأن أسبوع واحد يكفي , أرعبه أن لا يرى زينب بعد أسبوعين فقط! لم يكن يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف , كانت كل يوم تتغلغل في مساماته أكثر تدخل في تلا فيف دامغة وتسكن هناك ,حتى جاءت تلك الليلة التي كان يجلس فيها مع زينب وهي تحدثه عن الإسلام والتي فجاءته بسؤال خارج نطاق النقاش وقالت بلغة انكليزية بلهجة شرق أوسطية ووجها يحمل ملامح بعض الجدية: ماذا تريد مني يا مارك؟ أنا لست غبية و اشعر بأنك لا تعاملني كمريضة فقط, نظر مارك في عينيها مباشرة وقال بتردد وهو يشيح بنظره بعيدا وعنده رغبة داخلية بالبكاء : يا زينب هناك الكثير من الأشياء في حياتي لم أجد لها اجابة ولكن الشيء الذي أنا متأكد منه هو أني لا أريد أن أفقدك ,اعترف لها بشعوره منذ أول يوم رآها فيه , وبعد أن أكمل تمنى لها ليلة سعيدة وخرج من الخيمة بدون ان ينتظر سماع عبارة واحدة منها. لم يبق سوى ثلاثة أيام كي تخرج زينب وهو مستعد لخسارة أي شيء عداها فهو لن يتحمل خسارتها بلا شك , في تلك اللحظة خطر في باله الاستعانة بأحد المترجمين كي يعرف الطريقة التي يمكن أن يتصرف بها , هل يحاول مثلا إيجاد عمل لها معهم ؟ كلا ربما تترك العمل ولن تعود أبدا , هل يأخذ عنوانها ؟ كلا أنها فكرة غبية هل سيزورها مثلا ! لم يبقى أمامه غير أن يفكر بالارتباط بها وهذا قرار صعب برغم انه فكر به غريزيا كخيار أول كي تكون قريبة منه الى الابد , لكنه فكر بان ذلك ربما هو صعبٌ عليها أكثر مما هو صعب عليه , تناقش مع المترجم الذي استغرب كثيرا من إعجاب مارك بامرأة مثل زينب تختلف عنه في كل شيء! , لكنه وصل معه إلى نتيجة واحدة . في الطرف الآخر كانت زينب تشعر بنفس ذلك النبض وان كان بمقدار اقل من مارك لكنها تعرف بأنه يحبها وان فيض ذلك الحب بدأ يبلل أرضها وهي تعلم بأن نتيجة ما تفكر به صعبة وربما لن يتقبلها احد لكنها ليست مستحيلة. *5* انه اليوم الأخير لزينب بعد أن استعادت عافيتها وقد قضى مارك ليلته ساهرا مع نفسه محاولا الوصول إلى نتيجة ,وفي ساعات الفجر الأخيرة وصل إلى قرار كان مستعدا أن يواجه الكثيرين من اجله , لبس ملابسه العسكرية وهندم نفسه ونظر طويلا في المرآة وآثار السهر واضحة على وجهه الحازم وتقدم بخطى ثابتة نحو زينب التي كانت تحضّر أغراضها وأدويتها استعدادا لترك المستشفى العسكري متوقعة حضوره كي يودعها وأن يقول لها أي شيء عدا ما قاله لها في تلك الساعة , كانت واقفة تتحدث مع الممرضة التي صارت صديقتها حين جاء مارك فتركت الممرضة المكان مستأذنة ,حينئذ نظر مارك لدقيقة في وجه زينب وقال بدون اي مقدمات: زينب هل تقبلين بأن تتزوجينني؟ ***6*** الطائرة تحط في مطار نيويورك وزينب تحاول استيعاب كل معالم المطار في بلد كل شيء فيه من الحجم الكبير . كان هناك بجوارها رجل يحمل كل سعادة العالم ويتمنى أن يصبها في قلبها, نظر نحوها وهو يبتسم ونادها :زينب ! نعم يا محمد ( ردت وهي تلتفت إليه بعفوية ) قال: أمريكا أخذت الجيوش كي تحتل بلدك وخاضت معارك كبيرة وأنت ألان تدوسين نيويورك وتحتلينها بالحب لا بالسلاح ! أجابته بابتسامة عريضة : حين نصل إلى البيت سوف أخبرك عن احد الغزاة وهو "جنكيز خان" الذي هرب راكضا من بغداد إلى سوريا يشكو حب بغداد إلى أختها دمشق وبكى بين يديها وأعلن إسلامه هناك.
كانت عيناه تلمعان وهو يتسلم سلاحه الجديد, فقد انضم إلى هذه المجموعة للتو, كان ذلك إغراء ً شديداً لصبي لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد ,إغراء الصلابة التي يبعثها ذلك المعدن الأسودالمحمّل بالقوة التي يهبها لحامله .لم يتأخر عدنان في وضعه في خاصرته مقلدا من هم اكبر منه و محاولا تقمص تصرفهم حين يحصرون المسدس بين الخصر والحزام , مرفقا ذلك بابتسامة عفوية. فقد حقق حلمه الذي كان يولد كلما مروا أمامه مسرعين بسياراتهم الحديثة ووجوههم المقنعة .كان فتى يحمل في روحه شبق المغامرة المخلوطة بالرّعونة و ادعاء الرجولة والانقياد إلى تلك الرغبة الجامحة وإظهار الولاء المطلق لأولئك الرجال الذين رحّبوا به بعد أن راقبوه لشهر كامل كي يزجوا به كدماء جديدة بينهم ." إيه كيف حالك يا عدنان؟"- سأله قائد الخلية الذي يحمل وجهه الكثير من القسوة التي حاول إخفائها بابتسامة غاب عنها شعاع الطمأنينة الذي كان يفقد خيطا منه مع كل ضحية من ضحاياه حتى تلاشى تماما" أنا بخير" - أجابه عدنان بصوت حاول أن يجعله خشنا وقد شدّ على حنجرته محاولا إثبات أمرما لهذا المسؤول ,أراد ربما أن يثبت له بأنه ليس اقل كفاءةأوشجاعة من كل المحيطين به ممّن هم اكبر منه سنا .كانت هذه التصرفات مكشوفة لمثل هؤلاء الأشخاص الذين يلعبون مع الموت ويطعمونه الأبرياء كل يوم ، و في نفس الوقت كانوا يعرفون بأن عدنان سيفعل أي شيء من اجل أن يثبت لهم بأنه كفؤ حتى يقبلوه ويعاملوه كما يتعاملون فيما بينهم, نظر ذلك الشخص باتجاه عدنان و الذي كان يمتلك لحية خفيفة ورأسا يشبه رؤوس الهررة وهو يجلس خلف منضدة قديمة وتكلم قائلا :"تعال غدا إلى مكان مناسب كي تتمرن على استعمال سلاحك ولا تنس ما أخبرناك به من أن أي كلام يدور بيننا سيبقى سراً و أيشخص يحاول التخلي عنا سيكون مصيره معروفا . قال كلمته الأخيرة وهو ينظر بتركيز وتهديد في عيني عدنان الذي هزته بعنف نبرة الكلام والنظرة و يبدو انّه ندم لوهلة. "نعم لقد فهمت" - أجاب عدنان متمنّيا أن يسُمح له بالذهاب ,فقد كان حضور ذلك الشخص طاغيا ويطحن أية شخصية ليست قوية بما فيه الكفاية لمواجهة تلك الأمواج الرّوحية المعقّدة تعقيدا وحشيّا والقادمة من صدره الواسع الحيوانيّ، لقد سمحت له الجماعة بالمغادرة بعد أن وضعوا في جيبه مبلغامن النقود يكفي لشراء رصيد لتعبئة هاتفه المحمول ولتناول عشاء جيد .كان الفتى وقتها قد قرر أن يخبر حبيبته التي تصغره بأشهر قليلة ,أنّه صار جزءا من أناس أقوياء يخافهم الجميع وانه الآن يمتلك سلاحاَ, وطبعا سيكذب قليلا ويبالغ كثيرا ببعض الأشياء, لعلّه قد يخبرها أيضا بأنهم توسلوا إليه كي يقبل أن يكون جزءً من مجموعتهم فهم قد سمعوا عن شجاعته وجرأته . تناول عشاءه ببطء في المطعم القريب من منزلهم وهو يتحسّس مسدّسه كلّ دقيقه متمنّيا أن يقف وسط الشارع ويصرخ :"يا أيها الجبناء أنا صرت قويا واستطيع قتلكم متى أريد، فعاملوني باحترام و إلا...ثمّ طرد هذه الأفكار من رأسه وعاد إلى منزله حيث كان زوج والدته غارقا في نوبة من نوبات السكر العميقة التي تنتهي دوما بشتم والدته وضربها ... و لحظة دخول عدنان كان ذلك الرجل البدين في أوج حفلة عربدته وبمجرد أن انتبه لوجود الفتى وجّه مدفع شتائمه باتّجاهه . ولقد كانت هذه هي اللّحظة التي كان ينتظرها عدنان ! فلم يتأخر في إخراج مسدّسه الجديد الذي كان لطلائه قدرة عجيبة على امتصاص الضّوء . لقد كان شعور عدنان شعور شخص يطارد فريسته منذ زمن طويل والآن حضي بها فقد كان يتحمل الشتائم دوما ويدخل معه في مشادّات ومسك بالأيدي ويظهر له كرهه بشتى أنواع التّعبير عن الرفض و الاختلاف ,ثمّ وجّه مسدسه وابتسامة غضب تلوح في وجهه الفتيّ ولكنّها اختفت حين أدار وجهه نحو والدته التي كان شعرها متناثرا على وجهها تجاعيد وجهها الأبيض المتالّم من صفعه قويّه تلقتها من زوجها . و لم ينتظر ابنها أن تحكي له أيّ شيء فهجم مباشرة وأمّه تصرخ صرخات هستيريّة متوسّلة إيّاه أن يهدّئ من روعه ،ولكنّه كان في عالم آخر ودخل في نوبة غضب. فقد كان عدنان من النوع الذي يفقد سيطرته على نفسه حين يغضب . ولم يتأخر كثيرا حتّى صفع وجه زوج والدته بجانب المسدّس ففقد ذلك الثمل سيطرته وتمدّد على الأرض مرعوبا ،خائرا كالثور ، متمتما بشتائم وعبارات مبهمة ممّا جعل عدنان ينهال عليه ضربا في هذه المرة بكعب المسدّس بحركة تعلّمها من إحدى أفلام المغامرات والعنف التي كان يدمن على مشاهدتها , و انتهى المشهد بوجه يغطيه الدم وعويل أمه .ثمّ ترك عدنان المنزل وهو يهدّد زوج والدته بأنه في المرة القادمة تكون عقوبته من فوهة المسدس مباشرة لا كعبه ....مر أسبوع كامل وقد كان يتلقى التوجيهات والتمارين على السلاح و كان يشعر بأنه أقوى من الآخرين وقد تمرّس به أكثر فأكثر .. ولم يمرّ زمن طويل حتى تلقىّ اتصالا من قائد المجموعة يأمره فيها بالحضور سريعا إلى بداية الشارع حيث كان ينتظره بسيارة يركبها اثنان من مرافقيه لم يرهما من قبل. تفحصا عدنان بدقة قبل أن يصعد و ذهبا سويّا إلى منزل قريب من منزله وجلسوا في غرفة إحدى المنازل قبل أن يتحدث الرّجل ذو رأس الهرّ عن الولاء مهدّدا إيّاهم بانّ كل من يحاول إيصال معلومات للجهات المعادية إنسان خائن، والخائن له عقوبة واحدة يعرفها الجميع . خاف عدنان وغادر الدم شفتيه ووجهه ظانّاً بان الكلام موجه نحوه. فراجع نفسه سريعا وتساءل فيما إذا كان قد تحدث أو ذكر شيئا ما يخصّ ما يفعله معهم ولكنّه لم يكن يتذكر أي شيء من هذا القبيل ! و في نفس اللحظة التي توصّل فيها إلى تلك النّتيجة اخرج مسؤوله صورة لشخص أربعيني عرفه عدنان مباشرة. فقد كان والد أحد أصدقائه في المدرسة قبل مغادرتها . ثمّ التفت إلى مسؤوله وقال : "أنا اعرف ذلك الشخص " , أجابه المسؤول ,إنّه خائن فنحن نظن بأنه وشى بنا لقوات الأمن ويجب أن ينال عقابه وأنت من سنفذ فيه العقاب , لا تخف فهو هدف سهل فهو يخرج كل يوم بنفس الوقت , ستركب دراجة نارية وستكون عند ناصية الشارع منتظرا أن يفتح باب منزله خارجا بالسيارة وتلبس قناعك واحذر أن يعرفك احد وحين تقترب منه كن بجانبه وأطلق اكبر عدد من الطلقات عند الرأس والصدر وغادر بأقصى سرعة متوجها إلى مكان سيحدده لك احدهم يوم غد صباحا حين يسلمك الدراجة النارية التي جلبناها من مكان آخر , أنا اعرف بأنك تجيد قيادة الدراجات النارية لهذا اخترتك.كان الرّجلان الآخران يراقبان فقط ولم ينطقا ولو بكلمه واحدة .و أوصلاه إلى نفس المكان الذي أحذ منه. وعاد عدنان مشتت الانتباه والتركيز لا يعرف كيف يرفض أو ما يقول ولكنّه قد اختار طريقه فهو يعرف بأنهم سيطلبون منه ذلك يوما ما وكان كل اعتقاده بأنه سيكون معهم فقط كي يقوم بجولات في السيارة او يشتبك مع العدوّ بطريقة رومانسية . وهكذا حين يجرح ستحبه حبيبته أكثر وتنظر إليه كرجل وكذلك فان زوج أمّه سيخشاه حين يعلم بانتمائه لتلك المجاميع .وقد تمتم بينه وبين نفسه " لم يعد هناك وقت للتراجع سوف اثبت لهم باني شجاع ولن أخشى تصفيه احد".لم يستطع الّنوم بسهولة و بعمق فكان يصحو كل ساعة أو اقلّ من ذلك وقد كان يتأرجح بين الحلم واليقظة فلم يتذكّر أيّ حلم من أحلامه سوى ما بقي منه من انطباعمزعج .لقد كان يبحث عن دلالة رمزيه علّها ترشده فيما إذا كان سينجح أم لا .دقّ هاتفه النقال عند الساعة السابعة إلا الربع ,وقد كان اتصالا متوقعا ومتفقا عليه مسبقا ....فارتدى ملابسه وحاول أن تكون من النّوع الشّائع عند الناس عبر الباب متجاهلا سؤال أمه التي سألته بلهجة يائسة عن سبب خروجه المبكر برغم أنها كانت تحسّ بان هناك شيئا ما تغيّر في عدنان، شيء سيئ يمر به لأّوّل مرة. لقد كان المسدّس الذي يحمله دلالة مؤملة لها على ما انتبهت إليه...ركب السيارة مع احد أعضاء المجموعة بدون حتى أن يتبادل معه السلام ثمّ أوصله إلى مكان منزو حيث كانت الدراجة تنتظره مع عضو آخر اكبر منه سنا وأكثر تجربه معطيا إياه تعليماته الأخيرة : لا ترتبك اضرب على الرأس والصدر , غادر بسرعة , انسحب إذا رأيت بان الوقت غير ملائم وأخيرا احذر من الهدف فهو ضابط . خذ هذا القناع واتجه نحو الطريق السريع وانتظر عند محطة الوقود كي تسلم الدراجة وتعود وستكون مكافأتك كبيرة ايّها البطل ونحن سنكون قريبين منك لإسنادك والآن انطلق .ركب الدراجة على مهل ،وكان الوقت يمر بسرعة غريبة ثمّ وصل إلى المكان ، ولكنّه التفت ولم يجد سيارة الإسناد , فلم يفكر طويلا. لقد لاحظ بان باب المنزل قد فتح وخرج منه شخص التفت يمينا ويسارا قبل أن يعود و يخرج سيارة صالون بيضاء من الباب مثل جبل جليد يصعد نحو السطح شيئا فشيئا . كان عدنان ينظر إلى الهدف من زاوية ميتة يصعب على الضحية رؤيتها , فركب دراجته وانزل قناعه الأسود وانطلق بها بعد أن تركها تعمل تحسبا لأي طارئ . استطاع عدنان اللحاق بالهدف عند المنعطف . وقد كانت الشوارع شبه خالية لان الوقت كان مبكرا . فأدار مقبض البنزين بقسوة وهو يشدّ على أسنانه مركزا على الهدف فقط وفي نفس اللحظة مد يده إلى المسدس المخبأ داخل سترته القطنية السميكة . فاقترب كثيرا مسددا مسدسه نحو الرأس ولكنه فوجئ بان السائق غاص في مقعده مديرا عجلة القيادة باتجاه الدراجة النارية التي انقلبت بعد ضربة عنيفة من جانب السيارة جعلته يتدحرج هو والدراجة التي كسرت رجله وشلت حركته ... أصيب الفتى بالّرعب وهو يحاول أن يهرب وعيناه تتنقلان باحثتين عن سيارة الإسناد التي لم يظهر لها اثر . نظر إلى الأعلى كي يجد ضحيته قد أصبحت جلاده ووجهت مسدسا بلون الفولاذ نحو صدره وإصبعها يتحرك بحزم كي يضغط على الزناد. مر زمن طويل و كأنه عام وكان ذلك كافيا بان يراجع نفسه للمرة الأخيرة. ها هو, شريط حياته يمرّ أمامه فارغا ليس فيه سوى وجه أمّه والفتاة الّتي يحبها..
منذ سنين و أنا أتهرب منه, اليوم سوف أواجهه لا بد أن اكسر الحاجز ...لن أخاف , بعض الأحيان الهروب أقسى من المواجهة والاختباء اشد ذلا من الهزيمة, سأذهب وليكن ما يكون , فكرت بكل هذا وأنا أزر قميصي المكوي بعناية , بحثت عن ساعتي وأنا اردد: لن أخاف سأذهب, مسحت نظاراتي الطبية وتأكدت من أوراق الهوية والنقود وهاتفي النقال ونظرت نظرة أخيرة إلى انعكاس وجهي في المرآة وخرجت , فتحت مزلاج الباب ...ترددت لحظة ولكني عبرت العتبة بإصرار, مشيت في الشارع ويدي تحيي شباب الحي الواقفين عند الأركان ومفترقات الشوارع والمحاصرين في مناطقهم بين العنف والهدوء الذي يسبقه..اشتريت علبه سجائر من الرجل العجوز الذي ينصحني في كل مرة بان اترك التدخين والذي يهوى إسداء النصائح ,تركته ينصحني ومشيت وأنا أحاول الابتسام ..ليس هذا وقتك يا أيها العجوز ..أشعلت سيجارة وأخذت نفسا وكأني اشهق استعدادا للغوص , تاكسي !! توقفت السيارة أمامي بحزم وسائقها الشاب ينظر ألي وهو مبتسم . لم أضيع الوقت بالسلام و أطلقت عبارتي في وجهه :إلى الأعظمية , لم يجب نظر إلي بنفس الابتسامة وحرك سيارته بحثا عن زبون آخر ! حسنا بداية غير مشجعة . أما الثاني فقد أجاب بجديه أكثر : آسف عندي عائلة ! لم انجح بإقناع احدهم بالذهاب إلى هناك ولكن في النهاية احدهم اقترح أن يوصلني إلى الشارع الرئيس القريب من مبتغاي وستكون المهمة أسهل من هناك , على حد قولة, . كان الجو رائعا والشوارع مزدحمة , وصلت وصعدت مرة أخرى إلى الاعظمية ..سيارة الأجرة تخترق الدروب الافعوانية المليئة بالكتل الإسمنتية والتي يحرسها رجال مسلحون بعيون مدججة بالشك , أيه..إنها الدروب نفسها التي مررت عليها كثيرا حين كانت مدرستي هنا , حين كنت فتىً غضا , لم أمر من هنا منذ أعوام, تغيرت الأشياء كثيرا وآثار الرصاص والشعارات المقيتة المشطوبة صارت و كأنها تشبه التجاعيد التي تملئ وجوه العجائز. بدأت الأيام ترجع مثل شريط مصور و بدأت أعود تلميذا في إعدادية الأعظمية ..هنا كنت انزل من الباص , هنا كنت التقي أصدقائي , على هذا المقهى كنا نجلس , من أطلال هذا المطعم الصغير كنا نشتري طعامنا البسيط , هنا دق قلبي حين مرت صبية بشعر اسود طويل كالأرجوحة وعينين كحيلتين ولكني اليوم لم آتي إلى هنا إلا كي أواجه الخوف , الخوف من كل شيء و من أي شيء , جعلت للخوف دلالة رمزية هي تلك الشوارع التي قطعتها إلى هنا ..الشوارع التي تثير أسماؤها الرعب حين أقف عليها و حين اقطعها وأعود منها سالما ..حينها فقط أكون قد انتصرت, اليوم جئت كي الآمس أعمدة شارع عشرين , اليوم جئت كي احتفل بالمولد الذي يقام هنا في كل عام و توقف منذ سنين بسبب ما يجري, ولكن اليوم ..الشوارع تمتلئ لأول مرة منذ زمن طويل , الشباب يبتسمون بفرح مندهش مثل اندهاش سقوط الماء البارد على الرأس!, نزلت وقررت المشي , لم يسألني احد من أين أنت؟ كانت قلوبهم تستقبل الجميع لم اعد أخاف , لم اعد انتظر أن اعدم في احد الشوارع الضيقة بعد تحقيق سريع , هؤلاء هم الناس الطيبون الذين اعرفهم ! العاب نارية بسيطة تطلق من أيدي الصبية ودوي ازدحام الكتل البشرية التي كانت كلماتها تطير يشعرني وكأني استمع لموسيقى, مشيت في وسط الزحام نحو مرقد الإمام أبي حنيفة حيث الاحتفال , كان الناس يبتسمون ابتسامه من القلب ولكنهم لم يكونوا يبتسمون فرحا بسبب المولد فقط وإنما يبتسمون لأنهم انتصروا, فقد كانت هذه الشوارع قبل زمن ليس بطويل شوارع أشباح والنفايات تملؤها ورجال ملثمون بعيون شريرة يقفون عند المفاوز والمفترقات ,. أتطلع إلى المراهقات بمشيتهن الخجولة وقلوبهن التي ستمتلئ يوما بالحب وهن يحاولن أن يجعلن أعمارهن تبدو اكبر ...إنها الحياة تعود إلى هنا...الشموع و ألآس والحناء تملئ الشوارع وأصوت المناقب النبوية القادمة من مكبرات الصوت تحيطنا بجو روحاني ...كم كنت يائسا منك يا عراق! كنت غارقا في الفرح الذي سيأتي والحزن الذي مضى إذ سمعت من يناديني بصوت أجش! استدرت بوجل ..نظر شاب عملاق ,يبدو انه من سكان الحي, نظر في عيوني مباشرة وكأنه يريد أن يخترقها ..تقدم نحوي.... احتضنني ورفعني عن الأرض وضمني إلى صدره !!..وهمس انا خالد هل تذكرتني يا نبيل؟..وأجهش بالبكاء.
مازلت أدور مثل المغزل في فراشي , جربت كل أوضاع النوم , أضع الوسادة على راسي ,ادفنه بين الأغطية , أغطي عيني بالمنشفة , لكن لا فائدة , ذلك المشهد يطاردني, يدخل علي من كل المنافذ كأنه نار مشتعلة في رأسي ويمر مثل شريط أمام عينيِّ المغمضتين. منذ ثلاث ساعات وأنا أصارع النوم ولكن بلا فائدة ,لا استطيع منع نفسي من التفكير به, كانت صورة العظام التي تنتشر قريبا مما تبقى من جسده الذي لم يتبقّ منه سوى جمجمة وعظام الضلوع المغطاة ببعض الخرق ,هي الأكثر ألما , لم اقدر على المقاومة أكثر فجلست على حافة السرير مركزا عينيّ على لهب الفانوس الذي صار رفيقا لليل بعد أن ترك التيار الكهربائي رفقته منذ زمن ,خاطبت نفسي مؤنبا إيّاها: كان من المفروض ألاّ انظر إلى تلك الصورة التي دعاني لمشاهدتها جاري الذي لا اعرف من أين يحصل على تلك الأشياء! , أرعبني منظره مرميا في أحد الشوارع حيث بقي حتى لم يبق من جسده سوى عظام. السؤال الذي ظل يطاردني ويحاصرني هو : أين ذهب الناس؟ بقيت اردد هذا السؤال مع نفسي بصوت مرتفع غاضب , حضنت راسي بين كفي ّ للحظات قبل أن استلقي مرة أخرى مفكرا باللاشيء لوهلة قبل أن ألاحظ تذبذب ضوء الفانوس الذي يستقر على الأرض عند زاوية الجدار, ولكن الريح في الخارج ساكنة ! تحركت نحو الفانوس كي أتأكد من أن فيه من الوقود ما يكفي. استغربت وأنا اجلس القرفصاء معيدا إياه إلى مكانه حين سمعت صوتا صدر من كل مكان في الغرفة ! صوت محسوس أكثر مما هو مسموع, قال: لا عطل بفانوسك إنها تموجات روحي. كان صوته يعكس ثقة رجل يعرف كل شيء. لم ارتعب ولكني كنت أحاول التأكد باني فعلا قد سمعت الصوت. أنصتُ مرة أخرى وأنا اسأل بتوجس وعيوني مفتوحة على أقصاها وأذناي تحاول سمع أي حركة : من ؟. لم اسمع سوى نبضات قلبي التي أخذت بالتسارع . حاولت شغل نفسي وأقنعها أن ذلك كان من بقايا النعاس وأحلام النوم الذي أتى ومسني وذهب , ولكن الصوت عاد مرة أخرى سائلا بإصرار: هل أنت حزين اليوم ؟ . فكرت بان افتح باب الغرفة واركض هاربا ولكني حاولت أن أكون أكثر جرأة وأجيبه وأنا غير مصدق , - نعم أنا حزين ولكن ما أدراك ومن أنت وماذا تريد؟, سألته بارتباك حاولت جاهدا أن أخفيه. - أنا اعرف الكثير من الأشياء لان الأرواح الهائمة ترى وتسمع وتراقب و تشعر بمن يفكر فيها . - ولكني لم أفكر بك ولا أعرفك. - لا تعرفني نعم ولكنك فكرت بي طويلا . - حسنا ومن أنت ؟ - أنا من رأيت بقاياه في الصورة اليوم. صدمت حين قال عبارته الأخيرة ! بقيت أعيد تفاصيل تلك الصورة المفزعة محاولا إيجاد رابط بين صوته و عظامه وحظر أمامي السؤال الذي كان يحيرني وكأنه جاء فقط كي يجيب عنه وسألته: لماذا بقيت كل هذا الزمن هناك حتى صرت عظاما مع انك كنت في إحدى شوارع المدينة وليس في مكان منعزل؟ وكذلك آمل أن تحكي لي قصتك . صمت لزمن طويل حتى ظننت بأنه قد ذهب واني كنت أتخيل ما دار من حوار سمعت همهمة ما قبل الكلام و بعدها استرسل قائلا: - كنت عائدا مع الآخرين في سيارة تحمل الكثير من الناس من طريق طويل , طويل جدا , أوقفونا , تطلعوا في أوراقنا دققوا في سحنتنا ولهجتنا , أخذوني مع آخرين أدخلونا إلى الأزقة , كانت هناك نساء و كان هناك أطفال ينظرون إلينا من خلف الأبواب , الأيدي مربوطة والأعين معصوبة, , حاكموني على أشياء لم افعلها , قرروا إعدامي لان غيري عدوّهم , إطلاقة في مؤخرة الرأس , رفست ساقّي مثل ديك مذوبح , شتموني وابتعدت سياراتهم كي يعدموا الآخرين .بعد أن حذروا الناس من دفني بكت علي بعض النسوة ,و شعرت برغبة بالنوم , شعرت بالحرية لان الموت ولادة جديدة , جلست روحي على الرصيف القريب تخاف أن تبتعد عن جسدي , صرت اسمع الكثير من الهمس وارى عبر الجدران ,حواسي صارت أقوى ! لحظات وجاءت أرواح أخرى تطمئنني بان كل شيء سيكون على ما يرام وأنهم ماتوا قبلي و لكنهم حسدوني لأنهم قتلوني سريعا , ظلت روحي تهيم عند المكان , كل ليلة أتعذب من الحزن و حين أعود أجد جسدي في مكانه, صرت احلق مع بقيه الأرواح مستقبلا الأرواح الجديدة , سماء بغداد تعجّ بنا هل تعلم ذلك؟ ,
- بماذا يفكر الرّجل قبل الرّصاصة؟ (سألته بطفولة) - إذا كان متزوّجا يفكّر بزوجته وأطفاله وإن كان أعزب فلا اعرف بماذا سيفكر لأني متزوج. - حسنا ولماذا أتيت إليّ ؟ - لأنه أسعدني أن أجد من يحزن من اجلي. - هل ستأتي إليّ دائما ؟ - ربما سأستقبلك أنا يوما . - ماذا؟ هل سأقتل؟ - وداعا هناك خمسة أرواح يجيب أن استقبلها أنا اسمع عويلها. تركني وعاد اللهب صافيا ولكن روحي منذ ذلك اليوم ترتعش.














